البث المباشر

عن التقويم العلمي لنظرية فرويد

السبت 2 فبراير 2019 - 09:42 بتوقيت طهران

الحلقة 207

في الثقافة الغربية المعاصرة برزت نظرية التحليل النفسي ظهوراً كبيراً مبالغاً فيه الى حد بعيد وقد بث اليهودي النمساوي سيغمونت فرويد نظريته هذه التي تعتمد التفسير الجنسي وترد السلوك البشري الى عامل الجنس والغريزة بأعتباره اشد العوامل اثراً في حياة الانسان، وبذلك اراد فرويد ان يدخل الانسان في خطيرة الحيوان ويثبت انه عائد لنزواته الهابطة ذات السمة البهيمية، الابحاث التي اذيعت ونشرت في السنوات الاخيرة عن علاقة صميمية بين نظرية فرويد وبين نصوص التلمود الذي صنعه اليهود في القديم من جهة وبين نصوص بروتوكولات صهيون في السنوات الاخيرة من جهة اخرى، وقد جل هذه القضية من جلاها الدكتور صبري جرجس في كتابه التراث اليهودي الصهيوني في علم النفس ونظرية فرويد.
انه من اللافت للنظر ذلك التركيز الخطير الذي قامت به القوى المهيمنة على الاعلام والاداب والفنون والجامعات في الغرب على نظرية فرويد على نحو مريب ان مفاهيم التحليل النفسي قد قامت في اواخر القرن الماضي في اطار علمي وما لبثت الابواق الخفية والمقنعة للدعاية الصهيونية ان اسبغت عليها هالة من النزاهة الفكرية منعت حتى اعنف معارضيه ان يستريبوا في اصوله ودوافعه ولا شك ان الفكر الفرويدي اليهودي كان يرمي اساساً الى تقويض الاسس التي تقوم عليها حضارة‌ الغرب لتسهل السيطرة الصهيونية عليه، من اجل ذلك سخرت الصهيونية حربها الاعلامية والدعائية بنشر مفاهيمه والدعوة له بأوسع نطاق حتى امست الفرويدية من اقوى العوامل اثراً في التوجية الفكري والخلقي لعالم الغرب وكان فرويد يهودياً قحاً وعضواً عاملاً وفخرياً في بعض المنظمات الصهيونية، وصديقاً شخصياً لهرسل ابي الصهيونية.
وقد اثبتت الدراسات التخصيصية خطأ نظرية فرويد في مجالات عديدة ولم يكد يصمد منها شيء ذوبال امام النقد العلمي، من افكاره التي ثبت فسادها مسألة الطفولة وما يدور حولها ويرتبط بها، ذلك ان فرويد قد اعلن بأن معارضة رغبات الطفل في صغره ومحاولة الاهل ترويضه على النظام واصول السلوك مما يؤثر سلباً على تصرفاته عند كبره، من هنا في رأي فرويد يجب ان يترك الطفل حراً بلا اي قيد من القيم والاخلاق والدين ودونما توجيه لكي لا يكون ذلك مصدر تعرضات وعقد في حياته، وقد روج علماء النفس والتربية لهذه النظرية حتى غدت وسيلة لهدم اصول التربية وبناء‌ الشباب تحت تهديد وهمي، بيد ان العلماء الذين قاموا بأحصاءات وتجارب ميدانية في البيئة نفسها تبين لهم فساد هذه النظرية وعدم جدواها وقد اعلن بعض العلماء الامريكيين بعد دراسات طويلة ضرورة استخدام الضرب مثلاً وسيلة لتقويم سلوك الطفل كذلك دعا الى اخذ الابناء بالرفق واللين حتى لا يكون نقدهم مصدر الاحساس بالحيرة والقلق وقال هذا العالم ان مسلك الطفل لا يتأثر بعامل واحد كما ذكر فرويد ولكنه يتأثر بعدد كثير من العوامل منها البيئة والوسط والحالة الاجتماعية فلا سبيل الى اخضاع الطفل الى نسق واحد، وقد اجرى الدكتور اسكندر توماس عدداً من البحوث لمعرفة فريق من الاطباء النفسانيين انتهى منها الى ان نظرية فرويد لم تكن مطلقة وانهم درسوا في تجربتهم احوال مئة وثمانية وخمسين طفلاً غير منحرفين منهم الفقراء والاثرياء وقد نشأ الاولاد اصحاء مستقيمين على الرغم من القيود القاسية في تربيتهم.
الدراسات العلمية اثبتت ايضاً فيما لا يقبل الجدل، ان الدافع الجنسي يأتي في مرتبة ادنى من كثير من الدوافع الاخرى، كالدافع الى الهواء او الشراب او المال ثم ان هذا الدافع الجنسي يخضع للتربية والتوجيه بمعنى اننا نستطيع تربية الانسان على العفة بحيث يضبط دافعه الجنسي ويتحكم فيه، وبهذا لا تكون العفة امراً ممكناً فحسب بل ضرورياً وكذلك دلت الابحاث ان هناك تنظيماً طبيعياً للشهوة بحيث تستطيع كثير من الوسائل كالرياضة الجسدية او الروحية او الشعر ان تستوعبه، كذلك قال الباحثون ان دعوة فرويد الاساسية هي ان المرض العصبي العصاب ينشأ عن امور جنسية طفولية مكبوتة ولكن البحث برهن على ان الامور الجنسية الطفولية المكبوتة ليست وقفاً على الذين اصيبوا بمرض عصاب في وقت من حياتهم ولكنها موجودة عند كل انسان وتشكل عاملاً مهماً في حياته.
وهكذا نجد ان ما دعا اليه فرويد من ان الطفل يعاني مما اسماه كبت الميول الجنسية ما هو الا اكذوبة اراد بها تبرير الاباحية الجنسية وآثار بها الخوف داخل النفوس لكي يحول بين اعداد الشباب وتربيتهم وتنشأتهم تنشأة خلقية وان ما يرمي اليه فرويد من ترك الميول الجنسية حرة طليقة تسلك سبيلها الى ما تشاء وكيف تشاء ان هو الا دعوة صريحة الى الاباحية والفساد والتحلل والسقوط الفضيع.
اجل، ان المذاهب الغربية تختلف عن الماركسية في تسييرها لفرويد وانها جميعاً تلتقي عند المادية والجبرية ونظرية فرويد هي نوع من الجبرية، وجه الخلاف الوحيد، هو ان نظرية فرويد في نظر الماركسيين قد وضع في تبرير النظرية الفردية غير انهم يرون ان فرويد هو عامل هام يحقق اهدافهم في تحطيم المقدسات وتلويث المجتمعات وفي تصوير القيم والحدود والضوابط الدينية والاخلاقية على انها قيود ابتدعها المجتمع لحماية ذاته، فأذا تحطمت كسبت الماركسية نصف المعركة ولا ريب المخططات كلها ملتقية وان الماركسية تتصل بالفرويدية بصلة قربى ونسب، وتلتقي الماركسية والفرويدية في اكثر من نقطة واهمها النظرة المادية والحيوانية للانسان، تلك النظرة التي تنفي الجانب الروحي والمثل والاخلاق وتؤمن بعالم الجسد وحده وبالواقع الذي تدركه الحواس وحده لكنها تختلف مع الماركسية في تقديم اي من هذين الهدفين، لقمة العيش ام الجنس؟
وهكذا نرى ان ابرز تفسيرين للتاريخ والانسان وهما الاقتصادي والجنسي انما ينبعان من مصدر واحد هو المصدر اليهودي، والاسلام بواقعيته الانسانية الاصيلة يرفض خضوع الانسان للتفسير الاقتصادي او الجنسي او المادي جملة واخيراً فأن الفكر الانساني قد تجاوز هذين التفسيرين تماماً بعد ان تمزقت النظريتان وثبت فشلهما بالتجربة مما اكد عزلهما عن البقاء والاستمرار.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة