أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.
نناقش في هذه الحلقة، وعقب استعراض موجز الأنباء، ملفاً يمسّ صلب المشهد الراهن؛ ففي ظل التحديات الوجودية التي يواجهها الاقتصاد العراقي، تتجه الأنظار اليوم إلى شريان حيوي يربط بلاد الرافدين بجارتها الشرقية. حركة الطيران بين البلدين ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي محركٌ استراتيجي للنشاط التجاري والسياحي والخدمي في العراق وإقليم كردستان.
للغوص في تفاصيل هذه القضية وتحليل أبعادها، نتحاور مع الدكتور عادل الدلفي، المستشار الاقتصادي العراقي.
البداية، مع جولة في أبرز العناوين والأخبار:
عودة 50% من منشآت حقل بارس الجنوبي للخدمة
بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت حقل بارس الجنوبي للغاز جراء العدوان، تجري عملية استعادة الطاقة الإنتاجية بوتيرة متسارعة. ووفقًا لنائب وزير النفط لشؤون التخطيط، فقد عاد 50% من الطاقة الإنتاجية المتضررة إلى الخدمة أخيراً. وقال أحمد زراعتكار: بعد الأضرار التي لحقت بالطاقة الإنتاجية لحقل بارس الجنوبي، تم وضع برنامج لاستعادة الطاقة الإنتاجية على جدول الأعمال، وتمكّن زملاؤنا من إعادة بعض الوحدات إلى الخدمة قبل الموعد المتوقع. وأضاف: في القطاع التمويلي، باشرت المجموعات المالية في البلاد العمل، وتمّ تشكيل أربعة مشاريع تمويل محلية في إطار إحدى أكبر شركات التمويل في البلاد، وتسير عمليات إعادة الإعمار وفقًا لذلك.
+++
قم جاهزة للاستثمار المشترك مع المستثمرين العراقيين
أعلن محافظ قم استعداد محافظته للاستثمارات المشتركة مع المستثمرين العراقيين. واقترح أكبر بهنام جو، خلال لقائه القنصل العام الإيراني في كربلاء المقدسة، تشغيل خطوط جوية مشتركة بالتعاون مع العتبات المقدسة في العراق. وأشار بهنام جو إلى إمكانات المستثمرين العراقيين لتنفيذ مشاريع خدمية ورفاهية في قم، قائلاً: ان بعض المستثمرين العراقيين يدخلون المجال الاقتصادي بنظرة دينية والهدف هو بناء مجموعة خالدة لتقديم الخدمات للزوار وهذا التوجه يمكن أن يمهد لتنفيذ مشاريع مشتركة في قم.
+++
رئيس منظمة الطيران المدني: نتابع بجدّية رفع القيود المفروضة على الرحلات الجوية
أشار رئيس منظمة الطيران المدني الإيرانية إلى الجهود المتواصلة التي تبذلها المنظمة لإعادة تشغيل المسارات الجوية، معلناً عن إجراء مشاورات مع وزارة الخارجية وتقديم شكوى رسمية إلى منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو»، رداً على القيود المفروضة على قطاع الطيران الإيراني.
وأكد أبوذر شيرودي، ضرورة الاستفادة من الإمكانات الدبلوماسية والقانونية لصون حقوق قطاع الطيران في البلاد، قائلاً: إن منظمة الطيران المدني، مستعينةً بجميع الأدوات القانونية وبالتنسيق الوثيق مع الجهاز الدبلوماسي للبلاد، تضع ضمن أولوياتها المتابعات اللازمة لإزالة العقبات واستئناف جميع الرحلات على المسارات التي كانت تعمل سابقاً.
فاصل
(المحور الأول)
تُعدّ حركة الطيران بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية العراق واحدة من أكثر الخطوط الجوية كثافة وحيوية في غرب آسيا؛ حركةٌ لا تقتصر على كونها تنقلاً للأفراد، بل تشكل شرياناً اقتصادياً حيوياً يدرّ مئات الملايين من الدولارات سنوياً على الخزينة العراقية والقطاع الخاص هناك. غير أنّ أي تعطل أو تراجع في هذه الحركة يترك ندوباً عميقة على الاقتصاد العراقي، ولا سيّما في مجالات الملاحة، والسياحة الدينية، والتبادل التجاري. فما هي الأبعاد الحقيقية لهذه الخسائر؟
تبدأ الخسائر المباشرة من مدارج المطارات العراقية، التي اعتادت أن تكون وجهة رئيسية لأساطيل الطيران الإيرانية. وتبرز المفارقة الكبرى في مطار النجف الأشرف الدولي؛ هذا المرفق الحيوي الذي شكّلت الرحلات القادمة من مختلف المدن الإيرانية ما نسبته نحو 80% من إجمالي حركة هبوطه وإقلاعه.
إن غياب أو انخفاض هذه الرحلات يعني حرمان المطار من إيرادات طائلة كانت تُجبى بالعملة الصعبة كرسوم هبوط، ومواقف للطائرات، ورسوم عبور للأجواء، فضلاً عن رسوم المناولة والخدمات الأرضية ووقود الطائرات. هذا الشلل لا يؤثر فقط على العائدات التشغيلية للمطارات العراقية، بل يمتد ليهدد آلاف الوظائف الفنية والخدمية التي يعتمد تمويلها المباشر على هذه الحركة الجوية الكثيفة.
على الأرض، تتجلى الخسارة الأكبر في قطاع السياحة والضيافة، وتحديداً في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة؛ حيث يُعدّ الزائر الإيراني الركيزة الأساسية لهذا القطاع على مدار العام. إن انقطاع تدفق الزوار الإيرانيين جوّاً يوجه ضربة قاصمة لمنظومة اقتصادية متكاملة كانت تعتاش على هذه الحركة، بدءاً من قطاع الفنادق الذي يواجه ركوداً خانقاً وانخفاضاً حاداً في نسب الإشغال، ما أدى إلى إغلاق العديد من المنشآت الفندقية وتسريح عمالتها إلى خدمات النقل الداخلي والمطاعم؛ إضافة إلى الأسواق الشعبية ومحلات بيع الهدايا والتحف التذكارية التي تشكل مصدر الرزق الأساسي لآلاف الأسر في مدنيتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
ولا تقتصر حركة الطيران على المسار القادم من طهران إلى بغداد والنجف، بل تمتد تأثيراتها المباشرة إلى المواطن العراقي نفسه في الاتجاه المعاكس. فإيران باتت في السنوات الأخيرة الوجهة الأولى والأكثر تفضيلاً للآلاف من المرضى العراقيين الباحثين عن السياحة العلاجية والخدمات الطبية المتقدمة والمنخفضة التكلفة مقارنة بدول أخرى؛ بالإضافة إلى الطلبة والباحثين، حيث يدرس في الجامعات الإيرانية عشرات الآلاف من الطلبة العراقيين في مختلف التخصصات الأكاديمية والعليا.
إن تراجع أو تعقد حركة الطيران يفرض على هذه الشرائح تكاليف مضاعفة، ويجبرهم على سلوك مسارات برية طويلة وشاقة أو السفر عبر محطات ترانزيت باهظة الثمن، وهو ما يمثل عبئاً مالياً واجتماعياً إضافياً يثقل كاهل المواطن العراقي.
أمّا على الصعيد التجاري، فإن الشحن الجوي يمثل عصب التبادل السريع بين البلدين. فالطائرات لا تنقل ركاباً فحسب، بل تحمل في مستودعاتها بضائع نوعية واستراتيجية تلبي احتياجات ملحة للسوق العراقية؛ وفي مقدمتها الأدوية والمستلزمات الطبية العاجلة، والعينات والمعدات الصناعية الدقيقة وقطع الغيار، والبضائع والمنتجات ذات الصلاحية المحدودة وسريعة التلف.
إن توقف أو بطء هذا الخط اللوجستي الجوي يؤدي إلى شلل في بعض سلاسل الإمداد الطبية والصناعية، ويرفع كلفة الاستيراد عبر البدائل الأخرى، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأسعار واستقرار الخدمات في الداخل العراقي.
وفي هذا السياق، أجرى زملاؤنا لقاءً مع المستشار الاقتصادي العراقي الدكتور عادل الدلفي، طرحوا فيه تساؤلاً جوهرياً: لماذا يجد العراق نفسه معنياً -ولو من باب مصلحته الاقتصادية البحتة- برفض العقوبات الأمريكية الجائرة على إيران؟
وقد أجاب المستشار الاقتصادي الدكتور عادل الدلفي على هذا التساؤل بالقول:
العراق وإيران دولتان متجاورتان بحكم الموقع الجغرافي لتلك البلدين والخيارات في العلاقة بين الدولتين لم يكن خياراً تجميلياً بل ضرورة جيوسياسية ملحة فما يصيب الإيران من جراء تشديد العقوبات على الاقتصادية الأمريكية الجائرة على الجانب الإيراني سيؤثر بلا شك على الاقتصاد العراقي خصوصاً فيما يخص التجارة والطاقة التي يعتمد عليها العراق بشكل كبير
على الجانب الإيراني في توفير الغاز لمحطات الكهرباء التي هي عصب الحياة في العراق وعلى العراق أن يبحث عن استثناء خاص من الجانب الأمريكي ويرفض تلك العقوبات أن تبطش باقتصاده نتيجة التغطرس الأمريكي والقرارات الانفرادية الغير أممية الصادرة من حكومة أمريكا فلذلك ما يربطنا مع تجارة إيران يربطنا تاريخ وعقيدة وكذلك الشقيقة إيران لم تبخل عن العراق في أيام الحصار عام 1991 واستمرت بمساعدة العراق رغم العقوبات الأممية الكبيرة التي طالت العراق في حينها ولم تلتزم إيران في تطبيق الخناق على العراق لذلك على العراق أن يرد الجميل لتلك الشقيقة
إيران من خلال توسيع دارة الاقتصاد مع إيران ودعم إيران وعدم الإنصياع وراء القرارات الانفرادية للحكومة الأمريكية.. أنا أرى أن العراق سيحصل على تلك الاستثناءات نتيجة الحاح أغلب الكتاب والمحللين الاقتصاديين العراقيين من الحكومة أن تتوجه إلى البيت الأبيض برسائل حول الضرر الكبير التي ستعرض له العراق من جراء زيادة الخناق على الجانب الإيراني من خلال ذلك الحصار الجائر
فاصل و نواصل
(المحور الثاني)
لا تنفصل أزمة حركة الطيران والملاحة الجوية عن المشهد الاستراتيجي الأوسع؛ إذ تضع علامات استفهام كبرى حول مسألة «الاستقلال الاقتصادي والسيادة المالية» للعراق. فالوقائع تثبت مجدداً أن واشنطن لا تزال توظف نفوذها وهيمنتها على مفاصل المال والقرار للضغط على بغداد، وجعل خياراتها الاقتصادية رهينة للحسابات والخصومات الجيوسياسية للولايات المتحدة في المنطقة والعالم.
إن ما يشهده العراق اليوم في قطاع النقل والملاحة الجوية ليس سابقة معزولة، بل هو امتداد لنهج أمريكي متكرر يعتمد فرض الفيتو على أي شراكة تنموية حقيقية لبغداد. ولعل الشاهد الأبرز على ذلك هو التعطيل الممنهج لـ«الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق والصين»؛ تلك الاتفاقية التي كانت تمثل فرصة تاريخية واستثنائية لإعادة بناء البنى التحتية المتهالكة في العراق -من موانئ، وسكك حديد، ومستشفيات، ومدارس ومحطات كهرباء- بعيداً عن أعباء القروض والشروط الغربية المجحفة؛ لكن الفيتو والضغوط الأمريكية حينها حاصرت هذا المسار، وحرمت العراق من نقلة تنموية كانت كفيلة بنقله إلى مصاف الدول ذات البنى التحتية المتطورة.
إن الرضوخ للضغوط الأمريكية في ملف النقل الجوي والعلاقات التجارية مع الجارة إيران يشكل سابقة خطيرة للغاية تمس صلب السيادة العراقية. فالرسالة الأمريكية الضمنية لبغداد مفادها: «إن شبكة علاقاتكم الدولية ومصالحكم الاقتصادية يجب أن تمر حصراً عبر البوابة والرضا الأمريكي»، وهذا يقود بالضرورة إلى تحويل الاقتصاد العراقي إلى ساحة لتصفية الحسابات؛ حيث يُمنع العراق من استثمار موقعه الجغرافي كرابط بين الشرق والغرب، ويُحرم من بناء علاقات متوازنة مع جيرانه وشركائه الإقليميين بما يخدم مصلحة شعبه بالدرجة الأولى.
إن التهديد الأخطر لهذه التبعية لا يقف عند حدود العلاقة مع طهران، بل يفتح الباب على مصراعيه لتعطيل علاقات العراق مع أي قوى دولية أو إقليمية قد تدخل في خلاف أو صراع مستقبلي مع واشنطن، مثلاً في حال تصاعدت المواجهة الجيوسياسية بين القطب الأمريكي وكل من موسكو وبكين، هل سيُجبر العراق مجدداً على قطع أو تقليص علاقاته النفطية، الاستثمارية، أو التسليحية مع هاتين القوتين؟ وهل سيكون العراق مضطراً لإعادة ضبط حدوده، وأجوائه، وتجارته البينية مع أنقرة أو غيرها كلما طرأ توتر في العلاقات الأمريكية-التركية؟
إن هذا المسار، إن استمر، يعني تحويل الاقتصاد العراقي إلى «رهينة هشة» تتأرجح مع كل عاصفة سياسية تخوضها واشنطن، مما يقوّض ثقة الشركات العالمية في بيئة الأعمال العراقية، ويحرم البلاد من استقرار التجارة وسلاسل الإمداد، ويضع أمنها الاقتصادي في دائرة الخطر الدائم.
وفي سياق استشراف المستقبل، طرحنا على الدكتور عادل الدلفي تساؤلاً حول مستقبل الاستقلال الاقتصادي العراقي: هل سيجد العراق نفسه مجبراً في قادم الأيام على الامتثال لإملاءات اقتصادية خارجية جديدة، وما حجم الخسائر المحتملة؟ نستمع الي وجهة نظر الدكتور عادل:
لا، ليس بالضرورة إذا دخلت الولايات المتحدة في صراع مستقبلي يعني مع الصين أو روسيا فهذا لن يعني تلقائيا أن العراق ملزم قانونا بتطبيق العقوبات الأميركية فالعقوبات الصادرة عن مجلس الأمن تختلف عن العقوبات الاتحادية التي تفرضها الولايات المتحدة
العقوبات الأممية واجبة التنفيذ ونحن لاحظنا في كثير من التجارب السابقة التي مرت في العقوبات عن العراق أو عن الجانب الإيراني إذا صدرت من الأمم المتحدة فيصير بها الزام بالتطبيق أما إذا صدرت من جانب الولايات المتحدة الأميركية فهذا لا يعني أنه العراق أو إيران ملزمين بتنفيذها
وخير تجربة عندنا حاليا الحظر على الطيران العراق الإيراني الحظر الطيران الذي أصاب الخطوط الإيرانية والخطوط الجوية الإيرانية .. العراق طلب استثناء نتيجة الحاحنا عليها طلب استثناء من عدالة وروابط كبيرة وأسباب كبيرة تلحق الضرر بعراق جراء هذا القرار
لذلك نحن لا ملزمين بتطبيق قرارات العقوبات الأميركية ضد أي دولة مستقبلا لكن عمليا قد يتعرض العراق لضغوط اقتصادية أو مالية كبيرة خصوصا احنا مواردنا وصادراتنا من النفط تودع في الفدرال الأميركي ـ في الخزانة الأميركية ـ فإذا ضغطت علينا أميركا ستضغط من جانب الاقتصاد والمال إذا تعامل مع جهات أو بنوك مستهدفة خصوصا بسبب ارتباط المصارف العراقية بالنظام المالي والدولار وهذا تستخدم واشنطن عقوبات ثانوية ضد أطراف أجنبية وخصوصا العراق يعني بمختصر العراق ليس مضطرة تلقائيا إلى دفع ثمن كل الصراع الأميركي لكن يجب أن يوازن بين سيادة العراق ومصلحتها والاقتصادية وبين مخاطر العزلة المالية والعقوبات الثانوية التي هو في غنى عنها نحن لا نحتاج إلى مشاكل اقتصادية تضاف عبء كبير على حياة المواطن العراقي وتلحق الضرر الكبير في الدولة
فاصل و نواصل
(المحور الثالث)
في معادلة الاقتصاد العراقي وتشابكاته الإقليمية، لا يقف إقليم كردستان العراق بمعزل عن هذه التأثيرات؛ بل إنه يقع في قلب دائرة الاعتماد الجيواقتصادي المتبادل. وإذا كانت بغداد تواجه تحديات حقيقية جراء الرضوخ للضغوط الغربية، فإن إقليم كردستان يجد نفسه أمام مأزق أكثر تعقيداً وهشاشة، بحكم الجغرافيا التي جعلت من الجمهورية الإسلامية الإيرانية متنفساً حيوياً وشريان بقاء لا غنى عنه للإقليم، براً وجواً واقتصاداً.
تؤكد الأرقام والحقائق الميدانية أن اقتصاد إقليم كردستان العراق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسوق الإيرانية، حيث تشكل المنافذ الحدودية الحيوية كـ«باشماخ» و«برويزخان» و«حاج عمران» شرايين تغذية يومية لأسواق الإقليم؛ حيث تتدفق عبرها آلاف الأطنان من السلع الغذائية، والمواد الإنشائية، والمشتقات النفطية، والمنتجات الصناعية الإيرانية ذات الأسعار التنافسية والجودة العالية.
ويعتمد الإقليم بصورة شبه كاملة على مسارات الترانزيت واستخدام الأجواء الإيرانية لتأمين اتصاله بالعالم الخارجي وتفادي عزلته الجغرافية، فضلاً عن العوائد التي تجنيها شركات النقل والتخليص الجمركي في الإقليم من هذه الحركة التجارية الحيوية.
في لعبة الجغرافيا السياسية، تمتلك طهران أوراق ضغط استراتيجية حاسمة وفائقة التأثير قادرة على قلب الموازين الاقتصادية للإقليم وللعراق بأكمله في غضون ساعات قليلة؛ ومن أبرزها:
- التحكم بممرات الطاقة ونفط الإقليم، حيث بمقدور إيران خنق المسارات غير الشرعية أو الالتفافية لتصدير نفط الإقليم، بل وإعادة النظر في التسهيلات والموافقات الممنوحة لصادرات النفط العراقي المار عبر مضيق هرمز، الشريان الذي تملك إيران فيه اليد العليا والسيادة البحرية التامة.
- ملف الغاز والطاقة والديون المتراكمة، فرغم تراكم مليارات الدولارات من مستحقات الغاز والكهرباء الإيرانية الموردة للعراق -والتي تُعيق العقوبات والعرقلة الأمريكية تسديدها- ورغم قدرة طهران القانونية والاقتصادية على قطع هذا الإمداد الحيوي، إلا أنها تواصل ضخ الغاز لتشغيل محطات الكهرباء العراقية وتخفيف معاناة المواطنين.
وهنا يبرز جوهر السياسة والموقف المبدئي للجمهورية الإسلامية الإيرانية: لماذا لم تستخدم طهران هذه الأوراق الرادعة رغم كل الاستفزازات والضغوط؟ إن الجواب يكمن في:
- حرمة إيذاء الشعب العراقي بكافة أطيافه: ترى القيادة الإيرانية في الشعب العراقي -عرباً وكرداً، شيعة وسنّة- شعباً شقيقاً تجمعه بإيران أواصر العقيدة، والمصاهرة، والاشتراك في التاريخ والمصير، وحرمة مقدسات أهل البيت(عليهم السلام).
- أخلاقيات الجوار لا الحسابات النفعية الضيِّقة: ترفض إيران منطق «العقوبات الجماعية» واستخدام حاجة المواطن العراقي البسيط للكهرباء والدواء والغذاء كورقة ابتزاز سياسي، وهو الفارق الجوهري بين نهج المقاومة القائم على التكافل والأخوة، وبين النهج الاستكباري الأمريكي الذي لا يتردد في تجويع الشعوب لفرض هيمنته.
ورغم هذا المشهد المعقد، طرحنا تساؤلاً مباشراً على الدكتور الدلفي: هل يحق لإيران اليوم أن تتخذ تدابير اقتصادية صارمة تجاه العراق، وتحديداً حيال إقليم كردستان لحماية مصالحها؟ فأجاب مشكورا:
من حق إيران أن تتخذ أي إجراء لحماية مصالحها وفق القانون، لكن الإجراءات الاقتصادية ضد العراق أو الأقليم يجب أن لا تلحق الضرر الكبير بالمدنيين خصوصا العراق يعاني من أزمة كبيرة في الاقتصاد العراقي نتيجة توقف صادرات النفط بسبب غلق مضيق هرمز، وكذلك أقليم كردستان يعاني من أزمة كبيرة مالية.
فلذلك باعتقادي أنه إيران ما تلجأ لضرب الاقتصاد العراقي بشكل مباشر لأنه تربط بي علاقات قوية، وبالتالي راح تنعكس على الشعبين
إيران تحاول جاهدة أن تبعد حكومة أقليم كردستان وحكومة العراق عن مجارات الولايات المتحدة الأمريكية في قراراتها الجائرة ضد إيران وكذلك تبحث إيران عن الحياة لتلك الحكومتين وعدم الانصياع مع المعارضة الإيرانية الموجودة في كردستان ومع الجانب الأمريكي.
لذلك نحن نشوف إيران تلوح بعقوبات ضد الحكومتين، لكن لا أعتقد أنها تتخذها وإن شاء الله لم يتوصل لهذه المرحلة.
العراق حاليا يساعد إيران بكثير من الأمور وحتى طالبنا من خلال المحللين الاقتصاديين في الاعلام والفضائيات الحكومية والمحلية والدولية على العراق انه يطلب استثناء في استمرار علاقته الاقتصادية مع الجانب الايراني للضرورة الملحة جدا ولعدم الاستغناء عن خدمات والعلاقات التجارية التي تربطنا مع الجارة إيران
فاصل و نواصل
(المحور الرابع)
أمام كل هذه التداعيات الاقتصادية والخسائر الفادحة التي تلحق بمطارات العراق وأسواقه ومدنه الدينية، يتجه السؤال الطبيعي والمشروع نحو الداخل العراقي: أين يقف الأداء الرسمي مما يجري؟ وكيف تدير الحكومة العراقية أزمة تمس سيادة أجوائها ومصالح شعبها؟ المفارقة المؤلمة تكمن في أن المشهد يكشف عن حالة من الاستسلام للضغوط، وغيابٍ للإرادة السياسية التي طالما وظّفتها حكومات أخرى لحماية أمنها الاقتصادي ومصالحها الوطنية.
إن التوصيف الأدق لما يجري هو وجود «احتلال وهيمنة اقتصادية» تمارسها واشنطن على مفاصل القرار المالي والنقدي وحتى اللوجستي في العراق؛ ولكن، بدلاً من أن تُبنى استراتيجية وطنية لمقاومة هذا التدخل وحماية الاقتصاد، بدت الحكومة العراقية وكأنها تسلّم مقاليد الأمور طواعية، وتتحرك داخل الدائرة الضيقة التي يرسمها المندوب الأمريكي. هذا السلوك لا يُعدّ فقط تراجعاً عن مفهوم السيادة، بل يمثل ضربة في الصميم لأي مشروع استقلال اقتصادي تتطلع إليه القوى الوطنية الحية في بلاد الرافدين.
وحتى بالمعايير الدبلوماسية والتفاوضية البحتة، يظهر التراجع الحكومي بوضوح مقارنةً بالمراحل السابقة:
- تاريخ الحكومات السابقة: كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تخوض جولات شاقة ومفاوضات ضارية للحصول على استثناءات وإعفاءات من العقوبات الأمريكية الجائرة، لضمان استمرار تدفق الغاز والكهرباء وتسيير حركة التجارة والرحلات الحيوية مع إيران.
- الموقف الحالي: في الأزمة الراهنة، بادرت الجهات المعنية بالامتثال التام للرغبة الأمريكية دون بذل أي جهد دبلوماسي استباقي لمنع شلل الملاحة أو انتزاع استثناءات تحمي مطارات العراق وشركاته الخدمية. ولم تبدأ بعض التحركات الخجولة إلا بعد أن تصاعدت موجات الغضب والاحتجاج من الشارع، وقطاعات الفندقة، والفعاليات السياحية والشعبية المتضررة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة والمحافظات الجنوبية.
ولكي لا يُقال إن العقوبات الأمريكية قدرٌ محتوم لا يمكن الالتفاف عليه أو مواجهته، تحضر تجربة الجارة الشمالية، تركيا، كدليل ساطع على الفرق بين امتلاك الإرادة والافتقار إليها:
- النموذج التركي الذكي والمستقل: عندما واجهت أنقرة ضغوطاً وعقوبات مماثلة تتعلق بالخدمات الأرضية للطيران والوقود، لم تقبل بتعطيل حركة الطائرات الإيرانية ولا الإضرار بعوائد مطاراتها وأسواقها السياحية؛ بل ابتكرت حلولاً عملية عبر توظيف شركات خدمية بديلة وفتح مسارات قانونية وفنية مرنة -بما فيها الاستعانة أو التنسيق مع شركات إيرانية وكيانات محلية خاصة- لتجاوز القيود دون أن تعطل رحلة واحدة.
- المأزق في بغداد: في المقابل، وقفت الجهات المعنية في العراق عاجزة، ولم تكلّف نفسها عناء البحث عن آليات بديلة كالتي لجأت إليها تركيا لحماية حركة النقل الجوي، مما يعكس غياب الجرأة السياسية والمهنية في إدارة الملفات السيادية الحساسة.
وبحثاً عن مخارج عملية لهذه المعضلات، طرح زملاؤنا سؤالاً استراتيجياً على الدكتور الدلفي: هل يشكل الاعتماد على العملات الوطنية في التبادل التجاري طوق نجاةٍ حقيقي للبلدين؟ إليكم ما قاله في هذا الشأن:
نعم هذه فكرة رائعة جدا وطالبنا بها من زمان والعراق اقترح على الولايات المتحدة الأمريكية في تموز العام الماضي تحديدا أن يتم مقايضة الحكومة الإيرانية بالنفط الأسود مقابل الغاز لاستخدامه في الطاقة التي تعتمد عليه بشكل كبير جدا والعراق يعاني من نقص كبير في هذه المادة، مادة الغاز وعليه انه يمكن للعراق وإيران أن يوسعون التبادل بالعملات الوطنية والمقايضة لتقليل الاعتماد على الدولار وبذلك فعلا نوجه ضربة لشبكة الدولار العالمية ولكن سيكون تأثيرها محدود يعني قياسا بحجم النظام المالي العالمي لكنها تشكل ضربة موجعة للاقتصاد الأمريكي خصوصا وقد يهذو باقي الدول المنطقة تهذو نفس حدو العراق وإيران وتغير من تعاملها وبعملات أخرى وقد تكون من ضمنها العملات المحلية الإيرانية والعراقية وكذلك بمبدأ المقايضة، المقايضة اليوم تعمل فيها أغلب دول العالم خصوصا الذين تعاني من عقوبات اقتصادية ومشاكل مع دولة المتحدة الأمريكية
بالمناسبة أمريكا ضررت قبل كل تلك الدول في العالم أمريكا حاليا السعر الغالون البنزين ارتفع عندهم إلى أكثر من 5 دولارات الحياة باتت صعبة الزراعة توقفت عندهم بسبب نقص المواد الكيميائية التي تعتمد فيها بشكل كبير جدا على الخليج عبر مضيق هرمز وأغلاق المضيق والسيطرة عليهم من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية شكل عامل مؤثر كبير جدا على الزراعة في الولايات المتحدة الأمريكية وحاليا هناك تظاهرات كبيرة جدا بسبب ارتفاع أسعار المواد الزراعية والمواد الكيميائية الخاصة بالزراعة وكذلك حتى أسعار الخضروات والفواكه ارتفع عندهم المواد الغذائية الزراعية بشكل كبير جدا فأرى أن التبقى بالعراق والإيران على التعامل بالعملات الوطنية سيكون ناجح جدا وسيحقق توازن كبير للاقتصاد العراقي والإيراني
الفاصل
إن السيادة الحقيقية للعراق، واستقراره التنموي المنشود، يمران عبر بوابة واحدة؛ هي التحرر الفعلي من قيود الاحتلال الاقتصادي الأمريكي، وكسر هيمنة الوصاية المالية المفروضة على ثروات وقرارات بلاد الرافدين؛ لكن المفارقة الصادمة، والمؤسفة في آنٍ واحد، هي أن الخطاب الرسمي والإعلامي الموجه -بدلاً من أن يواجه الطرف الحقيقي الذي يصادر أموال النفط العراقي ويتحكم بمنافذ اقتصاده وأجوائه- يلجأ إلى الهروب إلى الأمام؛ متجاهلاً اليد التي تخنقه، وموجهاً أصابع الاتهام تارةً، واللوم تارةً أخرى، نحو الجارة الشرقية!
تُوجَّه الاتهامات نحو إيران، التي لم تتردد يوماً في تقاسم خبزها وطاقتها مع الشعب العراقي الشقيق، والتي صبرت على تراكم الديون، وترفعت عن استخدام أوراق قوتها الاقتصادية والجغرافية رعايةً لأواصر الدين والمصاهرة والتاريخ المشترك.
إن محاولة حرف بوصلة المسؤولية لن تُصلح مطاراً مُعطلاً، ولن تُعيد الحركة إلى أسواق النجف وكربلاء، ولن تبني اقتصاداً مستقلاً. إن الخطوة الأولى نحو التعافي تبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها: إن الذي يصادر سيادة العراق وقراره هو المحتل الاقتصادي الأمريكي، لا الجار الذي وقف وسيبقى يقف سنداً لسيادة وأمن وازدهار العراق وشعبه.