فيما بينما أظهر اليمنيون عزمهم الراسخ على تنفيذ معادلة "الحصار في مقابل الحصار" ضد السعودية، وأغلقوا خلال اليومين الماضيين الطريق أمام ناقلات النفط السعودية، دخلت حدة التوتر بين صنعاء والرياض مرحلة أكثر خطورة، وبدأت الأسواق العالمية وسلاسل التوريد منذ البداية تشعر بتداعيات تصعيد المواجهة.
وفي هذا السياق، واصلت قوات صنعاء، لليوم الثالث على التوالي، تكثيف سيطرتها على الحركة البحرية السعودية في البحر الأحمر، مما تسبب في اضطراب سلاسل التوريد المتجهة إلى مينائي جدة وينبع.
المرحلة الثانية من حصار صنعاء ضد السعودية
في الوقت الذي بدأت فيه عدد من شركات الشحن الآسيوية بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لتجنب استهداف سفنها من قبل القوات اليمنية، تدرس هذه القوات الانتقال من المرحلة الأولى من الحصار البحري ضد السعودية، والتي كانت تقتصر على منع عبور السفن السعودية أو السفن العاملة مع شركات شحن سعودية، إلى المرحلة الثانية التي تشمل منع عبور السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية، بغض النظر عن جنسيتها.
وفيما يتعلق بالخطوات الإضافية التي ستتخذها صنعاء ضد الرياض، والتي قد تشمل منعاً كاملاً لصادرات النفط الخام السعودي، أعلن حزام الأسد، العضو البارز في المكتب السياسي لحركة أنصار الله والحكومة اليمنية، أمس عبر منشور على منصة X قائلاً:
"إن اعتقاد السعودية بأن تهريب النفط عبر البحر المتوسط يضمن استمرار تدفقه، هو اعتقاد سخيف تماماً".
وأضاف:
"الخطوات القادمة التي سيتخذها اليمن ستكون أكثر حسماً وقوة، وقد تغلق صمام النفط السعودي بالكامل". وتشير هذه التصريحات إلى سيناريو التوقف الكامل لصادرات النفط السعودي من ميناء ينبع.
بناءً على ذلك، قد تلجأ صنعاء، رداً على أي عدوان سعودي محتمل، إلى استهداف خط الأنابيب الشرقي-الغربي الذي ينقل نحو 7 ملايين برميل من النفط الخام السعودي من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع.
ووفقاً لتقارير مصادر يمنية أكدتها مصادر دولية، بلغ عدد السفن السعودية التي أعادتها صنعاء من باب المندب 10 سفن.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر بحري مطلع في مدينة الحديدة غرب اليمن، لصحيفة الأخبار، بأن جميع السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر تلتزم بتوجيهات القوات البحرية اليمنية، وبناءً عليه، أبقت جميع السفن أنظمة التعريف الخاصة بها مفعّلة، وأضافت بيانات تعريف أطقمها.
ورغم ادعاء السعودية أن الحصار لم يؤثر على حركة الشحن في ميناء جدة، أفاد موقع "مارينا ترافيك" المتخصص في تتبع الحركة البحرية، بانخفاض عدد السفن العابرة عبر مضيق باب المندب إلى الموانئ السعودية من 73 سفينة منذ إعلان القوات اليمنية الحصار البحري على السعودية، إلى نحو 29 سفينة في اليوم الماضي.
كما تظهر صور جوية تجمع عشرات السفن قبالة السواحل السعودية، لا سيما بالقرب من باب المندب، وبخاصة في باحة وجيزان، فيما اضطرت عشرات الناقلات إلى تغيير مسارها، سواء من البحر الأحمر أو خليج عدن.
ووفقاً لرويترز، انضمت أربع سفن أخرى إلى السفن الست التي أعلنت صنعاء أمس منعها من عبور البحر الأحمر.
ومن بين هذه السفن، ناقلتا نفط سعوديتان حاولتا عبور مضيق باب المندب قبل أن تغيّرا مسارهما باتجاه قناة السويس. وبهذا التطور، بلغ إجمالي عدد ناقلات النفط السعودية التي مُنعت من عبور المضيق، خلال 48 ساعة من فرض الحصار اليمني، عشر ناقلات.
وقد أثرت تداعيات منع تدفق النفط السعودي عبر البحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، على الأسواق النفطية الدولية.
وفي ظل توقعات بوصول سعر البرميل إلى 100 دولار بحلول نهاية هذا الأسبوع، ارتفع سعر النفط خلال الساعات القليلة الماضية إلى 94 دولاراً للبرميل، مسجلاً زيادة بنسبة 4% بعد أن كان قد انخفض إلى أقل من 70 دولاراً للبرميل في الأسبوعين الماضيين.
من جهة أخرى، أفادت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية بانخفاض رغبة المستثمرين في شراء النفط السعودي، بسبب مخاوف من هجمات جديدة على السفن أو مخاطر انتهاك الحصار اليمني.
وأفاد مصدر عسكري في صنعاء لصحيفة الأخبار اللبنانية، بأن الحصار المفروض على الموانئ السعودية يهدف إلى تكثيف الضغط على صادرات وواردات السعودية في البحر الأحمر، حتى تستجيب دون قيد أو شرط للمطالب المشروعة لليمن.
وقال المصدر:
"ستتخذ قوات صنعاء خطوات محسوبة لخنق الموانئ السعودية. لن تقتصر معادلة الحصار على منع دخول السفن المملوكة للسعودية، أو السفن العاملة لشركات شحن سعودية، أو السفن المتجهة إلى موانئ المملكة في البحر الأحمر، بل ستتخذ مسارات تصعيدية أوسع قد تمتد إلى بحر العرب وتصل إلى أبعد نقطة في المحيط الهندي".
ويرى مراقبون في صنعاء أن تكلفة معادلة "الحصار في مقابل الحصار" على السعودية ستكون باهظة، إذ تعد المملكة واحدة من أكبر مصدري النفط في المنطقة، وتعتمد ميزانيتها على أكثر من 70% من مبيعات النفط الخام، وأن تحركها نحو التصعيد سيكبدها خسائر فادحة، في حين أن تكلفة تلبية مطالب "أنصار الله" ستكون بالتأكيد أقل من ذلك.
وتقدّر وكالة رويترز أن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب قد يخفض المعروض العالمي من النفط بنسبة 7%، لأنه يمنع خروج معظم صادرات النفط السعودية من المنطقة عبر مساراتها الحالية.
وأعلنت شركة "كيبلر" لتحليل بيانات الشحن، أن دخول اليمن في هذا الصراع ينقل المخاطر من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ويهدد مضيق باب المندب الذي أصبح ممراً حيوياً لنقل النفط الخام والمنتجات النفطية السعودية، وكذلك التجارة بين أوروبا وآسيا.