يشهد العالم يوميا إنتاج ملايين الأطنان من النفايات. لا تُمثل هذه النفايات مشكلة فحسب، بل تُشكل أيضًا تهديدًا للتربة.
فمن جهة، يُؤدي دفنها إلى تلوث التربة والمياه الجوفية. ومن جهة أخرى، يُسبب حرقها بالطرق التقليدية تلوثًا للهواء.
والأسوأ من ذلك، أن النفايات الطبية والصناعية، إذا لم يتم تدويرها بشكل سليم، ستُسبب أمراضًا أكثر خطورة كالسرطان، وسيُكلف هذا الأمر الأفراد والحكومات مبالغ طائلة.
يشكل هذا الواقع تحديا يواجهه العالم منذ عقود، ولكن حتى وقت قريب لم يكن هناك إجابة للسؤال:
"كيف يُمكننا التخلص من النفايات دون نقل المشكلة إلى مكان آخر؟"
هنا يلوح بصيص أمل في الظلام؛ "تقنية البلازما".
البلازما، هي الحالة الرابعة للمادة، تتشكل عند درجات حرارة عالية للغاية. عند هذه الدرجة، تتفكك الروابط الجزيئية. لم تعد النفايات نفايات، وينهار تركيبها الكيميائي. تُدمر العوامل الممرضة تمامًا، وتُحوّل موادها الخطرة إلى مركبات مستقرة وغير فعالة بواسطة طرق مُحددة.
كانت هذه التقنية لسنوات حكرًا على عدد قليل من الدول الصناعية. وبسبب تعقيدها وتكلفتها كان يصعب توطينها.
إلى أن قررت مجموعة من المهندسين والباحثين الإيرانيين تغيير هذه المعادلة لصالح الشعوب المستقلة.
في عام ٢٠١٤، قرر الدكتور آموزگار، الذي عاش لسنوات عديدة في الخارج وعمل في بيئات علمية متقدمة، قرر العودة إلى إيران.
حلم بسيط كان وراء انطلاقته:
"لماذا لا تستطيع إيران تقديم حل محلي خاص بها وأكثر فعالية من حيث التكلفة لإحدى أكبر التحديات التي تواجه العالم؟".
بدأ عمله مع عدد قليل من الطلاب والزملاء.
مختبر صغير في مبنى قديم. أجهزة قديمة. وإرادة لا تلين. كانت تلك بداية عملهم.
قرروا التركيز على محارق النفايات بالبلازما. وشيئًا فشيئًا، توصلوا إلى استنتاج مفاده أن النفايات ليست مشكلة، بل فرصة عظيمة.
وجد الدكتور آموزگار عددًا من الخبراء الآخرين من خلال مؤتمر ليوم واحد في جامعة طهران، ليستمر العمل بجدية أكبر.
مرت سنوات عديدة من الاختبارات، الفشل، إعادة التصميم، والمثابرة.
لم يكن بناء نظام محرقة نفايات بالبلازما تحديًا سهلاً، فقد تطلب الأمر درجات حرارة تصل إلى آلاف الدرجات. مواد خاصة. تصميم هندسي دقيق. أنظمة تحكم متطورة.
واجه المشروع الفشل لأكثر من مرة الأمر الذي تسبب في تأخير إنجازه لبضعة أشهر، لكنهم استمروا.
في مفاعلات البلازما، تصل درجات الحرارة إلى ما بين 5000 و10000 درجة مئوية، ويُعدّ الحفاظ على استقرار هذا القوس الكهربائي ومنع تذبذبه أمرًا بالغ الصعوبة، إذ يتطلب مصدرا قويا ومستقرا للطاقة مع تحكم دقيق في التيار.
من جهة أخرى، لا توجد مادة مقاومة تمامًا لمثل هذه الدرجات الحرارية؛ ونتيجة لذلك، تآكلت الأقطاب الكهربائية والجدرانُ والفوَّهاتُ بسرعة.
توصل الدكتور آموزگار وفريقُه إلى استنتاجٍٍ مفاده أنه يتعين عليهم استخدامُ موادَ خزفيةٍ خاصة أو معادن َفائقةِ المقاومة للحرارة مثل التنغستن أو المولي بدي نوم، وكان من شأن كل ِذلك أن يزيدَ من تكاليف المشروع.
بالطبع، كان الدكتور آموزگار، أحد َالمستثمرين في المشروع، قد وضع التوقعاتِ اللازمةَ مسبقًا ولم يسمحْ بتوقف المشروع بسببِ المشاكل المالية.
وأخيرًا، في عام 2023، تحوّل الحُلُمُ إلى حقيقة.
تم إنتاج نظام قادر على معالجة النفايات الطبية والصناعية والكيميائية والخطرة بأمان عالٍ وبأقل تأثيرٍ على البيئة، وقامت النخب الإيرانية بتطويرِه وتوطينه.
تُعالَج النفاياتُ أولاً وتُفرَز، ثم تُدخَل إلى حجرةِ التغويز بالبلازما، حيث تُخفِّضُ درجةُ الحرارةِ العاليةِ للغاية حجمَها بشكل ملحوظ. ويُحوَّل جزءٌ كبير منها إلى غاز اصطناعي ومنتجات مستدامة.
وماذا يتبقى؟
"لا ينتج ُعن هذه العملية رمادٌ سامٌّ ولا أبخرةٌ خطرة، بل تُنتَج موادُ آمنةٌ ومُتحكَّم بها".
لكن هذه القصة لا تقتصر على التخلص من النفايات فحسب، بل لها فوائد أخرى أيضاً؛ إذ يُستخدم الغاز الاصطناعي لإنتاج الطاقة، وتُحوَّلُ المواد الصلبة المتبقية إلى مواد خام لمختلف الصناعات، مثل البتروكيماويات والدهانات والبناء وغيرها. في هذه الدورة، تحوَّلت النفايات من مصدر خطر إلى مورد ثمين.
اليوم، أصبح نظام البلازما هذا جاهزًا للاستخدام في مراكز متنوعة؛ من المستشفيات والمناطق الصناعية إلى مراكز إدارة النفايات والمناطق النائية، حيث يُمكن للبلازما أن تُحوِّل َمخاطرَ النفايات إلى فرص، بل ومصدرِ دخل.
ليست هذه قصة جهاز، بل قصةُ تغيير في الرؤية. الرؤية التي لا ترى في النفاياتِ نهايةَ المطاف، بل بدايةً جديدة.
إنها رؤية تؤمن بأن التكنولوجيا، إذا ما تم توطينها، قادرة على الجمع بين المعرفة والاستقلالية والمسؤولية البيئية.
اليوم، لا تُعدّ البلازما مجرد تقنية متطورة، بل هي دليل على إمكانية ابتكار حلول عالمية ضمن حدود الإمكانيات.
عندما يُسخّر العلم لخدمة الأرض والإنسانية، لا يعود المستقبل مجرد حلم، بل مستقبل يُبنى. وقد بدأ هذا المستقبل من هنا.