البث المباشر

معنى رب الكرسي الرفيع والبحر المسجور

الأربعاء 2 أكتوبر 2019 - 11:43 بتوقيت طهران
معنى رب الكرسي الرفيع والبحر المسجور

اذاعة طهران - عهد الصادقين: الحلقة 1

في لقائنا السابق حدثناك عن دعاء العهد وهو الدعاء الذي يتلى صباح كل يوم، يتناول الندب شخصية العصر الامام المهدي(ع)، حيث وردت التوصية بقراءته اربعين صباحاً، حتى يظفر قارئ، الدعاء مايتطلع اليه من المساندة وغفران الذنب... وقد حدثناك عن فقرتين او عبارتين منه، وهما قول الامام الصادق عليه السلام (وهو صاحب صياغة الدعاء): (اللهم رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع) .. ونتابع الان الفقرة الجديدة منه وهي (ورب البحر المسجور)... فماذا نستخلص من هذه العبارة؟...
قد يكون من المفيد بان نكرر كلاماً سبق ان رددناه وهو: ان القسم او الاشارة الى ‌بعض الظواهر الكونية، يحمل وظيفةً معرفية هي: تذكر قارئ الدعاء بعظمة الله تعالى في احدى ظواهره الابداعية،... وعملية التذكر بهذه الظاهرة او تلك تسهم -ولاشك- في ترسيخ عقيدة القارئ، وجعله (ذاكراً) لله تعالى عوض (الغفلة) او (التغافل) ... وبالنسبة الى‌ ما نحن بصدده الآن هو: التذكر بظاهرة (البحر المسجور)....
ونحسبك ستتساءل عن المقصود من الظاهرة المذكورة، حيث ان التذكر بالبحار مثلأ يظل واحدا من المظاهر الحسية لكل متأمل ... فالسماء لاوالارض والبحر مثلا تظل من المظاهر المألوفة لدى البشر، كل ما في الامر ان التفكير بعظمة موجدها من جانب، والتفكير بمعطياتها التي سخرها الله تعالى للانسان ولسواه من جانب آخر: يظل احد اهم أركان الوظيفة العبادية للانسان من حيث ضرورة ان يحيا (ذاكراً) لله تعالى لا (غافلاً) ...
والمهم الآن هو: التفكير بظاهرة (البحر المسجور) ... وهذا مايدعنا نتساءل من جديد: ماذا نستخلص من التذكر بهذه الظاهرة؟
بالنسبة الى (البحر) لا أعتقد اننا نحتاج الى تذكير قارئ الدعاء بأهميته وعطائه، ويكفي انه المادة التي يقول الله تعالى عنها في كتابه الكريم انه جعل من الماء كل شئ حي... بيد ان الملفت للنظر هو (الصفة) التي خلعها الامام الصادق عليه السلام على (البحر) وهي صفة (المسجور) فماذا تعني كلمة (المسجور) اولاً؟ وما هي خطورتها ثانياً؟
النصوص المفسرة تتفاوت في تحديد دلالة (المسجور) فالبعض يشير الى انه (الممتلئ) الذي يركم بعضه على بعض ... والبعض الآخر يشير الى انه (المحمي) بالنار كالتنور مثلاً...
وفي الحالتين فان استخلاص الدلالة او العظة منهما تتمثل بالنسبة‌ الى التفسير الاول وهو (الممتلئ): تفسر جمالياً ودلالياً من حيث كثرته وتماوجه، ومن ثم: فان الذهن يتداعى مع ذلك الى ظاهرته المألوفة والمهمة جدا ونعني بها: ان جعل من الماء كل شئ حي...
لكن: لننتقل الى التفسير الآخر وهو: البحر المحمي بالنار، حيث وردت نصوص تقرر بان البحار في اليوم الآخر تحمى وتتحول نيراناً يتفجر بعضها في البعض الآخر...
هنا: يثار التساؤل من جديد: ما هي العظة او الاستخلاص الذي يرشح به التذكير او القسم بالبحر المسجور؟ ...
لا نعتقد اننا نحتاج الى تأمل طويل لندرك دلالة ما تعنيه العبارة المذكورة.... بيد اننا سنتجاوز الاشارة العلمية الحديثة الى اعماق البحار وصلتها بما هو مسجور، ونتجه الى انعكاسات ذلك في اليوم الآخر، حيث نعرف جميعاً ان النص القرآني الكريم طالما (يقسم) بظواهر اليوم الآخر، ويخلع عليها السمات المرعبة والمهولة من امثال (القارعة) و(الطامة) و(الحاقة)...،مستهدفاً ‌من ذلك لفت الانتباه على اليوم المذكور، وهو اثر يعكس اثره الملحوظ على‌ المتلقي للنص القرآني الكريم، بصفة ان (العقاب) او (الترهيب) يجسد أحد الأساليب المؤثرة في الشخصية من حيث التعديل لسلوكها العبادي...
يبقى‌ ان نتساءل او نطرح سؤالا آخر هو: ما هي المناسبة بين الاشارة الى (النور) و(الكرسي) وبين البحر المسجور؟
هذا من جانب ... من جانب آخر: سنجد بعد جملة فقرات: عبارةً تتصل بظاهرة كونية اخرى هي (الظل والحرور) فيما ورد تفاوت في تفسيرهما ايضاً، حيث يذهب بعضها الى ‌ظل الليل وسموم النهار، ويذهب البعض الآخر الى الجنة والنار، : وفي الحالتين، فان التفسير بانهما الظل والسموم في الليل والنهار: يظل تذكيراً بحكمة الله تعالى في إبداعه لهاتين الظاهرتين: بغض النظر عن ادراكنا المعرفي لهما او عدم ذلك.... واما في حالة الذهاب الى أنهما اشارة الى‌ الجنة ‌والنار (وهو اثر المح المعصوموي عليهم السلام اليه عندما استشهدوا برجال من اهل الجنة وآخرين من اهل النار...
والمهم: ان استخلاص العظة: من هذه العبارة يتفاقم اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الامام الصادق عليه السلام في هذا التذكير الجديد (الظل والحرور) جعل ذهن قارئ، الدعاء يتداعى الى أسلوبي الكلام (الترغيب والترهيب)، فيما اعتمد عليه السلام في عبارة (البحر المسجور) اسلوب الرهبة، اعتمد في عبارة (الظل والحرور) اسلوب (الرغبة) ايضاً: ويكون بذلك قد تدرج عليه السلام- من الزاوية النفسية- من الرهبة اولاً،‌ ثم: ارداها بالرغبة، ولكن من خلال المقارنة بين الجنة والنار، وندبك يكون الدعاء قد سحب أثره البالغ على‌ القارئ : اذا كان - بطبيعة الحال- واعياً لما يقرأ وليس غافلاً....
بعد ذلك نتجه الى (ظواهر كونية) اخرى وردت في مستهل دعاء العهد، وهو مانحدثك عنه في لقاءات لاحقة إن شاء الله تعالى...

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة