البث المباشر

الاعتراف بالذنب بين يدي الله

الأربعاء 31 أغسطس 2022 - 19:31 بتوقيت طهران
الاعتراف بالذنب بين يدي الله

يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه عند الصّباح والمساء:

"اللَّهُمَّ إنّي أُصبحُ وأُمسي مستقلًّا لعملي، معترفاً بذنبي، مُقِرّاً بخطاياي، أنا بإسرافي على نفسي ذليل عملٍ أهلكني، وهواي أرداني، وشهواتي حرمتني، فأسألك يا مولاي سؤالَ مَن نفسه لاهيةٌ لطولِ أملِه، وبدنُه غافلٌ لسكون عروقه، وقلبُه مفتونٌ بكثرة النِّعم عليه، وفكره قليلٌ لما هو صائرٌ إليه، سؤالَ مَن قد غلبَ عليه الأملُ، وفتنه الهوى، واستمكنت منه الدنيا، وأظلّه الأجلُ، سؤالَ مَن استكثرَ ذنوبَه، واعترف بخطيئته، سؤالَ مَن لا ربَّ له غيرُك، ولا وليّ له دونك، ولا منقذ له منك، ولا ملجأ له منك إلا إليك".

في هذا الدعاء، يواجه الإنسان يومه وليله أمام ربّه في عمليَّة نقد ذاتي يستغرق من خلالها في كلّ أعماله، فهو يتطلّع إلى أعماله في كلّ ما ذهب من عمره، فلا يراها بالمستوى المطلوب كمّاً ونوعاً، بحيث تستطيع أن تنقذه من غضب الله، أو تمنحه الأمن من سوء المصير، بل إنَّه إذا تطلَّع إليها، يجد فيها الكثير مما يؤدّي إلى هلاكه، لاشتمالها على ما حرَّمه الله، وإذا التفت إلى خضوع كيانه لأهواء نفسه، فإنّه يشعر بأنَّ ذلك قد يصل به إلى الموت الروحي، عندما يرديه ذلك في نار جهنم، ثم يلاحظ أنّ شهواته الضاغطة على حسّه، المسيطرة على حركته، استطاعت أن تحرمه من الحصول على رضوان الله ومحبَّته، وبالتالي، فقد ينتهي به ذلك إلى الحرمان من الجنَّة، والدخول في النار.

وفي ضوء ذلك، يتطلَّع هذا الإنسان المؤمن بالله إلى ربِّه، ليسأله سؤال من يملك النفس اللاهية التي لا تعيش الجديّة في الحياة، لأنّها لا تتصوَّر لها نهاية محدودةً، ولا تنفتح فيها على حساب المسؤوليَّة، وسؤال من يملك البدن الغافل عما ينتظره من العذاب إزاء انحرافه، والقلب المفتون بالنِّعم الكثيرة المتنوّعة لديه، والفكر الَّذي لا يعيش اهتمامات العاقبة الحاسمة الَّتي ينتهي إليها.

فقد فتنه الهوى، وغلب عليه الأمل، واستمكنت منه الدنيا، وبدأ الأجل يخفق فوق رأسه، ولكنَّه الآن يعي نتائج ذلك، فقد استكثر ذنوبه، واعترف بخطيئته، ولذلك، فإنّه يسأل ربّه سؤال الإنسان الذي يجد الله كلّ شيء في وجوده، في الدنيا والآخرة، فلا ربَّ له غيره، ولا وليّ له دونه، ولا منقذ له منه، ولا ملجأ منه إلا إليه، ليخرج من ذلك كلّه بنفس راجعةٍ إلى الله، مطيعةٍ له، واثقةٍ به، متوكّلة عليه في كلّ أمورها.

 

* من كتاب "آفاق الرّوح"، ج1.

السيد محمد حسين فضل الله

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم