لقد اختار الله تعالى هذا الشهر لأن يكون جسراً بين رجب المرجّب ورمضانَ الكريم، وفيه يكتب الله لعباده الصائمين فيه رضوانه، وتستعد القلوب لاستقبال القمر المنتَظَر، الإمام الثاني عشر، الحُجّة بن الحسن العسكري (عج) الذي وُلد في صبيحة النصف من شعبان سنة 255 هـ.ق.
وهذه الولادة لم تكن مجرّد حدث تاريخي عابر، بل كانت بُشرى السماء بالأمل الأخير، والمشعل الذي لا ينطفئ في ليل الغيبة.
فشعبان هو شهر الإنتظار النشيط، شهر التهيئة لظهور من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
ميلاد الأمل
الإمام المهدي (عج) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (ع)، غاب غيبة صغرى ثم كبرى بأمر الله، وهو الخلف الصالح، الحافظ للدين، والمجدّد لكل ما اندرس من معالم الحق.
من أبرز صفاته العدل الشامل، العلم اللدني، والرحمة العالمية، فالإمام المهدي(عج) منقذ البشرية الذي سينشر السلام والرفاه بين جميع البشر. وبهذه المناسبة نستعرض بعض الأفلام التي تطرقت إلى موضوع صاحب الزمان(عج) والإنتظار.
«مَوْطِئ القَدَم»
فيلم «قدمكاه» أي «مَوْطِئ القَدَم» للمخرج محمَّد مهدي عسكربور، وهو الفيلم السينمائيّ الإيرانيّ الوحيد الذي يُشير مباشرة إلى موضوع المهدويّة والانتظار.
رحمان (بابك حميديان) شابٌّ طيّب القلب وبسيط يعيش في القرية. يذهب كلَّ سنة في النصف من شعبان إلى “مَوْطِئ القَدَم” لأداء نذرٍ مدَّته عشر سنوات، وهذه السنة هي آخرها. لكنَّه هذه المرّة يرى في مَوْطِئ القَدَم حلماً ويحكيه لأهل القرية. يُصاب أهل القرية بالذُّعر عند سماع حلم رحمان والخوف من كشف سرّ، ويقصدون إرساله إلى مَوْطِئ القَدَم.
الفيلم، وإن تعامل بإشارات مباشرة، مثل تاريخ النصف من شعبان أو مكان مَوْطِئ القَدَم، إلى صاحب الزمان(عج)، فإنَّه في طبقاته المخفيّة أيضاً يدخل في مفاهيم الإنتظار والظهور.
«أميرة الروم»
فيلم «شاهزاده روم» أي «أميرة الروم» للمخرج هادي محمّديان، قصَّة عشق ووَلَه أميرة مسيحيّة عفيفة تُدعى مليكة وهي السيدة “نرجس خاتون(س)”، التي يعود نسبها من ناحية أبيها إلى ذرّيّة أحد حواريّي السيّد المسيح(ع)، ومن ناحية أمِّها إلى حفيدة قيصر الروم.
يقدَّر مصير هذه السيّدة العفيفة بحيث تهاجر في النهاية إلى البلاد الإسلاميّة وتصبح في النهاية زوجة للإمام الحسن العسكري(ع)، لتصبح أم منقذ البشريّة. هذا الفيلم يُشير إلى مفهوم الانتظار، وظهور الإمام المهدي(عج)، ومفاهيم آخر الزمان.
«حاكم الماء»
قدّم مجيد إسماعيلي، كاتب ومخرج أنيميشن «فرمانرواي آب» أي «حاكم الماء»، شرحاً حول خصائص هذا العمل، حيث أكد على أنه رغم مرور عقد من الزمن على إنتاجه، لا يزال موضوعه حديثاً ومواكباً للعصر.
وأضاف:
"الإهتمام بالعمارة الإسلامية، وعلم العلامات (السيميائيات)، والمواقع المتنوعة، جعل هذا العمل يحظى بإعجاب جمهوره بعد سنوات. والمراهقون هم الجمهور الرئيسي لهذا العمل في العرض السينمائي".
وتابع إسماعيلي:
"القصة تُروى في إطار معركة صواريخ وطائرات مسيرة بين إيران وأعدائها، لكن العون الغيبي ونظرة التربية الأبوية هي المحور الرئيسي. في الرؤية الدينية، لا يوجد فصل بين السياسة والروحانية".
«رائحة قميص يوسف»
فيلم «بوي بيراهن يوسف» أي «رائحة قميص يوسف» للمخرج إبراهيم حاتمي كيا، يروي قصَّة انتظار أب لعودة ابنه من جبهة الحرب، وقد تعامل بشكل مجازيّ مع مفهوم الانتظار.
هذا الفيلم لا يتناول ثقافة المهدويّة بشكل مباشر، لكنَّه حاول أن يُعطي موضوع الإنتظار والمهدويّة مفهوماً واقعياً وأكثر معاصرة، وعرضه في قالب حديث. وصرَّح حاتمي كيا في مقابلة أنَّ مفهوم الانتظار كان الموضوع الذي قصده في صناعة هذا الفيلم.
في المشاهد الختاميّة، حيث يعود ابن الشخصيّة الرئيسيّة، تتركّز الكاميرا للحظات قصيرة على عَلَمٍ كُتب عليه اسم صاحب الزمان(عج)، كي تُقدَّم في نسيج قصّة الفيلم إشارات عابرة إلى هذا المفهوم الدينيّ.
رسالة الإنتظار
وهكذا، يشكّل شهر شعبان المعظم منعطفاً نورانياً يربط المؤمن بجوهر رسالة الإنتظار الفاعل.
إن ميلاد الإمام المهدي(عج) في هذا الشهر المبارك ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو تجديد للعهد مع الأمل الإلهي، وتذكير بأنّ غيبة الحجّة هي امتداد لحضوره الرّوحي في قلوب المؤمنين، وهي تذكير بأن النور لم ينطفئ، وأن المشعل باقٍ في قلوب المؤمنين.
والسينما كفن جماهيري تحاول أن تجسّد هذا الأمل في صورة وحركة، لتجعل الانتظار، حركة إصلاح داخلي وخارجي إستعداداً لليوم الموعود.