البث المباشر

اقتصادُ الجوار... فرصٌ وآفاق / الأزمة الاقتصادية في سوريا

السبت 26 سبتمبر 2026 - 11:19 بتوقيت طهران

في هذه الحلقة، نُسلّط الضوء على التطورات الاقتصادية السورية، واحتجاجات الشعب السوري على الأزمة الاقتصادية ونتساءل عمّا إذا كانت آمال الحكومات الغربية والعربية التي تُبشّر الشعب السوري بمستقبل أفضل حقيقية أم لا.

أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.

وعقب استعراض موجز الأنباء، نُسلّط الضوء على التطورات الاقتصادية السورية، واحتجاجات الشعب السوري من الحسكة إلى إدلب، احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية والتضخم؛ ونتساءل عمّا إذا كانت آمال الحكومات الغربية والعربية التي تُبشّر الشعب السوري بمستقبل أفضل حقيقية أم لا. هذا كلّه نُناقشه مع خبير الشؤون السورية السيد علي رضا مجيدي.

البداية، مع جولة في أبرز العناوين والأخبار:

+++

- 16 مليار دولار.. إيرادات إيران النفطية

تجاوزت إيرادات إيران من النفط، في النصف الأول من العام الايراني الجاري (بدأ في 21 آذار/ مارس)، 16 مليار دولار، مسجلة بذلك رقماً قياسياً في تحصيل إيرادات النفط خلال ستة أشهر. وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، حصلت البلاد على أكثر من 13 مليار دولار من مبيعات النفط. وبإضافة الإيرادات المحصلة في الشهر السادس من العام (23 آب/ أغسطس - 22 أيلول/ سبتمبر)، تجاوز إجمالي إيرادات النفط في النصف الأول من العام 16 مليار دولار. وقد أتاحت هذه الإيرادات للحكومة تعزيز دعم سبل العيش، بما في ذلك زيادة قيمة فاتورة السلع الأساسية.

+++

- أول رخصة للاستثمار الصناعي في منطقة مهران الحرّة

أعلن القائم بأعمال معاون التنمية الاقتصادية والاستثمار في منظمة منطقة مهران الحرة عن إصدار أول رخصة رسمية للاستثمار وإنشاء وحدة إنتاجية في هذه المنطقة، باستثمار يتجاوز ألفا و758 ملياراً و700 مليون تومان. وقال رضا صلبوخي: صدرت هذه الرخصة في إطار إرساء الآليات الإدارية والقانونية لمنطقة مهران الحرة، بهدف توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الإنتاجية وتوسيع البنى التحتية الصناعية. وأضاف: ينفذ هذا المشروع الكبير في قطاع الصناعات التحويلية اللاحقة، بهدف معالجة أنواع زيوت التشحيم الناتجة عن التكرير الأولي، وزيوت محركات السيارات والصناعات المتقدمة، والشحوم، والهيدروكربونات الخفيفة والثقيلة.

+++

- إيران تستغني عن واردات الديزل

أعلن وزير النفط، في إشارة إلى زيادة إنتاج الديزل في البلاد، عن تغير ميزان إنتاج هذا المنتج الاستراتيجي، معتبراً أن ذلك جاء نتيجة تحسين عمليات التكرير وزيادة طاقة تغذية المصافي. وقال محسن باك نجاد: خلال العام الماضي، شهدنا زيادة ملحوظة في إنتاج الديزل، بحيث لم نعد بحاجة إلى استيراد هذا المنتج منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن، مشيراً إلى عاملين رئيسيين كان لهما تأثير في هذا التغير.

+++

 

(المحور الأول)

يمرّ الاقتصاد السوري، في الأشهر والأسابيع الأخيرة، بمنعطف هو الأكثر حرجاً منذ سنوات؛ إذ لم تعد الأزمة مجرد انكماش دوري، بل باتت استنزافاً شاملاً للقدرة الشرائية والخدمات الأساسية، نتيجة استمرار الحصار والعقوبات الغربية الأحادية، والاحتلال الأجنبي وتفتت الجغرافيا الاقتصادية، وضعف الإيرادات العامة، مما قيّد قدرة الدولة على الحفاظ على سياسات الدعم التقليدية.

ميدانياً، انخفضت ساعات التغذية الكهربائية في معظم المحافظات إلى ما بين ساعتين إلى 4 ساعات يومياً فقط، مما شلّ حركة الورش الصناعية الصغيرة، وأجبر القطاع الخاص على الاعتماد على المولدات الخاصة، التي تضاعفت تكاليفها، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية.

رغيف الخبز، الذي يُعدّ الخط الأحمر تاريخياً للأمن الاجتماعي السوري، واجه ضغوطاً متزايدة نتيجة خفض مخصصات الدعم وارتفاع تكاليف القمح والطاقة والمطاحن. وعلى الرغم من تحسّن الأمطار نسبياً مقارنة بالأعوام الجافة السابقة، إلا أن استمرار خروج جزء كبير من مساحات الجزيرة عن دائرة التوريد الرسمية، ونقص الأسمدة وغلاء المحروقات الزراعية، فرض على سوريا استيراد كميات كبيرة من القمح بالعملة الصعبة الشحيحة أصلاً.

سعر صرف الليرة شهد ضغوطاً متواصلة أمام الدولار في السوق الموازية، ما خلق فجوة واسعة بين الدخل والأسعار. ورغم الزيادات التي أُقرت على الرواتب والأجور في القطاع العام، إلا أنها سرعان ما تتبخر أمام موجات التضخم التي لامست أرقاماً قياسية، حيث بات متوسط راتب الموظف يغطي أقل من 15% إلى 20% من سلة الاحتياجات الأساسية للأسرة شهرياً.

تُظهر التطورات الأخيرة أن الاحتقان الاقتصادي تجاوز الانقسامات السياسية والجغرافية، ليشمل مناطق سيطرة مختلفة، ففي الحسكة والجزيرة السورية، على الرغم من أنها «سلة غذاء سورية» وخزّانها النفطي، إلا أن السكان في مناطق سيطرة ما يُعرف بـ"قوات سوريا الديمقراطية" خرجوا في تظاهرات واحتجاجات متكررة بسبب رفع الإدارة الذاتية لأسعار المحروقات، وشح مياه الشرب، وتردي الخدمات، فضلاً عن عمليات التجنيد والضرائب المفروضة، مع استياء شعبي متزايد من تهريب ونهب النفط والقمح بينما يعاني أهل الأرض من الفقر.

أمّا حلب، التي دفعت ضريبة الحرب ثم الزلزال المدمر، واجه قطاعها الصناعي ضربة قاسية بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفة المازوت الصناعي إلى مستويات أخرجت مئات المعامل الصغيرة من المنافسة.

وشهدت إدلب تحولاً لافتاً في الأشهر الأخيرة؛ حيث خرجت مظاهرات عارمة ومستمرة لم تقتصر على المطالب المعيشية، بل استهدفت رأس السلطة محمد الجولاني، بسبب فرض الإتاوات والضرائب واحتكار شركة "وتد" والشركات التابعة للهيئة لسوق المحروقات والأغذية بالدولار والليرة التركية، والانهيار المتواصل في قيمة الليرة التركية المعتمدة محلياً، مما ضرب القدرة الشرائية للنازحين والسكان، والقبضة الأمنية وممارسات الاعتقال ضدّ المعارضين لسياسات الهيئة الاقتصادية.

بعد هذا الاستعراض لاحتجاجات الشعب السوري ضدّ أزمة المعيشة والطاقة، انتقل فريقنا إلى خبير الشؤون السورية، السيد علي رضا مجيدي، وسألناه: ما العوامل الداخلية والخارجية التي أدّت إلى الوضع الاقتصادي الراهن في سورية، وأفضت إلى هذه الاحتجاجات الاقتصادية الشعبية؟

 

ينبغي التمييز بين العوامل التي تنتج الغضب الشعب وتفضي إلى اندلاع الاحتجاجات وبين كل ما يثير الانتقادات الناس أو يتسبب في أوجه قصور ونقاط ضعف. فعندما نتحدث عن الاحتجاجات، يجب أن ينسب تركيزنا على القضايا التي تولد الغضب لا على المجرد مظاهر عدم الكفاءة. وفي هذا السياق تحديدا يمكن التشديد على ثلاثة عوامل رئيسية أو ثلاثة نقاط.

 

يتمثل العامل الأول في غلاء الأسعار والتضخم. أما العامل الثاني فيتعلق بإدراك السوريين أن أمضاعهم المعيشية لم تشهد حتى بعد رفع العقوبات أي تحسن الملموس أو تغير   في معني. وقد خلصوا إلا أن ما كانت الحكومة السورية تفعله لم يكن يتجاوز بيع الأوهام أي تقديم السراب ومنهى آمال زائفة من دون تحقيق انفراج حقيقي وملموس.

 

ويتمثل العامل الثالث في الحجم الكبير جدا للفساد. وعندما تجتمع هذه العوامل الثلاثة فإنها تنتج مستبى مرتفع للغاية من الغضب الشعبي. وبصورة عامة إذا أردنا التطرق إلى أسباب هذه الغلا والتضخم فعلينا التوقف عند عاملين أساسيين.

 

أولهما أن السياسة الحكومة تقوم من حيث المبدأ على تقلص الدعم والانتقال من الاقتصاد الحكومي إلى اقتصاد سوق حر. ومن الطبيعي أن تشهد البلاد خلال هذه المرحلة الانتقالية ارتفاعا أكبر في الأسعار.  أما العامل الثاني فيتمثل في الضعف البنيوي أو المنهجي الذي تعاني منه الحكومة فضلا عن تراجع القدرات العلمية والخبرات الاستشارية داخل مؤسسات الدولة.

 

وهذا بدوره عامل بالغ الأهمية. وباختصار يمكن القول أن من يتولون مواقع  السلطة  في سوريا أو يعملون من خلف الستار أو في دولة ظل ينتمون في حالات كثيرة إلى أشخاص كانت خبرتهم الأساسية ذات الطابع القتالي إذ كان بعضهم على وجه الخصوص أعضاء في هيئة تحرير الشام أو في جماعات مسلحة أخرى. وهؤلاء لا يمتلكون في غالب خبرة سابقة في الحكم والإدارة الدولة وهذه نقطة بالغة الأهمية.

 

فاصل ونواصل

 

(المحور الثاني)

يعيش المشهد السوري اليوم حالة من انفصام الواقع الاقتصادي؛ فبينما يُروَّج لخطاب إعلامي يبشّر بقرب كسر العزلة وطيّ صفحة العقوبات الغربية، تكشف المؤشرات الميدانية والجيوسياسية أن ما يجري لا يتعدى كونه "مناورات ترفٍ عابرة" و"تسويقاً لأوهام التعافي". فالصورة البرّاقة التي تحاول بعض الأوساط تصديرها من خلال مشاريع واجهية ومظاهر استهلاكية نخبوية في العاصمة، تصطدم بجدار صلب من الأرقام والوقائع السيادية المسلوبة.

تحاول بعض الرسائل الرسمية والإعلامية تصوير خطى الانفتاح الدبلوماسي العربي على أنها بوابة الفرج الفوري ونهاية مفعول "قانون قيصر". وفي هذا السياق، ظهرت مظاهر استعراضية، مثل افتتاح مشاريع استهلاكية كبرى أو مجمعات تجارية باذخة تخدم فئة ضيقة جداً من "أثرياء الحرب والمستفيدين"، في مشهد يثير استفزاز الغالبية الساحقة من المواطنين الرازحين تحت خط الفقر.

هذه المظاهر الترفية ليست إلّا "فقاعة إعلامية" ومحاولة لامتصاص الاحتقان الشعبي عبر بيع الأمل. فالواقع الهيكلي يؤكد أن سقف العقوبات الأمريكية لا يزال محكماً، وأن الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الاستثمارية الجادة لن تغامر بالدخول إلى سورية طالما أن شبح العقوبات الثانوية يهدد كل مَن يتعامل مع دمشق. على الجانب الآخر من خطوط التماس، تقدّم حكومة الجولاني في إدلب النسخة الأكثر رداءة من هذا النفاق الاقتصادي، وروّجت مؤخراً لمشاريع من قبيل إصدار بطاقات دفع إلكتروني، وترويج خدمات "فيزا كارت"، وافتتاح مراكز تجارية ضخمة ومطاعم فارهة وسط بيئة يقطن نصفها في خيام مهترئة تحت رحمة المساعدات الدولية والبرد القارس.

هذه الخطوات الاستعراضية لا تخدم المواطن في الشمال بشيء؛ بل تمثل محاولة مكشوفة من الجولاني لتقديم نفسه للغرب كـ"شريك محلي معتدل قادر على إدارة مؤسسات مالية وحوكمة مصرفية". وفي جوهرها، ليست هذه الأدوات سوى آليات متقدمة لغسيل أموال الاقتصاد الأسود، وإحكام السيطرة على تحويلات المغتربين، وجباية الضرائب والإتاوات من السكّان المحاصرين والمحرومين من أبسط مقومات العيش.

إنّ أي حديث عن تعافٍ حقيقي يظل فارغ المضمون أمام أربعة ملفات سيادية وميدانية معطلة تماماً:

أولاً: لا تزال مليارات الدولارات من الأصول والأموال السورية (التي تُقدّر بين عشرين وأربعين مليار دولار) مجمدة في البنوك الغربية والإقليمية بقرارات سياسية قسرية. هذا الشريان المالي المقطوع يحرم الدولة من السيولة النقدية اللازمة لدعم الليرة وتأمين الاحتياطي النقدي وتغطية تكاليف الاستيراد الأساسية للدواء والغذاء.

ثانياً: لا يمكن لاقتصاد أن يقف على قدميه بينما "رئته الطبيعية" مصادرة؛ فحقول النفط والغاز في شرق الفرات وسلال القمح الاستراتيجية لا تزال خاضعة للسيطرة والنهب تحت المظلة الأمريكية وأذرعها المحلية. دمشق التي كانت تُصدّر النفط والقمح، تحولت اليوم إلى باحث عن التوريدات البحرية المعرضة بدورها للقرصنة والتعطيل.

ثالثاً: يمثل غياب الأمن المستدام في الجنوب ضربة قاصمة لأي استقرار اقتصادي. فالحراك المعيشي والسياسي المشحون في السويداء، وحالة السيولة الأمنية والاغتيالات في درعا، تشكل نزيفاً مستمراً يقطع شرايين التجارة مع المحيط الجنوبي.

رابعاً: الأخطر من ذلك هو الحضور والعدوان الصهيوني المتواصل في العمق السوري والجنوب وعلى مشارف الجولان المحتل. إن الاستهداف الصهيوني الممنهج للبنى التحتية، والمطارات، ومحطات النقل، والمستودعات لا يكتفي بإشعال الجبهة عسكرياً، بل يبعث برسالة قاطعة إلى أي مستثمر خارجي بأن الجغرافيا السورية غير آمنة لرأس المال، وأن الحرب لم تضع أوزارها بعد.

على ضوء هذه المعطيات، هل تستطيع "سوريا الجولاني" أن تحقق ما وعدت به من مستقبل اقتصادي مشرق؟ هذا السؤال حمله زملاؤنا إلى السيد علي رضا مجيدي، فجاء ردّه كالتالي:

 

الجواب يحتاج إلى التركيز على عدة نقاط بسيطة. النقطة الأولى، سوريا اليوم ليست مستقلة بشكل كامل، ولا يوجد عندها أفق واضح ومستقر للاستثمار. والمستثمر الأجنبي لا يأتي إلى أي بلد إلا إذا شعر بالأمان والاستقرار.

سوريا لا تملك مواردا طبيعية كبيرة، لذلك هي بحاجة ماسة إلى الاستثمارات الأجنبية. ويجب أيضا أن تدار هذه الموارد المتوفرة بطريقة صحيحة ونزيهة. النقطة الثانية، سوريا الآن في مرحلة انتقالية، فيها حكومة مؤقتة، ولا يوجد رؤية مواضحة للمستقبل.

بل إن احتمال تقسيم البلاد احتمال حقيقي وخطير، لاسيما في محافظة سويدا. والأهم من ذلك أن عقود النفط التي وقعت للاستفادة من حقول سوريا لم تنشر حتى الآن. ولا توجد بشأنها أي شفافية، وهناك شائعات كبيرة حولها. هذا يثبت أن مشكلة الاستقلال والسيادة حقيقية جدا.

النقطة الثالثة، في بلد لا يتمتع باستقلال حقيقي ولا استقرار سياسي، المنطق الاقتصادي يقول أن المستثمرين لن يغامروا بأموالهم على مدى طويل. طبعا قد تأتي بعض الاستثمارات بدوافع سياسية وليس اقتصادية، لكن هذا غير كافي لبناء اقتصاد قوي.

النقطة الرابعة، موضوع جودة الحكم والإدارة مهم جدا أيضا. المسؤولون الكبار في سوريا هم إما أشخاص كانت خبرتهم الوحيدة في القتال ضمن فصائل المسلحة وليس لديهم أي خبرة في إدارة الدولة. أو أنهم جلبوا أشخاص تكنوقراطا للواجهة لكنهم ضدوا إلى جانبهم حكومة موازية تابعة لهيئة تحرير الشام تتحكم في القرارات.

هذا يجعل الولاءات السياسية أقوى من الكفاءة الإدارية، ويضاف إلى ذلك فساد كبير جدا يمنع وصول الأموال إلى الأماكن الصحيحة. الخلاصة، كل المؤشرات والمنطق الاقتصادي يقولان أن سوريا لن تحصل على مستقبل اقتصادي جيد في الوقت الحالي، لكن هذا يعتمد على مبدأ وجود إرادة سياسية حقيقية من الدول الأخرى للضخ الأموال في هذا البلد.

فاصل ونواصل

 

 

(المحور الثالث)

شكّلت مسألة إعادة الإعمار، خلال العامين الأخيرين، العنوان الأكثر تداولاً في الأروقة الدبلوماسية المعنية بالملف السوري؛ وتسابقت العواصم الإقليمية في إطلاق التصريحات والوعود الاستثمارية الضخمة لضخ عشرات المليارات من الدولارات. غير أن الانتقال من منصات الخطابة إلى الورش الميدانية يكشف فجوة هائلة بين الترويض الإعلامي والحقائق الملموسة؛ فالوعود ظلت أرقاماً على ورق، بينما لم يشهد الواقع الاقتصادي السوري أي تحول نوعي.

رُوِّج لإمكانية قيام صناديق استثمارية سيادية خليجية بتمويل مشاريع كبرى للبنية التحتية، وشبكات نقل الطاقة والغاز، وإعادة إعمار المدن المتضررة، وتأهيل مطار دمشق والموانئ البحرية. كما تم الحديث عن مشاريع تنموية مبكرة ترعاها مبادرات خليجية بالتنسيق مع وكالات أممية للالتفاف على العقوبات وتأمين الكهرباء والمياه.

كما روّجت أنقرة لمشروع إعمار واسع في الشمال السوري الخاضع لسيطرتها ونفوذ الفصائل، يتضمن بناء مئات آلاف الوحدات السكنية تحت بند "العودة الآمنة" للاجئين، بدعم وتمويل من منظمات إقليمية وخليجية. كما طُرحت وعود بفتح طرق M4 وM5 الدولية، وإعادة ربط التبادل التجاري وتدفق البضائع التركية إلى العمق العربي عبر سورية، مشروطة بمسار التطبيع الأمني والسياسي مع دمشق.

عند تفكيك الحصيلة على أرض الواقع، يتبيّن أن نسبة التحقق تقارب الصفر. فالعائق الأول أمام الوعود العربية هو "الفيتو الأمريكي الصارم"؛ إذ ترفض واشنطن بشكل قاطع أي انخراط خليجي أو عربي في إعادة إعمار كبرى قبل تنفيذ تنازلات سياسية جوهرية في ملف جنيف والقرار 2254. وتخشى البنوك والشركات الاستثمارية الخليجية المغامرة برؤوس أموالها تحت طائلة العقوبات الثانوية الأمريكية القاسية، مما حوّل تلك الوعود إلى "مساعدات إنسانية رمزية" أو وفود استطلاعية دون عقود استثمارية ملزمة.

أكبر دليل على عجز الوعود العربية كان مشروع تزويد لبنان بالغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر الأراضي السورية؛ فرغم الحصول على تطمينات مبدئية، جمّدته وزارة الخزانة الأمريكية عبر المماطلة في منح استثناء رسمي ومكتوب من "قانون قيصر"، فمات المشروع سريرياً.

ما بنته تركيا في الشمال لم يكن مساهمة في الاقتصاد السوري، بل مشروعاً استيطانياً يهدف إلى ترسيخ واقع التقسيم وفصل الشمال عن نسيجه الوطني. تسيطر الشركات التركية على شبكات الكهرباء والاتصالات واستخدام الليرة التركية في الشمال دون أي تنسيق سيادي، في حين تعطلت مسارات فتح الطرق الدولية (M4) بسبب التناقضات الميدانية واشتراط دمشق انسحاب القوات التركية قبل أي حديث عن إعادة الإعمار والتطبيع الاقتصادي.

تثبت التجربة أن الوعود الإقليمية ليست هدايا مجانية، بل تحولت إلى أداة ضغط وابتزاز، حيث يسعى المسار العربي لفرض صيغة "خطوة مقابل خطوة" المفرغة من أي مكاسب حقيقية لدمشق، بهدف إبعاد سورية عن حلفائها الاستراتيجيين دون تقديم ضمانات أمنية أو رفع للحصار الاقتصادي. ويحاول المسار التركي مقايضة ملف الإعمار بالاعتراف بمناطق النفوذ التركي في الشمال وإجبار سورية على تحمل أعباء إعادة توطين اللاجئين وفق شروط أنقرة الحزبية والداخلية.

هنا نتساءل عن مسارات السياسة الإقليمية: هل يمكن التعويل على الوعود العربية والتركية لإنقاذ الاقتصاد السوري من كبوته؟ السيد علي رضا مجيدي، خبير الشؤون السورية، يضع هذه الوعود تحت المجهر في إجابته التالية:

 

تتلخص الإجابة في سببين رئيسيين. السبب الأول، تغليب الولاء السياسي على الكفاءة المهنية. الحوكمة في سوريا اليوم تعاني من مشكلة البنيوية، فالمناصب العليا لا تمنح بناء على الخبرة والمهارة، بل بناء على الانتماء للفصائل المسلحة أو القرب من الدوائر القرار.

حتى عندما يتم جلب تكنوقراط للواجهة، فإنهم لا يملكون الصلاحيات الفعلية الكافية. لأن هناك حكومة الظل أو مراكز قوية موازية هي التي تتخذ القرارات الحقيقية. يضاف إلى ذلك المحسوبية والروابط العائلية، مثل نفوذ الأقارب في مفاصل السلطة. وهذا النموذج يقتل أي فرصة للإدارة الناجحة، ليجعل الفساد والولاءات الشخصية فوق مصلحة الدولة.

السبب الثاني، سوريا بدلت كساحة لتنافس القوى الخارجية. سوريا تحولت إلى ملعب لصراعات القوى الإقليمية والدولية تحت السطح.

الدول الإقليمية ليست مهتمة ببناء مؤسسات الدولة بقدر اهتمامها بتصفية الحسابات أو تحييد خصومها. نرى ذلك بمبدوها في المنافسة على مشاريع الموانئ والنفوذ في دمشق، حيث تتسبب خطوات الدولة في إغداب دولة أخرى، مما يؤدي إلى ردود أفعال سلبية تعرقل أي استقرار. هذا التنافس يجعل الدول الخارجية حاذرة جداً في استثمارها.

وبدلاً من أن يكون المال الخارجي أداة للإنقاذ، أصبح أداة للنفوذ أو وسيلة لعرقلة المنافسين. الخلاصة، طالما غابت تخطيط العلمي المستقل واستمرت تدخل القوى الخارجية في صراعات سلبية، فإن  الضخالأموال لن يحل الأزمة. المشكلة ليست في نقص الموارد فقط، بل في عقلية الإدارة، بل تأكيد في عقلية الإدارة التي تفتقد للإستقلال والرؤية الوطنية.

 

فاصل ونواصل

 

 

(المحور الرابع)

لم تكن طهران شريكاً تجارياً استراتيجياً لدمشق فحسب، بل كانت "خط إمداد الحياة". عند خروج قدرة التوليد السورية عن الخدمة، واختتام سوريا على شريط من انقطاع الكهرباء، استمرت إيران بتوصيل شحنات النفط والمشتقات النفطية، وتأمين الغاز لتدوير محطات التوليد، وإيصال مازوت التدفئة لمشافي وشبكات الطحين، مستهدفة تعطيل "حرب الظلام" السياسية ضدّ المدن السورية.

عوّضت السلع الإيرانية مادياً فراغ السوق حين أفلست الاستيرادات الغربية والإنسانية الرهينة بالعقوبات؛ ودام دعم الأمن الغذائي (القمح، وتلقيح مجال الزراعة بالأسمدة، وخطوط الدواء واللقاحات) عبر سنوات الخنق.

كما طرحت طهران أكبر حزمة إعمار نوعية في قطاع الطاقة، شملت إعادة تأهيل مصافي النفط (خصوصاً محطة بانياس المتحطمة)، وتفعيل مجموعات التوليد، وإنجاز الربط الكهربائي الإيراني - السوري - العراقي لمدّ دمشق بالطاقة عند الطلب، وسعت لتنفيذ خطوط نقل ومحطات تحويل حديثة قادرة على نقل الكهرباء من عمق المنطقة إلى المحافظات المحرومة.

كما أسهمت الشركات الهندسية الإيرانية في إعادة تأهيل مطار دمشق الدولي ومدرجاته، والموانئ والبنى اللوجستية الحيوية. وطوّرت عقوداً لبناء "الوحدات السكنية المسبقة الصنع" بمعدلات إنجاز سريعة لاستيعاب العائدين، ولم تستثنِ إعادة تشغيل مصانع السيارات، وصيانة محطات الإسمنت والمنطقة الصناعية، وسدّ فجوة النسيج الإنتاجي المتداعي.

عمدت إيران إلى الدفع في صيغ "الدفع الممتد عبر السلع" والتهاتُر التجاري، وإقراض الجانب السوري من خلال ائتمانات توسمية بدل اشتراط النقد الدولاري، بما يتوافق مع ظروف سورية الاستثنائية لا مع منطق المصرف المستغِل.

مع التغيرات في المشهد السياسي في نهاية 2024، لم يكن المطلوب بالنسبة للغرب وأذرعه سوى "فرض إفلاس إيراني" في سورية عبر: الحملة الإعلامية الممنهجة، حيث روّجت الأبواق الممولة لنقيض الحقيقة، وصوّرت التعاون الإيراني - السوري باعتباره "استعماراً واستغلالاً"؛ وهوّنت وأخفت الحماية القصوى التي وفّرها للحكومة السورية خلال الأزمة.

بعد سقوط الحكومة السورية، جمّدت إدارة الجولاني عقود الطاقة والإعمار وحالت دون عودة الشركات الإيرانية لمتابعة المحطات والورش، وتحوّل أصولها الوطنية إلى بؤرة تنازع وسلب. سُرقت لمصالح سياسية لمن يظن امتلاك الواقع الجديد؛ بينما ثبت منذ الوهلة الأولى أن ما أنجزته الأيادي الإيرانية في قطاع الطاقة والصناعة سيبقى رهاناً على تقويضه.

إن حذف الدور الإيراني من ذاكرة إعادة إعمار سورية، ونسبة "الخراب" إلى مَن خاض سنين الصمود ومكّن دمشق من تجاوز محاولات الإسقاط، هي محاولة لإعادة كتابة التاريخ الاقتصادي بعيون الطبقة المستفيدة الجديدة؛ فالحرب الإعلامية اليوم لا تهدف لهزيمة سياسية إقليمية داخل طهران فحسب، بل تسعى للفصل بين الشعب السوري وذاكرته الحيّة ودور أقدم رفيق درب للدولة السورية حين اشتدّ الجراح.

 

فاصل

 

وبهذا، نأتي إلى ختام هذه الحلقة من برنامج «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق». نأمل ونتمنى للشعب السوري الشقيق أن يبلغ مراده في طريق الاستقلال الحقيقي، نحو حياةٍ أفضل وأكرم، وبعيدة كل البُعد عن الأزمات والمعاناة.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة