أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.
في هذه الحلقة؛ نفتح ملف «حرب الغاز»، تلك المعركة الجيوسياسية المحتدمة التي تمتدّ خيوطها وتشابكاتها من سهول أوكرانيا وصولاً إلى مضيق هرمز الاستراتيجي. حربٌ بات فيها الغاز سلاحاً اقتصادياً ونفوذاً سياسياً، يوظّفه الكيان الصهيوني بنواياه التوسعية والاحتلالية ضدّ المنطقة العربية، مستهدفاً بشكل مباشر حقوق الشعب الفلسطيني والسيادة اللبنانية، لفرض معادلات التبعية والحصار.
لتفكيك أبعاد هذا الملف وأسراره، يسعدنا أن نستضيف معنا الخبير والمحلل في الشؤون السياسية، الأستاذ في جامعة طهران، الدكتور روح الله كهن هوش نجاد.
فاصل
(المحور الأول)
لا يمكن الحديث عن معادلة الطاقة الدولية دون التوقف أمام المكانة الاستثنائية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. بامتلاكها ثاني أكبر احتياطي مؤكد للغاز في العالم بما يفوق ثلاثة وثلاثين تريليون متر مكعب، رسّخت طهران موقعها كرقم صعب في هذه الصناعة. ورغم عقود من الحظر والضغوط الغربية ومحاولات عزل التكنولوجيا، استطاعت العقول الهندسية والشركات المعرفية الإيرانية إدارة وتشغيل أكبر الحقول الغازية، وفي مقدمتها حقل بارس الجنوبي العملاق، بمعدلات إنتاج وطنية تتجاوز مليار متر مكعب يومياً؛ في إنجاز وطني حوّل القيود إلى قفزات غير مسبوقة للاكتفاء الذاتي؛ لكن التميز لم يقف عند حدود الاستخراج من باطن الأرض أو قاع البحر؛ بل تجسّد في فلسفة توزيع عادلة قلّ نظيرها عالمياً.
اليوم، تفتخر إيران بامتلاكها واحدة من أطول وأشمل شبكات نقل وتوزيع الغاز في العالم، تمتد لمئات الآلاف من الكيلومترات. لقد تخطت أنابيب الغاز سلاسل الجبال الوعرة والمناطق الصحراوية القاسية لتصل ليس فقط إلى المدن الكبرى، بل إلى أبعد وأصغر القرى والأرياف الإيرانية. تغطية تجاوزت الـ95% من النسيج السكّاني، لتنقل الدفء والرفاهية إلى بيوت الفلّاحين والقرويين في أقصى نقاط البلاد، مجسّدةً المعنى الحقيقي للتنمية المتوازنة والعدالة الخدمية.
وانطلاقاً من مبدأ «الاقتصاد المقاوم»، وضعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية حدّاً لنهج «بيع الموارد الخام». فالغاز الإيراني لم يعد مجرد وقود يُحرق أو يُباع في صورته الأولية، بل تحوّل إلى لقيم أساسي ومحرّك رئيسي لقطاعات الإنتاج الاستراتيجي.
من معامل الصلب والحديد والإسمنت، إلى صروح صناعة البتروكيماويات العملاقة؛ يُعاد تدوير الغاز لإنتاج مئات المشتقات ذات القيمة المضافة العالية، والتي تدر عوائد تنموية وتفتح آفاقاً واسعة للتصدير والتصنيع الوطني، معززةً مناعة الاقتصاد الداخلي أمام تقلبات أسواق الطاقة والضغوط الخارجية.
هذا النجاح التنموي والسيادي لم يرق لأعداء هذا الشعب؛ فأمام فشل سياسات العقوبات في شلّ الدولة، لجأت الأيادي الخبيثة والمخططات الخارجية إلى لغة التخريب واستهداف البنى التحتية الحيوية. لقد شهدت خطوط نقل الغاز وشبكاته اعتداءات وعمليات تخريبية جبانة، في محاولة يائسة ويائسة فقط، لحرمان المواطنين والمدن الإيرانية من الغاز والتدفئة، ومحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي عبر خلق أزمات معيشية تمس حياة الناس اليومية؛ ولكن، وكما في كل منعطف، خابت رهانات المتآمرين. فما إن وقعت تلك الاعتداءات، حتى هبّت كوادر وزارة النفط والشركة الوطنية للغاز، بفرقها الهندسية الميدانية، في سباق ملحمي مع الزمن.
وعلى مدار الساعة، وتحت مختلف الظروف المناخية القاسية، انطلقت ورشات إعادة التأهيل والترميم الفوري، لتُنجز عمليات الإصلاح والصيانة في أوقات قياسية أبهرت المراقبين؛ لضمان تدفق الغاز في الشبكة الوطنية دون انقطاع، وتأمين المخزون والضغط اللازمين قبل حلول فصل الشتاء وموجات البرد القارس. إنها رسالة واضحة بأن البنية التحتية الإيرانية تحميها إرادة وطنية صلبة لا تنكسر أمام التحديات.
وفي السياق ذاته، أجرى زملاؤنا حواراً مع الأستاذ في جامعة طهران، الدكتور روح الله كهن هوش نجاد، وسألوه عن قدرة إيران ومداخيلها في قطاع الغاز، حيث أكد قائلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم، حقيقة إذا أردنا تقييم قوة إيران في قطاع الغاز بصورة علمية، فعلينا أن نفرق بين ثلاثة أبعاد، أولاً حجم الاحتياطات، وثانياً حجم الإنتاج، وثالثاً القدرة على التصدير.
طبعاً من حيث الاحتياطات، هو واضح أنه إيران قوة غازية كبرى، ولا شك في هذه المسألة فهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي مثبت من الغاز الطبيعي في العالم.
وكما هو الواضح أنه نسبة كبيرة منه موجود في حقل يسمى بالحقل بارس الجنوبي المشترك مع قطر. وإيران أيضاً من أكبر منتجي الغاز عالمياً. وطبعاً البيانات السنوية تشير أنه إيران تستطيع أو تنتج حوالي أكثر من 270 مليار متر مكعب، وهذا يضعها ضمن أكبر ثلاثة أو أربعة منتجين في العالم.
لكن المفارقة الأساسية أنه أكثر من 90% من الغاز يستهلك داخل إيران في المنازل وتوليد الكهرباء والصناع والبتريكومياويات. وهناك خطوط أنابيب تمتد إلى أرجاء إيران للقرى والأرياف ولم يكن هناك مدينة أو قرية لم يصل إليها أنابيب الغاز ولم تستهلك الغاز. إذن إيران عملاق غازي من حيث الموارد والإنتاج لكنها ليست حتى الآن عملاقاً في تجارة الغاز العالمي مثل قطر.
لأن إيران تصدر كمية ضئيلة جداً سنوياً عبر الأنابيب إلى العراق وتركيا وهناك إطار محدود للتبادل مع أرمينيا. والسبب هو أنه إيران بأسباب متعددة منها العقوبات وغيرها لا تمتلك صناعة متطورة لتصدير الغاز الطبيعي المساد اللي يسمى بـ LNG. إذن لا تستطيع أن تصدر الغاز إلى الأسواق البعيدة.
أما من ناحية الإيرادات يجب الحذر من إعطاء رقم واحد باعتباره إيرادات الغاز الإيراني. هذا نقطة مهمة جداً لأنه هناك فرقاً بين الغاز الخام وبين القيمة الاقتصادية للغاز المستخدم في البترو كيميائيات خاصةً والأسمدة والكهرباء. مثلاً العراق وحده كان يدفع لإيران في السنوات الأخيرة نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز وتوجد هناك طبعاً إيرادات من الصادرات إلى التركيا ولكن معظمها من العراق. وهذا يعني من ناحية الغاز الذي يصدر مباشرةً.
أما الهمية الأكبر للغاز الإيراني ليست في تصديره خاماً بل الأهمية الكبرى هي في تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة البترو كيميائيات مثل الميثانول والإيثيلين وغيرها.
ولذلك فإن الغاز بالنسبة لإيران ليست مجرد سلعة تصديرية بشكل خام بل هو العمود الفقري لمنظومة صناعية كبيرة وهي البترو كيميائيات وبعدها الكهرباء وأعتقد أن الخلاصة الأهم هي أن إيران تمتلك قوة غازية كامنة أكبر بكثير من قوتها التصديرية الحالية.
فاصل و نواصل
(المحور الثاني)
كانت الأزمة الأوكرانية النقطة الفاصلة التي أسقطت الأقنعة عن طبيعة «حرب الغاز» بين الشرق والغرب. لعقود طويلة، اعتمدت القارة الأوروبية على الغاز الروسي الرخيص والآمن لبناء نهضتها الصناعية وتدفئة مدنها؛ ولكن، مع اندلاع الصراع وتفجير خطوط أنابيب «نورد ستريم» في المياه الدولية -في واحدة من أكبر عمليات التخريب للبنى التحتية للطاقة عالمياً- وجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام مأزق تاريخي.
أزمة طاقة غير مسبوقة، تضخم قياسي، وإغلاق لمئات المصانع؛ ثمن باهظ دفعته الشعوب الأوروبية ثمناً لتبعية قادتها للمخططات الجيوسياسية الغربية وسياسة فرض الحظر.
وأمام هذا الفطام الإجباري عن الغاز الروسي، انخرطت دول الاتحاد الأوروبي في سباق محموم للبحث عن بدائل؛ لكن «الاستقلال عن الطاقة الروسية» كلّف القارة العجوز ثمناً باهظاً؛ حيث تحولت من شريك للغاز عبر الأنابيب إلى رهينة للغاز الطبيعي المسال القادم عبر المحيطات بأسعار مضاعفة عدة مرات، وعلى رأسه الغاز الأمريكي عالي التكلفة. كما اتجهت الأنظار نحو شمال إفريقيا وغرب آسيا، في محاولات مضنية لسدّ العجز، لتكتشف أوروبا أن تعويض الكميات الهائلة ليس مجرد توقيع عقود، بل يتطلب سنوات من بناء المنشآت وشبكات الاستقبال، مع خسارة واضحة لميزتها التنافسية الصناعية لصالح قوى دولية أخرى.
وإلى جنوب القوقاز، حيث يتقاطع التاريخ والجغرافيا وتبرز الطاقة كأحد أخطر محركات الصراع بين أذربيجان وأرمينيا. فخلف الشعارات القومية والحدودية، تقبع شبكات من الأنابيب الاستراتيجية كخط باكو-تبليسي-أرضروم والممر الجنوبي للغاز، الذي تسعى باكو عبره لتكون شرياناً بديلاً ومغذياً لأسواق أوروبا.
هذا البُعد الطاقوي حوّل النزاع في القوقاز إلى ساحة تجاذب بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تسعى أطراف غربية لتوظيف أنابيب الغاز وممرات النقل في محاصرة النفوذ الإقليمي وفرض معادلات جديدة، ما جعل أمن الأنابيب جزءاً لا يتجزأ من حروب السيطرة على الممرات والممرات الجغرافية.
ومن القوقاز إلى قلب المشرق العربي... إلى سوريا، التي يدرك الباحثون والمتابعون أنها كانت في صميم ما وُصف تاريخياً بـ«حرب الأنابيب». فمنذ اللحظات الأولى للأزمة، كانت الجغرافيا السورية ساحة تصادم بين مشاريع نقل الغاز ومخططات تغيير مسارات الطاقة الدولية لإعادة هندسة غرب آسيا. ولم تتوقف هذه الحرب عند الصراع الدبلوماسي أو العسكري؛ بل اتخذت طابعاً تخريبياً همجياً استهدف لقمة عيش السوريين ودفأهم. لقد شهدت الساحة السورية تفجيرات متكررة طالت محطات إنتاج الغاز وخطوط النقل في البادية ومناطق وسط البلاد؛ عمليات تخريبية واعتداءات ممنهجة تهدف إلى حرمانها من توليد الكهرباء والتدفئة، وتكريس سياسة الحصار الخانق وسرقة الثروات الوطنية، في مشهد يعكس كيف يتحول الغاز إلى أداة لتركيع الشعوب وحرمانها من مقومات الحياة الأساسية.
تُظهر كل هذه المحطات والخرائط المشتعلة -من سهول أوكرانيا، إلى قمم القوقاز، وصحراء الشام- حقيقة دامغة: إن معركة الغاز ليست مجرد تجارة وأسعار، بل هي معركة سيادة واستقلال وطني بوجه مخططات التبعية والتخريب. فالطاقة التي خُلقت لتكون شرياناً للبناء والازدهار، تحوّلت بأطماع القوى المهيمنة إلى مبرر للحروب وحصار الشعوب.
وفي سياق استعراضنا لمشهد «حرب الغاز» العالمية وتشابكاتها المعقدة، توجهنا بسؤالٍ إلى الدكتور روح الله كهن هوش نجاد حول مدى جدية هذه المعركة، وإلى أي مدى تدرك الدول العربية والإسلامية خطورة هذا الحرب؟ فأجاب موضحاً:
أعتقد أن تعبير حرب الغاز لم يعاد عن تعبيراً إعلامياً مبالغاً فيه. الغاز أصبح جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن القومي والأمن الاقتصادي، لكن الحرب هنا لا تعني بالضرورة حرباً عسكرية مباشرة من أجل الغاز.
وإنما تعني المنافسة على الاحتياطات وخطوط الأنابيب ومعاطات الغاز المسال بين قوسين LNG والموانئ والعقود طويلة الأجل والأسواق وحتى طرق الملاحة البحرية.
فشاهدنا أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية أثبتت ذلك بصورة واضحة.
أوروبا كانت تعتمد بصورة كبيرة على الغاز الروسي واضطرت خلال فترة قصيرة إلى إعادة بناء خريطة إمداداتها والتوسع في استيراد LNG من الولايات المتحدة وقطر واستراليا ومصادر أخرى. وفي النصف الثاني من العام الماضي ارتفعت نسبة واردات الغاز المسال بنسبة 25% في أوروبا.
وبعدها جاءت الأزمات في الشرق الأوسط والعدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران وفلسطين ولبنان. وهذه الأزمات أكدت أن الغاز يمكن أن يتحول سريعا إلى أداة ضغط جيوسياسي فمثلا في عام ٢٠٢٥ أدى توقف العمل في حقلي لفياتان وكاريش بين الحدود اللبنانية والحدود الكيان المحتل لمدة قصيرة وهذا أدى إلى توقف صادرات الغاز إلى مصر والأردن وتأثرت صناعات ومحطات الطاقة.
وفي نفس الوقت ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية حوالي ٢٠٪ خلال الأيام وايضا ارتقعت أسعار LNG وهذا يبين أنه حادث عسكريا في الشرق الأوسط وأي مكان آخر في العالم يؤثر مباشرة على الأسعار في أوروبا وآسيا. أما حول الحرب الأخيرة مضيق هرمز هو أكثر حساسية وكان يمر حوالي ٢٠٪ من تجاه الغاز الطبيعي المسالة العالمية من هذا الممر العالمي قبل الحرب ولهذا أي إضطراب كبير في المضيق يتحول إلى أزمة عالمية.
أما بالنسبة إلى الدول العربية والإسلامية هناك يعني وعي متزايد جدا بهذه المسألة لكنه غير متساوي. مثلا قطر على سبيل المثال بنت سياساتها الاقتصادية والجيوسياسية منذ عقود حول LNG وكانت يعني لديها طاقة كبيرة جدا وأيضا بعض الخطوط يعني خططت أن تستخدم بعض هذه الخطوط لكن التركيز كان على LNG .
الجزائر أيضا تستخدم الغاز كعنصر أساسي في علاقاتها مع مثلا أوروبا وبدأت تنظر إلى محطات LNG والتخزين والربط الكهربائي باعتباره جزء من الأمن القومي.
لكن برأيي المشكلة أن العالم العربي والإسلام يمتلك جزءا ضخما من احتياطات الغاز العالمية من إيران وقطر إلى الجزائر وتركمانستان وحتى أذربيجان لكن لا توجد هناك يعني استراتيجية غازية جماعية متكاملة لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس نقص الموارد وإنما هو نقص التكامل يعني تكامل خطوط الأنابيب تكامل محطات LNG شبكات الكهرباء الاستثمارات المشتركة وعقود طويلة الأجل بين هذه البلدان.
فاصل و نواصل
(المحور الثالث)
لسنوات طويلة بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، كان الكيان الصهيوني مستورداً للغاز الطبيعي من جمهورية مصر العربية عبر خط أنابيب سيناء بأسعار تفضيلية؛ لكن على مدار العقد ونصف العقد الأخيرين، وضمن استراتيجية صهيونية ممنهجة، انقلبت هذه الآية بالكامل.
مع وضع اليد على حقول غاز شرق البحر المتوسط كـ«تمار» و«لوثيان»، انتقل الاحتلال تدريجياً من خانة المستهلك إلى خانة المورّد، وصولاً إلى توقيع اتفاقات ضخمة تصدّر بموجبها تل أبيب مليارات الأمتار المكعبة من الغاز إلى مصر لإعادة تسييله أو استهلاكه محلياً. تحوّل لم يكن تجارياً بحتاً، بل كان خطوة جيوسياسية مدروسة لتحويل الجوار العربي من موقع التأثير والضغط إلى موقع المتلقي والارتهان لمفاتيح الضخ الصهيونية. لم تقف أطماع الاحتلال عند هذا الحدّ؛ بل تبلورت مشاريع خطيرة مدعومة من قوى غربية لربط شبكات الطاقة الإقليمية بالغاز المستخرج من الحقول الخاضعة للسيطرة الصهيونية. طروحات ومخططات لمسار تصديري يمتد من الاحتلال إلى مصر، ومنها عبر الأنابيب إلى الأردن، ثم باتجاه سوريا ولبنان لتزويد محطات الكهرباء بأربعة بلدان عربية بالغاز المسال أو الطبيعي.
إن هذا المخطط لا يسعى فقط إلى جني أرباح طائلة، بل يهدف في جوهره إلى: ربط أمن الطاقة والبنية التحتية الأساسية في هذه الدول الحيوية بمشيئة الكيان الصهيوني، وتجريد العواصم من أوراق القوة والمقاومة، وفرض «تطبيع تقني واقتصادي قسري» يجعل قطع الغاز ورقة ابتزاز دائمة تُشهر في وجه أي قرار سياسي سيادي.
وفي قلب هذه الهندسة الإقصائية، تتجلى بوضوح الطبيعة العنصرية للمشروع الصهيوني. ففي الوقت الذي تُخطط فيه خطوط الأنابيب لتطويق المحيط العربي والتسلل إلى عواصمه، تُستثنى الضفة الغربية والشعب الفلسطيني المحاصر بشكل مقصود وكامل من هذه الشبكات. تلتف خطوط التصدير حول المدن والقرى الفلسطينية، حارمةً أبناء الأرض التاريخية من الاستفادة من أدنى مقومات الطاقة أو تطوير قطاعاتهم التنموية، في تكريس لسياسة الحصار الاقتصادي وخنق المواطن الفلسطيني ودفعه نحو العوز والتبعية المطلقة للكهرباء الإسرائيلية باهظة الثمن، بينما تُنهب الثروات الغازية قبالة سواحل فلسطين المحتلة وتُسوّق إلى الخارج.
وإلى الجبهة الشمالية، إلى الساحل اللبناني، حيث تتكشف فصول معركة السيادة على الثروات البحرية. لطالما كان حقل «كاريش» الغازي عنواناً للاشتباك وللمعادلات الاستراتيجية التي رسّخها سيّد شهداء المقاومة، السيد حسن نصرالله، حينما أعلن بوضوح وحسم: «لا غاز ولا استخراج للعدو من كاريش إن لم يستخرج لبنان حقه ونفطه». معادلةٌ أجبرت الاحتلال ورعاته آنذاك على الانصياع وترسيم الحدود البحرية؛ لكن، ومع تصاعد الهجمة الصهيونية والعدوان الواسع النطاق على لبنان، استغلّ الاحتلال دخان الحرب والظروف الميدانية لتثبيت سيطرته العملياتية الكاملة على منصة «كاريش»، ساعياً إلى فرض أمر واقع بالقوة، وسلب الثروات اللبنانية وقطع الطريق أمام لبنان للنهوض باقتصاده عبر ثرواته النفطية والغازية الموعودة.
وفي معرض نقاشنا حول خرائط الطاقة الإقليمية، طرحنا تساؤلاً جوهرياً على الدكتور روح الله كهن هوش نجاد؛ هل تُعدُّ حالة الارتهان الطاقوي التي تفرضها مشاريع الغاز الإسرائيلية على كل من مصر، والأردن، وصولاً إلى لبنان وسوريا، قدراً لا مفرّ منه؟ أم أن هناك بدائل استراتيجية أهملتها هذه الدول؟ فأجاب الدكتور كهن هوش نجاد قائلاً:
برأيي لا يمكن يعني وضع مصر والأردن وسوريا ولبنان في مستوى واحد، مصر والأردن تستوردان فعليا الغاز من إسرائيل، أما سوريا ولبنان فلا تجد لديهما اليوم درجة مماثلة من الاعتماد المباشر على الغاز الإسرائيلي.
أصبحت المسألة أكثر حساسية خلال السنوات الأخيرة بسبب الخفاض الكبير الذي حصل في الانتاج المحلي وتراجع انتاج الغاز في مصر يعني تراجع كبير وازداد اعتماد مصر على الغاز المستورد من إسرائيل وعلى LNG وعندما توقفت الصادرات الإسرائيلية أثناء تصعيد العسكري الذي حصل في ٢٠٢٥ اضطرت القاهرة إلى زيادة استخدام الوقود السائل واستيراد LNG من دول أخرى وتأثرت بعض الصناعات في هذا المجال. أما بالنسبة للأردن فالعلاقة أكثر مباشرة بسبب عقل طويل الأجل مع حقل لفياتان وتستورد الأردن كمية كبيرة من الحقل لفياتان وهذا ارتفع في السنوات الأخيرة وحوالي برأيي يصل إلى حوالي ٣ مليار متر مكعب بالسنة.
لكن هل هذه التبعية حتمية؟ ممكن أن نقول الجواب هو لا يعني اقتصاديا ليس حتمية.
لكنها في أجل قصير نتيجة منطق بيئة التحتية والتكلفة والعقود القائمة يعني الغاز عبر أنابيب اقل تكلفة من LNG الذي يحتاج الى تسييل والنقل البحري وإعادة تقويضها وعندما تكون انابيب جاهزة والعقود طويلة الأجل يصبح تغيير مورد بشكل سريع مكلفا لذلك فان القاهرة وأمان لاتستطيعان ببساطة إلغاء هذه الامدادات بيوم واحد من دون بدائل
أما بالنسبة لسوريا فقد بدأت بالفعل باستقبال الغاز الأذربيجاني عبر تركيا ونستطيع أن نسمي هذا الأمر بعنوان بداء الأقليمية.
لكن لبنان وضعه مختلف والمشكلة الأساسية ليست الاعتماد على الغاز الإسرائيلي بل هو انهيار قطاع الكهرباء مع الأسف ونقص التمويل والبنية التحتية وعدم استقرار منظومة الاستيراد والإنتاج والتوليد.
لذلك من ناحية الاستراتيجية، القضية ليست ان الغاز الإسرائيلي لا بديل له. البدائل الموجود يعني الغاز القطري والعماني عبر LNG والغاز الجزائري والأذربيجاني وحتى ممكن أن نقول ربما أن مستقبل الإيراني ضمن ترتيبات أقليمية مناسبة إن شاء الله.
لكن المشكلة الحقيقية هي سعر البديل وكيفية نقله ومن يموله وما إذا كانت البنية التحتية والعقوبات والاعتبارات السياسية تسمح بذلك ولهذا أقول أن الاعتماد الحالي هو اعتماد بنيوي وليس مسألة قدرا جغرافيا ويمكن تخفيض هذا الاعتماد لكن يتطلب استراتيجية تمتد سنوات وليس مجرد قرار سياسي سريعا.
فاصل و نواصل
(المحور الرابع)
عندما تصبح محطات توليد الكهرباء والمصانع الحيوية في أي بلد عربي مرتبطة بخط أنابيب يتحكم في صماماته الكيان الصهيوني، فإن مفهوم «الأمن القومي» يُفرغ بالكامل من محتواه. إن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو قيد سياسي مباشر يكبل صانع القرار في تلك العواصم. فأي موقف سياسي، أو تحرك دبلوماسي، أو تضامن حقيقي مع قضايا الأمّة وفي مقدّمتها فلسطين، يُصبح مهدداً بالقطع الفوري لإمدادات الغاز تحت ذرائع تقنية أو أمنية، وهو ما يُعيد صياغة المشهد الإقليمي ليكون الكيان هو صاحب اليد العليا والقرار النهائي في استقرار المنطقة. وفي المقابل، يتجلى الوجه الأخطر لهذا التوظيف الصهيوني في الداخل الفلسطيني المحتل. إن استراتيجية الاحتلال لا تقتصر على نهب حقول الغاز الواقعة في المياه الإقليمية لفلسطين التاريخية، بل تتعمد إقصاء فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل من أي استفادة طاقوية أو تنموية.
هذا «العزل الطاقوي الممنهج» ليس عشوائياً؛ إنه أداة صامتة ومدروسة لتعميق الأزمة المعيشية، وتدمير مقومات البقاء الاقتصادي، وتحويل الحياة اليومية إلى جحيم لا يُطاق، بهدف الدفع غير المباشر نحو سياسات التهجير القسري وتفريغ الأرض من سكّانها الأصليين لصالح التمدد الاستيطاني. إنها حرب وجودية يُستخدم فيها الغاز كسلاح تجويع وتهجير. وعلى الضفة الأخرى من المشهد، تبرز القوى الغازية الأصيلة في المنطقة والعالم الإسلامي؛ حيث تفرض إيران وقطر والجزائر حضورها كأعمدة رئيسية في بنية الطاقة الدولية.
قطر، بقدراتها الإنتاجية الهائلة وتصدرها لأسواق الغاز الطبيعي المسال عالمياً بأكثر من 80 مليون طن سنوياً عبر أساطيلها البحرية؛ والجزائر، الصامدة في شمال إفريقيا كمورد رئيسي وموثوق يربط جنوب المتوسط بشماله عبر شبكات أنابيب عملاقة وبمعدلات تصدير تقارب 50 مليار متر مكعب سنوياً؛ وإيران، التي تشكل الركيزة الإقليمية الكبرى باحتياطي يتجاوز 33 تريليون متر مكعب، وصادرات تلبي الاحتياجات الحيوية لجيرانها كالعراق وتركيا، مع تدوير هائل للغاز في صروح البتروكيماويات والصناعات الثقيلة الوطنية.
هذه الأرقام تؤكد أن المنطقة تمتلك كل مقومات الاستغناء والنهوض الذاتي دون الحاجة للاستجداء أو التطبيع مع كيان غاصب يسرق الموارد ويوظفها لابتزاز الآخرين. وهنا نصل إلى جوهر المقارنة الاستراتيجية بين منهجين:
أولاً: النموذج الإيراني المستقل: هو نموذج بُني على مدى أربعة عقود تحت نيران الحظر؛ اعتمد على توطين التكنولوجيا، وبناء شبكة وطنية غطّت أكثر من 95% من القرى والمدن، وتحويل الغاز إلى قيمة مضافة صناعية ولقيم للبتروكيماويات، واستخدام الطاقة كجسر للتكامل الإقليمي العادل القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة دون إملاءات سياسية.
ثانياً: النموذج العربي المرتهن: وهو نموذج استسهل الاستيراد، ووقع في فخ التبعية للكيان الصهيوني والقوى الغربية، ما جعل أمن الطاقة فيه هشاً، وقراره السياسي مرهوناً بمفتاح ضخ يُدار من تل أبيب، مع ما يرافقه من تفريط بالحقوق التاريخية وتطبيع تقني يضر بالأمن القومي العربي على المدى البعيد.
وفي ختام الحوار، وضعنا التحدي الأكبر أمام الدكتور روح الله كهن هوش نجاد، فكان سؤالنا: هل يمكن لإيران وقطر والجزائر، ومعها الدول الإسلامية المنتجة للغاز، أن تضع حداً لهذه «الرهينة الطاقوية» التي يفرضها الاحتلال؟ هل هناك مخرج حقيقي لإنهاء هذا الابتزاز؟ فأجاب الدكتور كهن هوش نجاد قائلاً:
أؤكد مرة أخرى من حيث الموارد الجيولوجية والإمكانات الاقتصادية، تستطيع الدول الإسلامية والعربية أن توفر بدائل كبيرة، لكن لا أعتقد أن الحل الواقعي هو استبدال الاحتكار الإسرائيلي باحتكار مورد آخر.
الحل الصحيح هو بناء تنويع مصادر الغاز، وبناء شبكة إقليمية متعددة الموارد، وهذا يحتاج إلى تنسيق بين هذه الدول. لدينا أولًا قطر، وهي أكبر سعة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتصدر بشكل كبير، ولديها برنامج توسع ضخم يرفع قدرتها الإنتاجية. ولدينا إيران، كما أشرنا، أيضًا لديها قدرة كبيرة، لكنها تستخدم وتستهلك معظم إنتاجها محليًا.
لذلك تستطيع إيران أن تكون جزءًا من هذا الحل، ممكن على المدى المتوسط، لكن ذلك يتطلب زيادة الإنتاج، وخفض الهدر والاستهلاك غير الكفؤ، وتوسيع خطوط الأنابيب. ولا بد من ذلك من معالجة مشكلة العقوبات الظالمة والتمويل والاستثمار. أيضًا نستطيع أن نضيف أذربيجان ولكن بالنسبة أقل من إيران وقطر لذلك أذربيجان نستطيع نضيفها إلى هذه المنظومة الغازية الإسلامية والعربية.
فاصل و نواصل
مستمعينا الأعزاء!
إن التاريخ يُعلّمنا أن الدول التي لا تملك مفاتيح طاقتها وقرارها الاقتصادي، لا يمكنها أن تحمي سيادتها أو تدافع عن كرامة شعوبها. الغاز في يد الأحرار هو وسيلة للتنمية، والاستقلال، وكسر الحصار… وفي يد المحتلين ليس إلّا سلاحاً للهيمنة والتطويع.