البث المباشر

عدله

الخميس 15 نوفمبر 2018 - 20:02 بتوقيت طهران
عدله

جاءت الخلافة للامام عليه السلام في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد فذوو النفوذ من الناس قد الفوا الاستئثار واستراحوا له, وليس يسير ابدا ان يذعنوا لاية محاولة اصلاحية تضر بمصالحهم الذاتية.

ثم ان المطامع قد تنبهت لدى الكثير من الرجال بعد ان تحولت مدركاً مغنما لا مسؤولية لحماية الشريعة والامة ولقد كان الامام عليه السلام مدركا لحقيقة الموقف بدقائقه وخفاياه بشكل جعله يعتذر عن قبول الخلافة حين اجمعت الامة على بيعته بعد مقتل الخليفة عثمان قائلا: (دعوني والتمسوا غيري فانا مستقبلون امراله وجوه والوان, لا تقوم له القلوب, ولا تثبت عليه العقول وان الافاق قد اغامت والمحجة تنكرت..) ولكن جماهير المدينة المنورة وجماهير الثوار من العراق ومصر اصروا على استخلافه عليهم فنزل الامام عند رغبتهم ولكن وفقا لشروطه الخاصة- هو: (اعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم اصغ الى قول القائل وعتب العاتب).
ولقد كانت مهام الامام عليه السلام ان يجسد العدالة الاجتماعية في دنيا الناس ويمنح المنهج الاسلامي فرصة البناء والتغيير على شتى الاصعدة فدشن عليه السلام خططه الاصلاحية بالغاء السياسة المالية والاجتماعية والادارية التي كان معمول بها ليوفر الجو المناسب لتطبيق المخطط الاسلامي في العدالة الاجتماعية فمن بنود خططه الاصلاحية:
1. استرجاع الاموال التي تصرف بها بنو امية من بيت مال المسلمين.
2. واستغنى عن الكثير من الولاة الذين اساؤوا التصرف وخالفوا امر الله تعالى وتخطوا منهجه الاقدم الذي ارتضاه لعباده..
3. ثم بادر الى تبني سياسة المساواة في توزيع المال والحقوق, منهياً بذلك دور الطبقة والتمييز والاثرة: (المال مال الله, يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على احد).
(الا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار, وفجروا الانهار وركبوا الخيل واتخذوا الوصائف المرققة اذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه, واصرتهم على حقوقهم التي يعلمون حرمنا ابن ابي طالب حقوقنا).
وقد تبنى الامام سياسة العدل الشامل:
- في معاملة افراد الامة.
- في منهج الحقوق.
- في توزيع المسؤوليات.
وكان منهج الامام عليه السلام في العدل لا يناظره الا منهج رسول الله صلى الله عليه وآله ان لم نقل انه منهج الرسول صلى الله عليه وآله بالذات.
فهلم نصغ الى منهاجه المتبنى في سياسة الامة بالعدل من خلال حديثه عليه السلام: (.. والله لئن ابيت علىحسك السعدان مسهدا واجر في الاغلال مصفدا احب الي من ان القى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد وغاصبا لشئ من الحطام.. والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت, وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها, مالعلي, ونعيم يفنى ولذة لا تبقى نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين).
(الذليل عندي عزيز حتى اخذ الحق له).
(وايم الله لانصفن المظلوم من ظالمه ولاقودن الظالم بخزامته حتى اورده منهل الحق وان كان كارها..).
ولم تكن هذه المبادئ التي يتحدث عنها الامام عليه السلام ذاته امنيات وافكاراً طرحها في دنيا المبادئ والافكار وانما جسدها واقعا حيا قبل ان يطرحها فكراً..
وهي خصيصة من خصائص علي عليه السلام فالقول عنده يعقب العمل او يجري من طبيعته.
ومن اجل ذلك ملأ الامام عليه السلام دنيا المسلمين قسطاً وعدلا وحقق انقلاباً في واقع المسلمين على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفقا لمقتضيات العدل الالهي فاعاد بذلك ايام رسول الله صلى الله عليه وآله في صفائها واشراقها وعدلها الشامل..
فحسبك ان امير المؤمنين عليه السلام كان يرتدي القميص المرقوع ويبالغ في رقع مدرعته كلما تمزق جانب منها حتى يبلغ الامر بالامام عليه السلام ان يستحي من راقعها.
وكان يخرج الى السوق ليبيع سيفه كي يشتري بثمنه ازراراً وهو في علو شأنه وعظمة مركزه الذي يحتل في دنيا المسلمين حيث تجبى اليه الاموال من اقاليم الدولة الاسلامية جميعها وثروات الدولة تحت تصرفه.. وكان ياكل خبز الشعير بنخالته وكان غالب ادامه اللبن والملح والملح.. ولم يكن للامام عليه السلام غير قميص واحد لا يجد غيره عند غسله.
ومع شدة زهد الامام عليه السلام في الدنيا فقد كان حريصا على توفير الرفاه الاقتصادي للامة التي اضطلع بقيادتها فكان يقسم الذهب والفضة بين الناس ويطعمهم اللحم والخبز ويعمل كل ما في وسعه لرفع غائلة الفقر عنهم ... وكان بيت المال لا يكاد ترد اليه الاموال حتى يبادر الامام عليه السلام الى توزيعها على الناس لاعطاء كل ذي حق حقه.
وكان منهاجه في توزيع المال التزام اقصى درجات العدالة.
فها هو يخاطب الزبير وطلحة حينما كبر عليهما منهاج المساواة في العطاء (.. فوالله ما انا واجيري هذا الا بمنزلة واحدة). وها هو سهل بن حنيف يخاطبه: (يا امير المؤمنين قد اعتقت هذا الغلام, فاعطاه ثلاثة دنانير مثل ما اعطى سهل بن حنيف).
ويأتيه عاصم بن ميثم وكان الامام عليه السلام يقسم الاموال فقال: يا امير المؤمنين اني شيخ مثقل.فقال امير الامام عليه السلام : (والله ما هي بكد يدي ولا بتراثي عن والدي ولكنها امانة اوعيتها).
وجاءه عبد الله بن زمعة وهو من شيعته يطلب منه مالا فقال الامام عليه السلام: (ان هذا المال ليس لي ولا لك وانما هو فيء للمسلمين وجلب اسيافهم فان شاركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم والا فجناة ايديهم لا تكون لغير افواهم).
ويدخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال يتولى بعض شؤون المسلمين فاطفأ الامام عليه السلام السراج وجلس في ضوء القمر فالسراج ملك الامة فلا يصح ان يستضئ به ابن العاص وهو في زيارة خاصة للامام عليه السلام.
حرص فريد على اموال الامة وسهر دائم على مصلحتها وعمل دائب من اجل اسعادها وهدايتها واصلاح شانها. على ان تعاهد امر الامة من لدن علي عليه السلام ليس محصوراً في اطار المال وتوزيعه وانما يمتد لكي يشعر الانسان بكرامته ويعيد وعيه بحقه في الحياة الحرة الكريمة ويعلمه ان يتمرد على الظلم والكبت وسلب الارادة:-
(لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً).
(انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين, البخيل فتكون في اموالهم نهمته لا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الامة).
(فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند اهل الباردة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي فانه من استثقل الحق ان يقال له او العدل ان يعرض عليه كان العمل بها اثقل عليه! فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشهور بعدل).
وتمتد ظلال العدالة في عهد امير المؤمنين عليه السلام فيرعي اسواقهم من ناحية المكاييل والمعروض من السلع وطبيعة المعلامات فيها فيخرج كل يوم يتفقد اسواق المسلمين بنفسه فيرشد الضال ويهدي المقصر الى طريق الحق ويامر بكل معروف وينهي عن كل منكر..
ولشدة حرص الامام عليه السلام على تطبيق العدالة الاسلامية باروع صورها في دنيا الناس وعلى شتى الاصعدة انه وجد درعه عند رجل نصراني فوقف معه امام القاضي ليقاضيه في الامر.
فقال الامام عليه السلام: انها درعي, ولم ابع , ولم اهب
فسال القاضي الرجل النصراني: وما تقول فيما يقول امير المؤمنين؟
قال الرجل: ما الدرع الا درعي وما امير المؤمنين عندي بكاذب.
فالتفت القاضي للامام عليه السلام: طالبا بينة تشهد ان له الدرع.
فضحك الامام عليه السلام معلنا انه لا يملك بينة من ذلك النوع. فقضى القاضي بان الدرع للنصراني فاخذها ومضى والامام ينظر اليه.
الا ان الرجل عاد وهو يقول: اما انا فاشهد ان هذه احكام انبياء, امير المؤمنين يدينني الى قاض يقضي عليه..الدرع والله درعك يا امير المؤمنين وقد كنت كاذبا فيما ادعيت.
وحصيلة الامر ان يعلن الرجل اسلامه ويخلص في الوقوف تحت راية الامام عليه السلام مؤمناً مجاهداً ذائداً عن رسالة الهدى..
وبقدر ما كان الامام عليه السلام حريصاً على تجسيد روح العدالة التي صدع بها رسول اللهصلي الله عليه وآله لاخراج الانسان من ظلام الظلم والقهر والكبت كان حريصاً كذلك على الزام ولاته وقضاته وقادة جيوشه وجباة الاموال بالتزام العدل في معاملة الناس وتحري الحق في الحكم والقضاء واعطاء الحقوق وفي جمع المال في حالات الحرب وسواها..

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة