البث المباشر

اقتصادُ الجوار... فرصٌ وآفاق / ماهو جهود والعمود الفقري إيران لإعادة إعمار؟

السبت 19 سبتمبر 2026 - 15:41 بتوقيت طهران

نناقش في هذه الحلقة، جهود إيران لإعادة إعمار البلاد سريعاً في أعقاب الحرب، بالاعتماد على القدرات والذاتية الوطنية في حوارٍ مع أستاذٍ من جامعة طهران.

أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.

وعقب استعراض موجز الأنباء، نُسلّط الضوء على جهود إيران لإعادة إعمار البلاد سريعاً في أعقاب الحرب، بالاعتماد على القدرات والذاتية الوطنية في حوارٍ مع أستاذٍ من جامعة طهران.

 

البداية، مع جولة في أبرز العناوين والأخبار:

 

الرحلات الجوية تسير بشكل طبيعي

أعلنت وزيرة الطرق والإسكان أن جميع الرحلات في مطاري مهرآباد والإمام الخميني تجري وفق الجداول الزمنية المقررة، ولا توجد أي مشكلة خاصة، وذلك استناداً إلى أحدث التقارير الصادرة عن منظمة الطيران المدني. وقالت فرزانة صادق: إن الرحلات، وفقاً لما أعلنته ونسقته منظمة الطيران المدني حتى الآن، تنطلق من مطار الإمام الخميني ومن مطار مهرآباد الدولي، وفقاً للإجراءات والجدول السابقين ولم يتم الإبلاغ عن أي مشكلة خاصة في هذا الصدد.

+++

تطوير العلاقات التجارية الإيرانية-العراقية هدف مشترك

أكد مستشار وزير التجارة العراقي أن تطوير العلاقات التجارية مع إيران هدف مشترك، حيث يسعى البلدان على رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 20 مليار دولار.

وقال محمد حنون، في تصريح صحفي حول رفع حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران إلى 20 مليار دولار: أن تطوير العلاقات التجارية بين البلدين هدف مشترك، وهو ما سيتحقق من خلال معالجة العقبات وتسهيل الإجراءات وتهيئة بيئة مناسبة للقطاع الخاص ورجال الأعمال.

++++

هرمزغان تسجل رقماً قياسياً في الإنتاج الزراعي

سجّلت محافظة هرمزغان خط الأمامي في معركة هرمز رقماً قياسياً جديداً في الزراعة خارج الموسم في البلاد، بإنتاج سنوي يبلغ مليوني و614 ألف طن من مختلف المحاصيل الزراعية، إلى جانب تنوع زراعي يشمل 42 محصولاً على مدار الفصول الأربعة. وأشار معاون تحسين الإنتاجات النباتية في منظمة الجهاد الزراعي بالمحافظة إلى هذا الرقم القياسي غير المسبوق، وقال: إن الإنتاج السنوي البالغ مليوني و614 ألف طن من مختلف المحاصيل الزراعية، إلى جانب زراعة 42 محصولاً متنوعاً على مدار الفصول الأربعة، لا يسهم فقط في تلبية جزء من احتياجات السوق المحلية، بل يوفر أيضاً قدرة مناسبة لتطوير الزراعة خارج الموسم في هرمزغان، ويؤدي دوراً حاسماً في تعزيز الأمن الغذائي والتنمية المستدامة للقطاع الزراعي في البلاد.

 

==== فاصل

 

 

(المحور الأول)

لم تكن الضربات التي استهدفت المصافي ومنشآت البتروكيماويات والطرق والجسور والمراكز العلمية في إيران خلال الحرب الصهيو – أمريكية المفروضة مجرد تخريب تقني، بل كانت محاولةً لضرب عصب الاقتصاد الوطني وإرباك سلاسل التوريد؛ ولكن هل نجح هذا العدوان في تحقيق غايته؟ نغوص اليوم في تفاصيل هذه الاعتداءات، ونقرأ في خرائط الاستهداف، لنكشف كيف تحولت محاولات شلّ الاقتصاد إلى اختبارٍ لقوة البنية التحتية الإيرانية وقدرتها على التعافي السريع.

تركزت الاعتداءات الصهيو – أمريكية على مصافي ومعامل معالجة الغاز في عسلوية، وتسبب القصف والحرائق في تعطيل مؤقت لبعض خطوط الإنتاج، وفصل بعض المراحل عن الشبكة لتطويق النيران وتفادي الكوارث الصناعية الكبرى. أثّر ذلك على توازنات الضخ في الشبكة العامة وخطوط إمداد الغاز لمحطات توليد الكهرباء والتصدير. كما استهدف العدو الصهيو – أمريكي منشآت ومجمعات حيوية، مثل مجمعات فجر لتوليد الطاقة والبخار، ومجمعات أمير كبير ورجال للبتروكيماويات في ماهشهر. وتضررت بعض وحدات التغذية الكهربائية والمرافق المساندة التي تعتمد عليها باقي المصانع، مما أدى لتعليق العمليات التشغيلية في عدد من الوحدات للحدّ من المخاطر البيئية والانفجارات. واستهدف محيط ميناء الإمام الخميني ومحطة شلمجة. كما استهدف مخازن المحروقات والوقود اللوجستية ومرافق تابعة لمصفاة طهران والمستودعات النفطية الحيوية في الضواحي ومحيط العاصمة.

وطالت الاعتداءات الطرق والجسور والمباني في مختلف المحافظات الإيرانية، حيث استهدف العدو مطار مهرآباد وشبكة السكك الحديدية وجسر B1 في غرب العاصمة، وضرب الجسور الحيوية للسكك الحديدية والطرق البرية لقطع الممر الواصل بين طهران ومحافظات الشمال والشمال الغربي. كما استهدف جسر في كاشان أدى إلى قطع الشريان البري الرئيسي الذي يربط طهران بأصفهان وشيراز وكرمان. واستهدف أحد الجسور الحيوية على الطرق السريعة الرابطة بين العاصمة ومحافظات الوسط والجنوب. كما استهدف أكثر من 6 جسور حيوية في محافظة هرمزغان. واستهدف جسر طريق هشترود – تبريز في محافظة آذربيجان الشرقية، وجسر سكة حديد «أمين آباد» في زنجان، وجسر سكة حديد «أُقتاي خان» الاستراتيجي في محافظة غلستان، وميناء جابهار، ومطار إيرانشهر، وصوامع الغلال ومستودعات الحبوب. واستهدف مرافق وأبنية تابعة للمطار ومنشآت لوجستية في محافظة سمنان.

كما تضرر ما يزيد عن 32 جامعة ومركزاً للتعليم العالي (وفق إحصاءات جمعية الهلال الأحمر ووزارة العلوم)، وتضررت 857 مدرسة ومنشأة تعليمية في مختلف المحافظات.

مستمعينا الكرام… لم تكن الحرب التي شُنّت على إيران مجرد استهدافٍ لقواعد أو منشآت طاقة، بل كشفت عن وجهها الأكثر شراسة حين تحولت المختبرات الأكاديمية وقاعات المحاضرات إلى أهداف مباشرة للصواريخ. ومن أبرز الجامعات والمراكز البحثية المستهدفة، يمكن ذكر جامعة الشهيد بهشتي وجامعة علم وصنعت وجامعة مالك أشتر التكنولوجية ومعهد باستور في طهران، وجامعة أصفهان الصناعية.

في ظل المعطيات الراهنة حول الاعتداءات التي طالت إيران، والتي تتزامن مع اقتراب الحرب من يومها المئتين، نتوجه إلى أستاذ جامعة طهران والخبير الاقتصادي السيد “روح الله كهن هوش نجاد”؛ لنفتح معه ملف التعافي الوطني، ونسأله: في أعقاب الأضرار التي لحقت بقطاعات البنية التحتية الحيوية -كالطاقة وشبكات النقل- هل تمتلك إيران القدرة على إطلاق حملة إعمارٍ ذاتية؟ وما هي المقومات الاستراتيجية التي تؤهلها لذلك؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين سلامي وتحياتي إلى المستمعين الأفاضل. أعتقد أن الإجابة هي نعم، ولكن مع التمييز بين القدرة على إعادة الإعمار والقدرة على إعادة الإعمار بسرعة ومن دون أي تعاون خارجي. طبعا، إيران تمتلك من حيث المبدأ مقاومات مهمة جدا لإطلاق عملية إعادة إعمار وطنية، وهذا واضح.

خصوصا إذا نظرنا إلى هذه المسألة من زاوية سياسة الاقتصاد المقاوم، التي إيران لا تزال تتمسك بهذه السياسة منذ أكثر من عقد من الزمن. طبعا، إيران ليست دولة تفتقر إلى قاعدة إنتاجية أو إلى قوة عاملة أو إلى المعرفة الفنية. لديها قطاعات واسعة في الهندسة المدنية والإنشاءات والطرق والجسور وإنتاج الإسمنت والحديد والصول، وأهم من ذلك البيترو كيميائيات والكهرباء والنفط والغاز وحتى المعدات الصناعية.

وأيضا، تمتلك إيران جامعات ومراكز بحثية وشركات هندسية ومقاولين محليين قادرين على تنفيذ جزء كبير من أعمال الترميم وإعادة البناء. وهذا ما يحدث فعلا على أرض الواقع بعد حرب 12 يوم وحتى بعد الحرب هذه المفروضة الأربعين يوم. وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الاقتصاد المقاوم الذي أشرت إليه قبل قليل وهو تحويل عملية إعادة الإعمار نفسها إلى محرك الإنتاج الداخلي.

هذه نقطة مهمة جدا. فإذا تضرر طريق فالمطلوب ليس بالضرورة استيراد طريق من الخارج وإنما يمكن أن تصبح إعادة بناء الطريق طلبا جديدا على الإسمنت والحديد والآلات والنقل والهندسة والعمال المحلية. هذا يعني واضح.

وبذلك تتحول عملية التعافي الاقتصاد من مجرد انفاق حكومي إلى دورة انتاجية داخل الاقتصاد الوطني. طبعا يجب أن لا نبالغ في تقدير القدرة الذاتية. هذا مهم أيضا جدا.

بعض القطاعات طبعا تحتاج إلى التكنولوجيا المتقدمة أو قطع الغيار أو تمويل خارجي أو المواد التي يصعب تارة انتاجها محليا. كما أن الحرب طبعا أضعف الاستثمار وتكوين رأس المار وفي وقت أيضا كانت إيران تعاني أصلا من العقوبات الظالمة المفروضة والقيود على التجارة. وطبعا التقديرات موجودة ومنشورة بعد الحرب أنه تعرض قطاعات النفط والغاز والبتروكيمياويات والصلب والكهرباء والموانئ مع الأسف والمطارات والطرق والجسور لأضرار طبعا من العدوان الأمريكي الإسرائيلي لذلك من منظور الاقتصاد المقاوم لا ينبغي أن يكون السؤال أنه هل تستطيع إيران أن تعيد بناء نفسها من دون العالم؟ بل يعني يجب أن نقول السؤال الأدق هو هل تستطيع إيران أن تجعل مركز ثقل إعادة الإعمار داخل الاقتصاد الإيراني؟ وأعتقد كما قلت في البداية أن الإجابة هي نعم يمكن أن تكون المساعدة الخارجية عاملا يعني مسرعا لهذه العملية لكن لا ينبغي أن تكون شرطا لبقاء الاقتصاد أو لبدء عملية إعادة البناء.

 

فاصل ونواصل البرنامج

 

 

(المحور الثاني)

كانوا يراهنون أن “سياسة الضغوط القصوى” ستعزل إيران، وأن إغلاق مضيق هرمز سيخنق شريانها الاقتصادي؛ ولكن، بينما كان المحللون في الغرب يترقبون لحظة الانكسار، كانت السواعد الإيرانية في الداخل تكتب فصلاً آخر من فصول “الاقتصاد المقاوم”.

اليوم، لا تبحث إيران عن ممرات لفك الحصار، بل تبني ممراتها الخاصة من خلال الابتكار الوطني، والشراكات الإقليمية الصاعدة، والاعتماد على الكوادر الشابة. إن المصانع التي تضاعف إنتاجها، والمشاريع الاستراتيجية التي تُدشن في عزّ الحصار، هي الردّ الأبلغ على كل واهمٍ ظنّ أن قيد العقوبات يمكن أن يوقف عجلة التاريخ. فعند استهداف الجسور لقطع شريان الربط بين المدن، لم تنتظر كوادر وزارة الطرق ومؤسسات الإعمار زوال الخطر؛ بل انطلقت ورش الصيانة والتشييد تحت خطة الاستجابة السريعة. فخلال ساعات معدودة، تم تسيير الطرق البديلة والممرات الجسرية المؤقتة، لتبدأ فوراً عمليات صبّ القواعد وإعادة بناء الهياكل الرئيسية وتجهيزها للخدمة في أسبوع واحد بدلاً من أشهر، وهو ما كسر تماماً هدف العدوان في محاصرة طهران لوجستياً.

كان الرهان الصهيو - أمريكي يعتمد على عزل ميناء الشهيد رجائي وبندرعباس عبر ضرب أكثر من 6 جسور حيوية؛ لكن الاستجابة الوطنية تمثلت في تحريك الجسور الهيكلية مسبقة الصنع، وتم تركيب الممرات البرية والحديدية للقطارات في زمن قياسي، ليُعاد تدفق شاحنات البضائع والوقود إلى العمق الإيراني دون انقطاع يُذكر.

كما تمت عملية إعادة التأهيل والتشغيل في حقل بارس الجنوبي الغازي وفق خطة طوارئ محكمة قادها خبراء شركة النفط الوطنية والشركات المعرفية الإيرانية عبر ثلاث مراحل رئيسية:

الأولى: مرحلة عزل الأضرار وتأمين المنشآت. الثانية: فرق الطوارئ وتدخل الشركات القائمة على المعرفة. الثالثة: استعادة شبكة البخار وتوليد الكهرباء. وتم، خلال أيام معدودة، ربط الوحدات التي جرى إصلاحها بالشبكة العامة، وتفادي أي أزمة في إمدادات الغاز للمدن أو محطات الكهرباء.

سألنا الأستاذ كُهن هوش نجاد عن الركائز الإنتاجية الصلبة التي اعتمدت عليها إيران لإطلاق ورشة الإعمار بهذه السرعة الفائقة؟

فأجاب قائلاً:

حقيقة إذا أردنا أن نفهم قدرة إيران على إعادة الإعمار، فيجب أن لا ننظر فقط إلى حجم الأضرار، بل إلى ما بقي من القاعدة الإنتاجية بعد الحرب. وأعتقد أن إيران تمتلك خمس قواعد أساسية يمكن أن تشكل العمود الفقري لإعادة الإعمار. أولا، هي قاعدة الطاقة.

 

إيران، كما الكل يعلم، تمتلك واحدة من أكبر قواعد النفط والغاز في العالم. بل إذا جمعنا النفط والغاز معاً، فهي تكون الأولى في العالم. إضافة إلى شبكة واسعة من المصافي ومحطات الكهرباء وخاصة البتروكيمياويات

صحيح أن الحرب والعقوبات الحقتها أضراراً كبيرة بهذا القطاع، لكن وجود قاعدة الطاقة نفسها يمنح الإقتصاد الإيراني ميزة استراتيجية في مرحلة التعافي. القاعدة الثانية هي قاعدة الصناعات الأساسية وخاصة الإسمنت والحديد والصلبة والبتروكيمياويات والمواد البناء. وهذه القطاعات بالذات مهمة جداً لإعادة الإعمار.

قبل كل شيء عندما تريد أن تبدأ بإعادة الإعمار، المواد الأساسية هي المهمة جداً للإسمنت والحديد مثل الزجاج والإنابيب والإسلاك والمؤدات الكهربائية وما إلى ذلك. وهذه كلها موجودة في إيران ولديها قدرات محلية على إنتاج هذه المواد بل حتى تصديرها إذا سمحت الفرصة. ثالثاً القاعدة المهمة هي جداً القاعدة الهندسية والبشرية.

إيران تمتلك عدداً كبيراً من المهندسين والفنيين والعمال المتخصصين وشركات المقاولات والاستشارات الهندسية. وهذا رأس مال طبعاً لا يظهر دائماً في أرقام الناتج المحلي لكنه بالغ الأهمية في مرحلة إعادة البناء. رابعاً طبعاً هي القاعدة الزراعية والغذائية.

طبعاً إيران نعلم أنه تحتاج إلى استيراد بعض السلع ولكنها تمتلك إنتاجاً زراعي وصناعات غذائية وشبكات توزيع واسعة. الأمر الذي يسمح لها بالحفاظ على حد أدنى من الاستقلال في الأمر الغذائي وهذا مهم جداً. خامساً القدرة على التكيف مع القيود الخارجية.

هذه أيضاً نقطة مهمة جداً. الاقتصاد الإيراني على مدى سنوات طويلة مجبور على العمل في بيئة تحيط بها العقوبات وصعوبات التحويل المالية والاستيراد نتيجة العدوان والعقوبات الأمريكية. ولذلك نشأت داخل الاقتصاد الإيراني آليات للتوطين واستبدال بعض الواردات وإعادة توجيه التجارة واستخدام الأسواق الأقليمية وهذا هو جوهر مفهوم الاقتصاد المقاوم.

ليس المقصود في الاقتصاد المقاوم أن ينتج البلد كل شيء بنفسه فهذا طبعاً غير واقعي وإنما أن تكون لديه قدرة انتاجية كافية تمنعه من التحول إلى اقتصاد معطل عندما تنقطع بعض القنوات الخارجية. ولهذا فإن إعادة الاعمار في إيران يمكن أن تبدأ من القاعدة الموجودة بالفعل ثم تستخدم التجارة والاستثمار الخارجيين لتسريعها بدل من أن تبدأ من الصفر.

 

فاصل ونواصل البرنامج

 

 

(المحور الثالث)

يتساءل الكثيرون: كيف يمكن لدولة تتعرض لأقصى درجات الحصار الاقتصادي أن تبني جسوراً، وتدير مصافي نفط، وتطور بنية تحتية رقمية وعلمية في ظل ظروفٍ كان يُفترض أن تُسقط دولاً بأكملها؟ السرّ لا يكمن في “الصدفة”، بل في تحول “اقتصاد المقاومة” من شعار سياسي إلى خارطة طريق هندسية.

لم تكتفِ إيران بمواجهة الحصار بالصبر، بل اعتمدت سياسة «الاستبدال الذكي». فعندما أغلقت الشركات الغربية أبوابها وخرجت من إيران، لم تنهَر الصناعة. بدلاً من ذلك، تم تفعيل ما يُعرف بـ«الشركات المعرفية». لا يوجد في إيران فصل حاد بين المؤسسات الهندسية العسكرية وبين القطاع المدني. فعندما تطور المؤسسة العسكرية تقنيات لبناء جسور سريعة لنقل القوات في الحروب، يتم فوراً نقل هذه التقنية وتوظيفها لبناء جسور الطرق السريعة وتطوير البنية التحتية المدنية بعد الضربات أو في الأزمات. هذا التداخل جعل من الهندسة العسكرية “قاطرة” للتنمية المدنية، مما وفّر سنوات طويلة من البحث والتطوير.

كما تمتلك إيران واحداً من أكبر أعداد الخريجين في مجالات الهندسة والفيزياء والكيمياء في المنطقة. استهداف النخب العلمية ودمجهم في مشاريع وطنية كبرى، جعل العقل الإيراني هو المورد الطبيعي الأغلى الذي يعوض نقص العملة الصعبة أو التكنولوجيا المستوردة.

من جانب آخر، أدركت إيران أن العالم ليس الغرب فقط. وانضمت إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس. هذه التحالفات لم تكن رمزية، بل وفرت “شرائين مالية وتقنية” بديلة. الصين وروسيا وفرتا تكنولوجيا ومعدات، بالإضافة إلى أسواق تصريف للنفط الإيراني بعيداً عن نظام سويفت الغربي، مما كسر فعالية المحاصرة البحرية والمالية.

ومن هذا المنطلق، استعرض الأستاذ “كُهن هوش نجاد” خلال حواره مع زميلي، ما وصفه بـ“الازدواجية في تأثير العقوبات”، موضحاً الاستراتيجيات التي اتبعتها إيران لتجاوزها، حيث قال:

في رأيي هذه أهم نقطة لفهم الاقتصاد الإيراني. إيران لم تصل إلى هذه المرحلة لأنها كانت بمنأة عن العقوبات والحرب، بل إنها طورت خلال عقود طويلة نمطا اقتصاديا للتكيف مع الضغط الخارجي. منذ سنوات طويلة واجه الاقتصاد الايراني عقوبات مالية ونفطية وتجارية، وصعوبة في الوصول الى النظام المالي العالمي. ثم جاءت الحرب الاخيرة والحصار البحري لتضيف طبقة جديدة من الضغط. وقد طبعا ادت القيود على الموانئ اللي انخفاض شديد في النشاط التجاري في بعض المناطق الساحلية لكن العقوبات لها أحيانا أثر مزدوج، فهي بالتأكيد ترفع تكلفة الإنتاج، وتقلل الاستثمارات، وتمنع الوصول للتكنولوجيا والتمويل العالمي، لكن في الوقت نفسه يمكن أن تدفع الدولة والشركات إلى البحث عن البدائل، بدائل محلية وقليمية. وهنا برأيي يجب أن نشير إلى ثلاثة عناصر مهمة.

العنصر الأول هو التوطين، يعني بمعنى محاولة إنتاج السلع والمعدات التي يصعب استيرادها. العنصر الثاني هو تنويع العلاقات الاقتصادية، أي عدم الاعتماد الكامل على سوق أو دولة أو قناة تجارية واحدة.

والعنصر الثالث هو تغيير وظيفة الدولة في الاقتصاد. ففي كل اقتصار طبيعي يمكن أن يكون السوق وحده المحرك الأساسي، يعني ليس وحده ولكن يعني له أثر كبير. أما في اقتصاد يتعرض لعقوبات وحرب، فهنا يعني دور الدولة يكون أكثر فالدولة تضطر إلى التدخل في توفير الطاقة والعملة والسلع الأساسية والبنية التحتية والإعتماد . ولهذا أنا برأي ما نشهده ليس اقتصادا طبيعيا لإيران بل اقتصادا تشكل جزئيا تحت ضغط الجغرافية السياسية.

وهذا لا يعني أن إيران غير متضرر لا بالعكس تكلفة هذه المقاومة مرتفعة، وقد انعكست في انخفاض الاستثمار وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة التجارة هذا واضح. لكن النقطة الأساسية هي أن العقوبات لم تنجح في تحويل اقتصاد الإيراني إلى اقتصاد بلا قاعدة إنتاجية. وهذا هو التفسير الاقتصادي الأهم: إيران لم تتغلب على العقوبات وإنما تكيفت معها بدرجات متفاوتة، وطورت قدرة على الاستمرار رغم هذه العقوبات الموجودة. وهذه القدرة على الاستمرار هي بالضبط ما يجعل إعادة الإعمار الداخلي ممكن بإذن الله.

 

فاصل ونواصل البرنامج

 

 

(المحور الرابع)

تُعدّ «مذكرة تفاهم اسلام‌آباد» في الذاكرة السياسية والدبلوماسية لعام 2026 وثيقةً مفصلية، ليس فقط لما تضمّنته من وعود، بل للدروس الاستراتيجية التي قدّمتها حول هشاشة الوعود الدولية في لحظات التوتر القصوى. شملت المذكرة 14 بنداً، ووُلدت في لحظة حرجة من تاريخ التوتر الإيراني - الأمريكي، بوساطة قادتها باكستان ومساعٍ إقليمية. كان الهدف منها رسم خريطة طريق لإنهاء المواجهة العسكرية التي اندلعت في فبراير/ مارس 2026، والتوصل إلى تسوية نهائية خلال مهلة زمنية محددة.

“المادة السادسة” كانت هي الجوهرة الاقتصادية في هذا الاتفاق، والتي عُقدت عليها آمال كبيرة في أوساط الإعمار والبناء. تعهدت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، بإنشاء برنامج مالي وتنموي ضخم لإعادة إعمار البنية التحتية الإيرانية. ونصّت الوثيقة على توفير «ما لا يقل عن 300 مليار دولار» كصندوق مخصص لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. كان من المفترض أن يتم وضع الآلية التنفيذية لهذا الصندوق ضمن مهلة 60 يوماً كجزء من الاتفاق النهائي. وتعهدت واشنطن بتقديم كافة التراخيص المالية اللازمة لضمان تدفق هذه الأموال، وتسهيل عمل الشركات الاستثمارية الدولية. لم يكن المبلغ مخصصاً فقط لإصلاح ما دمّره العدوان، بل كان يهدف أيضاً إلى دفع عجلة الاقتصاد الوطني نحو التعافي السريع. وعلى الرغم من بريق هذا الرقم، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت عن “فخ استراتيجي” أو على الأقل فشل في بناء الثقة.

تطرح التوترات الأخيرة في مضيق هرمز تساؤلاتٍ جوهريةً حول مستقبل الشراكات الإقليمية، وسط ترقبٍ دولي وإقليمي لمسارِ عملية إعادة الإعمار في إيران. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في أروقة السياسة والاقتصاد: هل ستتغلب لغة المصالح الاستراتيجية على هواجس التوتر الأمني، لتشهد المنطقة عودةً فعليةً للاستثمارات العربية في مشاريع إعادة الإعمار الإيرانية؟

على الرغم من أن التوتر في الممر المائي الأكثر حساسية في العالم لا يزال يُشكّل حاجزاً نفسياً وأمنياً أمام تدفق الرساميل، إلا أنّ مراقبين يرون أنّ “الواقعية الجيوسياسية” قد تفرض معادلةً جديدة. فالخوف من عدم الاستقرار والضغوط الخارجية، التي كانت تعيق التعاون، بدأت تتراجع أمام حتميةِ المصير المشترك.

وفي ذات السياق، طرحنا على السيد “كُهن هوش نجاد” سؤالاً حول التوجهات العربية لمتابعة مستحقات إيران الواردة في مذكرة تفاهم إسلام آباد؛ فهل ترى، في ظل المعطيات الراهنة وتحديات أمن مضيق هرمز، أن الدول العربية مستعدة للدخول في استثمارات مستقلة والمساهمة في جهود إعادة الإعمار؟

أنا أعتقد أنه يجب علينا أن نكون واقعين جدا. هناك فرق بين استعداد الدول العربية المساعدة في منع انهيار المنطقة وبين استعدادها للدخول منفردة في مشروع إعادة إعمار إيراني واسع النطاق. الدول الخليجية والعربية لديها مصلحة مباشرة في استقرار إيران والمنطقة.

لأن استمرار التوتر في المنطقة وفي مضيق هرمز خاصة ينعكس مباشرة على أمن الطاقة والتجارة واسعار النفط والشحن. وهذا ما شهدناه في هذه الحرب الأخيرة. المضيق حقيقة ليس قضية إيرانية فقط بل هو جزء من البنية الاقتصادية لدول الخليج والاقتصاد العالمي.

وتشير التقارير الدولية أن دول الخليج نفسها أصبحت أكثر اهتماماً بإيجاد ترتيبات تفاوضية مع إيران حول أمن الطاقة وأمن الملاحة في المضيق. لكني لا أعتقد أن معظم الدول العربية مستعدة في المرحلة الحالية للدخول منفردة في إيران باعتبارها موولاً رئيسياً لإعادة الإعمار. طبعاً هناك بعض الأسباب لهذا الأمر الذي أتحدث عنه.

الأمر الأول برأيي هو المخاطر السياسية والأمنية. طبعاً الاستثمار العربي المباشر في إيران سيظل مرتبطاً بموقف الولايات المتحدة والعقوبات وبطبيعة التسوية النهائية لهذه الحرب. السبب الثاني برأيي هو المخاطر المالية والقانونية.

حتى لو كانت الدول العربية راغبة في الاستثمار فإن الشركات والبنوك التابعة لها ستسأل عن العقوبات والتحويات المالية والتأمين والضمانات. وهذا يعني أمر يحتاج إلى دراسة أكثر. وبرأيي السبب الثالث هو أن الدول العربية نفسها أصبحت تنظر إلى إيران من منظور الأمن الأقليمي وبالتالي فإن مشاركة هذه الدول في إعادة الإعمار ستكون على الأرجح برأيي مرتبطة بقطاعات تحقق لها مصلحة مباشرة.

ليس مصلحة غير مباشرة أو بعيدة المدى. مثلا الطاقة، النقل، الموانئ، التجارة ،اللوجستيات هذه برأيي ممكن أن تكون لها مصلحة مباشرة لدول عربية ومع ذلك هناك نافذة جديدة مهمة

 المذكرة التي وقعت في يونيو ٢٠٢٦ تضمنت بالفعل تصورا برأيي لخطة كبيرة لإعادة إعمار إيران وتنميتها وطبعا كان الحديث عن تمويل يصل إلى ثلاثة مئة مليار دولار بمشاركة الولايات المتحدة وشركائها الأقليميين وإن كان طبعا تنفيذ ذلك مشروطا بالتسويق السياسية والاقتصادية لذلك أنا أتوقع أن يكون الدور العربي طبعا إذا استقرت الظروف تدريجيا وليس بشكل انقلابي

أولا بشكل وساطة وبعد ذلك تجارة ثم برأيي خطوط الإتمان وتمويل وبعدها استثمارات محددة في الطاقة والنقل والموانئ القطاعات التي أشرت إليها قبل قليل وبالنسبة إلى إيران فإن الخيار الأكثر انسجاما برأيي مع الاقتصاد المقاوم ليس أن نقول بأنه نريد أن يأتي العرب ويعيدوا بناء إيران بل الأفضل أن نقول نحن نعيد بناء إيران بأنفسنا ونفتح أمام رأس المال العربي كشريك لا كبديل عن القدر الانتاجي الإيراني وهذه نقطة مهمة جدا تتلاءم مع سياسات الاقتصاد المقاوم في إيران وهذا في رأيي هو النموذج الأكثر واقعية يعني إعادة إعمار تقودها إيران وتمويل واستثمار إقليمي يساعدان عليها وعلاقات عربية إيرانية تتحول من منطق الأزمة إلى منطق المصالح الاقتصادية المشتركة وطبعا في ظل هذه التطورات الراهنة حول المضيق هرمز فإن مصلحة دول الخليج في خفض المخاطر وفتح قنوات مستقلة الحوار مع طهران أصبحت أكثر وضوحا وإن كانت الخلافات السياسية والأمنية لا تزال كبيرة لكن الدول العربية برأيي تبحث عن هذه القنوات وتريد أن تصل إلى نتيجة واقعية وعلى الأرض مع إيران

 

نعم، مستمعينا الكرام إيران، التي أثبتت للعالم عبر “ملحمة التعافي السريع” أنها تمتلك بنيةً تحتيةً صلبةً وخبراتٍ هندسيةً لا تُقهر، باتت تمثل اليوم سوقاً واعدةً وفرصةً استراتيجيةً لأي جارٍ إقليمي يبحث عن شريكٍ مستقل وقوي، بعيداً عن تقلبات السياسات الغربية.

إنّ أمن الخليج الفارسي ومضائقه ليس مسؤولية أساطيل الغرباء، بل هو أمانةٌ في أعناق دوله. والمبادرة نحو تعاون اقتصادي جدي في مجال الإعمار، ليست مجرد استثمار تجاري، بل هي خطوة نحو بناء نظام أمني واقتصادي إقليمي مستقل.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة