إيران، أرضٌ تخبئ في كل زاوية منها حكايةً جديدةً تُثير الدهشة.
في هذه الحلقة من "اكتشف إيران"، نواصل تجوالنا في محافظة گلستان؛ حيث الغابات العتيقة، والشلالات المتدفقة، والينابيع الساحرة، والقرى الهادئة، كلها تحوّل الطبيعة إلى حكايةٍ تُروى.
إذا كنتم مستعدين لخلق صورٍ بالصوت والسفر بخيالكم، فلا تفوّتوا هذه الحكاية.
أهلاً بكم، أيها المتابعون الأعزاء لبودكاست "اكتشف إيران" حيث نواصل ترحالنا في محافظة گلستان؛ أرضٌ لا تُعدّ فيها الطبيعة مجرد منظرٍ طبيعي، بل تجربةٌ حيةٌ آسرة.
في هذه الرحلة، سنكتشف گلستان خطوةً بخطوة، وهي تُظهر وجهاً جديداً في كل فصل؛ من الغابات العتيقة والمنتزهات الوطنية إلى الشلالات والينابيع والقرى التي لا تزال الحياة فيها تنبض على إيقاع الطبيعة.
محافظة تُعتبر من أهم وجهات السياحة البيئية في إيران، لما تتمتع به من مناخٍ منعش، وتنوعٍ نباتيٍّ فريد، ونظامٍ بيئيٍّ استثنائيّ، وهي تستقبل آلافًا من عشاق السفر والباحثين عن الهدوء والسكينة كل عام.
في هذه الحلقة، ننطلق من أقدم حديقة وطنية في إيران؛ نعبر مسارات الغابات والأنهار، ونتوقف عند الشلالات، ونزور القرى الصيفية، لنصل أخيرًا إلى قلب غابات هيركانيا الأسطورية؛ حيث لا يزال عبق التاريخ ينبض في أرجاء الأرض.
إذا كنتم مستعدين لرحلةٍ زاخرةٍ بالألوان والأصوات والهواء النقي، فتابعونا. گلستان أمامنا؛ وطبيعتها بانتظار من يكتشفها.
تُعدّ محافظة گلستان واحدة من أهمّ الوجهات السياحية في إيران، وذلك بفضل مناخها المتنوع، ونباتاتها الخلابة، ومتنزهاتها الطبيعية الشاسعة؛ فهي أرضٌ تستقطب سنوياً أعداداً غفيرة من عشاق الطبيعة والسياح الذين يأتون إليها بحثاً عن السكينة والجمال. تتألق گلستان في كل فصل من فصول السنة، وتدعوكم إلى رحلة ساحرة ومذهلة عبر ألوانها وجمالها المتنوع.
سنبدأ رحلتنا من منتزه گلستان الوطني، أقدم منتزه وطني مُسجّل في إيران، والواقع شرق محافظة گلستان . يمتدّ هذا المنتزه على مساحة تقارب 900 كيلومتر مربع، ويُعدّ من أغنى النظم البيئية في البلاد، إذ يضمّ أكثر من 1350 نوعاً من النباتات و302 نوعاً من الحيوانات؛ أي ما يُعادل نصف أنواع الثدييات في إيران تقريباً. وقد أدّى هذا التنوّع البيولوجي الفريد إلى إدراج منتزه گلستان الوطني كمحمية للمحيط الحيوي على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
تتيح لك المناظر الطبيعية البكر والهواء النقي والأجواء الساحرة في هذه الحديقة قضاء ساعات في أحضان الطبيعة، لتنعم بسكينة عميقة ونادرة. إلا أن اتساع معالم گلستان الطبيعية يفوق الوصف، ووقتنا محدود.
لذا نواصل رحلتنا متجهين إلى غابة توسكستان، التي تبعد حوالي 40 كيلومترًا جنوب شرق مقاطعة گرگان ؛ غابة وارفة بشلالاتها وينابيعها الصافية، تُشكل في أيام الصيف الحارة، بمياهها الباردة وهوائها المنعش، ملاذًا مريحًا للناس والسياح الباحثين عن الدفء.
في قلب هذه الغابة يقع خان قزلق، الذي يعود تاريخه إلى العصر الإسلامي. يُعد هذا الخان مثالًا على الخانات الجبلية المبنية بمواد مثل الحجر والجص والجير والملاط. يتميز هذا المبنى المسقوف بتصميمه المستطيل الموجه من الشمال إلى الجنوب.
تُعد غابة توسكستان واحدة من أجمل مناطق گلستان بمساراتها المتعرجة ومناظرها الخلابة، وخاصة في فصل الخريف بألوانها المتنوعة.
من المعالم الطبيعية الأخرى في محافظة گلستان بإيران، منتزه غابة النگدره، منتزه يمتد على مساحة 185 كيلومترًا مربعًا تقريبًا، ويتميز بمناظر طبيعية فريدة، وقد حظي باعتراف دولي واعتُبر من بين سبع مناطق سياحية نموذجية في البلاد، فضلاً عن كونه المنتزه الغابي الرئيسي في شمال إيران.
ومن أبرز ما يميز النگدره هو مناخها المعتدل خلال فصلي الصيف والشتاء؛ إذ تقل درجة حرارة هذه الغابة عن المناطق الحضرية المحيطة بها بعشر درجات على الأقل، مما يجعلها ملاذًا منعشًا في الأيام الحارة.
على سفوح هذه الغابة الوارفة، تنتشر نباتات متنوعة وخلابة، وتجري بجانبها أنهار وينابيع صافية تزيد من انتعاش المكان. ينبع نهر قلاشي من جنوب المنتزه ويمتد شمالًا، مارًا تقريبًا في منتصف ألنگدره. وبالقرب من هذا النهر، توجد ثلاثة ينابيع جعلت من هذا المنتزه واحدًا من أشهر وجهات السياحة الطبيعية في گلستان إلى جانب مناخه المعتدل والأجنحة والمرافق المتنوعة فيه.
إلى جانب كل هذه المعالم السياحية، ربما لا شيء يُنعش روحك ويُجدد نشاطك مثل نزهة هادئة عبر غابات شمال إيران الخضراء الكثيفة؛ خاصةً عندما يكون المسار مُصمماً خصيصاً للمشي لمسافات طويلة، وتتغير المناظر الطبيعية أمامك لحظةً بلحظة بألوان وأضواء جديدة. في ألنگدره، يربط ممرٌ غابيٌّ أرجاء الحديقة بأكملها، مُتيحاً فرصة الاستمتاع بالمناظر الخلابة والتنزه؛ بالإضافة إلى ذلك، تم بناء ممر خشبي خاص في قلب الغابة لتعزيز جمال المكان وضمان سلامة المارة.
هل تتذكرون ما قلناه عن سحر طبيعة محافظة گلستان ؟ من مظاهر هذا السحر أيضاً، حديقة نهارخوران الغابية، التي تقع على بُعد حوالي خمسة كيلومترات جنوب مدينة گرگان، ولطالما كانت وجهةً مفضلةً ليس فقط لسكان المدينة، بل أيضاً للمسافرين براً إلى مدينة مشهد المقدسة. يتوقف العديد من هؤلاء المسافرين لمدة ساعة في نهارخوران ليستريحوا في جوها المعتدل اللطيف، ويُخففوا من تعب السفر.
مع مرور الوقت وتوسع مدينة گرگان، لا سيما في العقدين الماضيين، تحولت المسافة بين مركز المدينة ونهارخوران تدريجيًا إلى شارع عام حيوي، يُعد اليوم أحد الشوارع الرئيسية في گرگان ويُعرف باسم " جاده نهارخوران". وقد أصبح هذا الطريق نفسه متنفسًا للمشي والتنزه وقضاء أوقات ممتعة، وربط المدينة بالغابة بروابط طبيعية.
في قلب منتزه غابة نهارخوران، وُفرت مرافق متنوعة لراحة السياح، من أكشاك وأماكن لإقامة الخيم إلى مطاعم ومتاجر وخدمات مختلفة تجعل الإقامة القصيرة أو الطويلة في هذه الغابة أكثر متعة. وبفضل هذا المزيج من الطبيعة الخلابة وسهولة الوصول، أصبحت نهارخوران واحدة من أشهر المنتجعات وأكثرها شعبية في محافظة گلستان.
بعد استكشاف الغابات، حان الوقت الآن للتوجه إلى أحد أكثر المعالم الطبيعية أهمية في گلستان ؛ و هو شلالات وادي تل أنبار، بالقرب من قرية زيارت. تتمتع قرية زيارت، الواقعة على بُعد حوالي 17 كيلومترًا جنوب گرگان، بإمكانيات سياحية هائلة بفضل طبيعتها البكر ومناظرها الطبيعية المتنوعة، وقد جذبت أنظار عشاق الطبيعة لسنوات.
يضم وادي تل أنبار مجموعة رائعة من 53 شلالًا يتراوح ارتفاعها بين مترين و40 مترًا، منها 20 شلالًا يزيد ارتفاعها عن 10 أمتار. زيارة هذا الوادي ليست مجرد مشاهدة عابرة، بل تتطلب مهارات فنية ومعدات تسلق متخصصة، إذ لا يمكن اجتياز 25 شلالًا إلا باستخدام الحبال.
يُعد فصل الصيف أفضل وقت لاستكشاف هذا الوادي، شريطة دراسة الأحوال الجوية في المنطقة بدقة وإتقان تقنيات التسلق. من الجدير بالذكر أنه بعد النزول من الشلال الأول، يصبح المسار باتجاه واحد ولا عودة. يتدفق نهر هادر ذو جدران عالية كقناة متدفقة عبر قلب الوادي، وفي النهاية، ينتهي هذا المسار الخلاب عند شلال زيارت في گرگان.
شلال تل أنبار ليس المعلم المائي الوحيد في گلستان . ففي ركن آخر من هذه المحافظة، يقع شلال لوه، على بُعد 20 كيلومترًا شرق مدينة گاليكش ، ليُشكّل أحد أجمل المناظر الطبيعية في المنطقة.
يتميز هذا الشلال المتدرج، بطبقاته المتعددة التي تتدفق منها المياه إلى الطبقة السفلى، بمشهد خلاب يبعث على الاسترخاء. يقع شلال لوه في قلب غابات هيركانيا الكثيفة، وقد جعل مزيج الأشجار الوارفة وهدوء الغابة وخرير المياه المتدفقة منه وجهة سياحية طبيعية شهيرة في گلستان . يبلغ ارتفاع هذا الشلال حوالي 15 مترًا، وتجذب برك مياهه الباردة الصافية العديد من السياح في أيام الصيف الحارة.
ومن المعالم الطبيعية الرائعة الأخرى في محافظة گلستان شلال كبودوال المُغطى بالطحالب؛ وهو عبارة عن مجمع
فريد يقع في وادٍ خلّاب وعميق نسبيًا ، في قلب غابة كبودوال الكثيفة والساحرة. يقع هذا الشلال على بُعد 5 كيلومترات جنوب علي آباد كتول، وقد أصبح لسنواتٍ عديدة أحد أكثر المعالم الطبيعية زيارةً في المنطقة.
يُعرف شلال كبودوال بأنه المجمع الوحيد للشلالات في العالم المُكوّن بالكامل من الطحالب ؛ وهي ميزة فريدة، إلى جانب مسار المشي الرائع والمناخ اللطيف والمنعش، جعلته وجهةً شهيرةً لعشاق الطبيعة والباحثين عن الهدوء والجمال الطبيعي الخالص.
إذا كنت من هواة مشاهدة البحر والأنهار والشلالات، فستستمتع بلا شك بزيارة ينابيع المياه. في محافظة گلستان نفسها، تقع إحدى عجائب الدنيا الطبيعية: زهرة راميان؛ أعمق ينبوع مياه باردة في العالم.
يقع هذا الينبوع عند الكيلومتر الخامس من طريق راميان-شاهرود، وتبلغ مساحته الطبيعية حوالي 90 × 80 مترًا وعمقه قرابة 80 مترًا؛ وهو من الجمال بحيث يُطلق عليه اسم "ممر الجنة".
زهرة راميان أشبه ببركة طبيعية كبيرة أو بحيرة صغيرة منها ينبوع. يطلّ هذا المكان على الجبال والغابات من جهة، وعلى الحقول الزراعية من جهة أخرى. وقد أدت مياهه الصافية ذات اللون الأخضر الزمردي، وسط الغابات الكثيفة، ليكون موقعاً مثالياً لعشاق الطبيعة والمصورين.
من هذه النقطة، يُمكن رؤية جبل قلعة موران، الذي كان العاصمة الصيفية للأشكانيين وحصنًا هامًا خلال العصر السلوقي.عند سفح هذا الجبل تقع منطقة أترك تشال، وهي موطنٌ قيّم يُعرف بأنه المحمية الوحيدة لأشجار الطقسوس أو الزرنب في العالم، مما يُضفي على هذه المنطقة أهمية طبيعية وتاريخية.
لكن من أبرز معالم السياحة البيئية في محافظة گلستان، كغيرها من المناطق الشمالية في إيران، وجود قرى جميلة، لا سيما في قلب غاباتها البكر والخلابة.
تُعدّ قرى گلستان الصيفية من أجمل معالم السياحة البيئية في هذه المنطقة من إيران. تتمتع هذه القرى، بفضل مناظرها الطبيعية الخلابة وإطلالتها على سهول المحافظة، بطبيعة ساحرة ومناخ معتدل، كما تُتيح غاباتها وجبالها وصخورها فرصًا مثالية للسياحة الطبيعية والاستجمامية.
يتميز مناخ هذه القرى بأنه ملائم جدًا في الصيف، ومدينة گرگان ليست استثناءً، حيث توجد قرى جميلة مجاورة تستقبل عشاق الحياة الريفية والطبيعة.
أما قرية زيارت، فهي تجسيدٌ لجمال الطبيعة من نوعٍ مختلف. تقع هذه القرية على بُعد 12 كيلومترًا جنوب گرگان ، وتتمتع بمناخٍ معتدلٍ ورطب. تُعدّ ضفاف الأنهار والجبال والوديان والنباتات والحياة البرية من بين المعالم الطبيعية المحيطة بالقرية، بينما يُعدّ المسجد القديم ومزار السيد عبد الله من بين معالمها الدينية والسياحية .
يتميز طراز المنازل الريفية في قرية زيارت بجماله وروعة تصميمها. أسقفها القرميدية، وتصميمها الداخلي والخارجي، كلها عناصرٌ رائعةٌ وملفتةٌ للنظر. ومن أبرز سمات قرية زيارت أن فناء المنزل مشتركٌ مع الممر. وهذا يعني أن المساحة المفتوحة الخاصة بالمنازل هي نفسها ممرات القرية، والتي تضمّ داخلها موقدًا وحنفية ماء وحوض للغسل ومخزنا.
يعيش ما يقارب نصف سكان محافظة گلستان في القرى، وخلال جولتنا في هذه المحافظة، نشاهد قرى جميلة أخرى حيث ينعم أهلها بحياة هادئة وهانئة. تُعد قرية وامنان مثالًا على هذه القرى؛ فهي تقع في مقاطعة آزادشهر شرق محافظة گلستان ، وتجذب السياح بمناخها المنعش.
وقد أضفت غابة شانوين الخلابة شمال القرية سحرًا خاصًا على المنطقة. تتميز وامنان بشلالات دائمة وغزيرة في الغابات المحيطة بها. إضافةً إلى ذلك، تُعرف وامنان بقرية الأعشاب الطبية نظرًا لإنتاجها أنواعًا مختلفة من الأدوية العشبية.
في غرب محافظة گلستان، يمكنكم أيضًا الاستمتاع بجمال الحياة الريفية. مدينة كردكوي، الواقعة غرب محافظة گلستان ، وتسكنها القومية الطبرية ويتحدثون اللغة الطبرية.
تزخر هذه المنطقة العريقة بالعديد من المعالم التاريخية التي تُعد، إلى جانب معالمها الطبيعية، وجهة سياحية شهيرة. تقع محمية جهان نما الطبيعية، التي تمتد على مساحة مئات الهكتارات، بالقرب من هذه المدينة، وتتميز بمناظرها الجبلية الخلابة، وأنهارها، وينابيعها، وسهولها المزهرة. ولا شك أن جولة في قرية جهان نما الصيفية، بطبيعتها البكر وتنوعها النباتي والحيواني، ستمنح عشاق الطبيعة تجربة فريدة من نوعها.
أصدقائي الأعزاء، في هذه الحلقة من بودكاست "اكتشف إيران"، جلسنا معًا لنستمتع بجمال الطبيعة الخلابة في محافظة گلستان، وفي ختام هذه الرحلة الخضراء، لا يسعنا إلا أن نتأمل في غابات هيركانيا الساحرة.
تُعتبر هذه الغابات من أقدم النظم البيئية في العالم، وبمساحاتها الخضراء الشاسعة ومناظرها الطبيعية الخلابة، تُقدم صورة فريدة للطبيعة البكر في شمال إيران لعشاق الطبيعة في گلستان .
تمتد غابات هيركانيا كشريط أخضر متصل من سهول گرگان إلى أجزاء من أذربيجان. ويُذكر أن اسم هذه الغابات مستوحى من الاسم القديم لگرگان اي "هيركان". تمتد هذه المنطقة على الشاطئ الجنوبي لبحر قزوين والمنحدرات الشمالية لجبال البرز، وتأسر كل من يراها بتنوعها البيولوجي الفريد، وأنواعها النادرة من النباتات والحيوانات المحلية، وجمالها الطبيعي الأخاذ.
تُعرف غابات هيركانيا أيضًا باسم "الأحفوريات الحية" أو "المتاحف الطبيعية" نظرًا لقدم العديد من أنواع النباتات فيها. تُشير الأبحاث العلمية إلى أن الجذور التاريخية لهذا النظام البيئي تعود إلى العصر الجوراسي وعصر الديناصورات.
أهمية هذا التاريخ العريق تتضح عندما نعلم أنه خلال العصور الجليدية، اختفت تقريبًا جميع الغابات في العالم، ولم تنجُ من هذا التحول العظيم سوى غابات هيركانيا في شمال إيران. ولهذا السبب، تُلقب غابات هيركانيا بـ"أم الغابات الشابة في أوروبا وأمريكا الشمالية".
تقف غابات هيركانيا، هذه الأعجوبة الخضراء في إيران، عند ملتقى الجبل والبحر؛ مرآة حية لتاريخ الأرض وطبيعتها البكر. في عصرٍ تتراجع فيه العديد من عجائب العالم الطبيعية، تنبض هذه الغابات ككنز ثمين في قلب جبال البرز، لتُذكرنا بمسؤوليتنا تجاه الحفاظ على تراثنا الطبيعي.
عندما نتحدث عن غابات هيركانيا، فإننا في الواقع نشير إلى واحدة من أقدم النظم البيئية الحية على وجه الأرض؛ غابات يعود تاريخها إلى أكثر من 40 مليون سنة، عندما كانت الديناصورات تحكم الأرض ولم يكن هناك أي أثر للحضارة البشرية.
بفضل هذا الصمود، اشتهرت غابات هيركانيا بـ"المتحف الحي للتاريخ الطبيعي". ولا تزال أنواعٌ من الأشجار، كالأنجليكا والزان والطقسوس والعرعر، تنمو في هذه الغابات، بعضها يعود تاريخه إلى عصور ما قبل التاريخ.
في الواقع، لا يُعدّ عمر غابات هيركانيا سمةً طبيعيةً فحسب، بل هو أيضاً هويةٌ ثقافيةٌ لإيران أبهرت العالم، وأدت إلى إدراجها ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو.
تقع هذه الغابات في ثلاث محافظاتٍ خصبةٍ هي: گلستان، ومازندران، وگيلان، وتمتد من أستارا في أقصى غرب گيلان إلى گليداغ في شرق محافظة گلستان.
تبلغ المساحة الإجمالية لهذا النظام البيئي الفريد حوالي 850 كيلومتراً طولاً، ويتراوح عرضه بين 20 و70 كيلومتراً، ليغطي مساحةً تقارب مليوني هكتار. أي ما يعادل 7% من مساحة إيران، لكنها تتميز بتنوعٍ بيولوجيٍّ مذهلٍ لا مثيل له في أي مكانٍ آخر في البلاد.
إلى جانب الأشجار، ساهم تنوع النباتات العشبية والشجيرات والنباتات الزاحفة في جعل هذه الغابات أشبه بمختبر طبيعي حي، ومكانًا لأبحاث علماء النبات والبيئة من جميع أنحاء العالم. وقد دفع هذا التنوع الكبير العديد من عشاق الطبيعة إلى زيارة هذه الغابات في رحلات محلية ودولية، ليشاهدوا بأنفسهم أجمل غابات إيران وأكثرها خضرة.
لا تُعد غابات هيركانيا موطنًا للنباتات النادرة فحسب، بل هي أيضًا ملاذ آمن لمئات الأنواع الحيوانية؛ من الطيور الملونة إلى الثدييات الكبيرة والزواحف الخجولة. ويشير وجود هذا التنوع في الأنواع الحيوانية إلى نظام بيئي متوازن وحي ومستدام استمر لملايين السنين.
في عالم تتفاقم فيه الأضرار البيئية وتغير المناخ يومًا بعد يوم، يمكن أن تكون غابات هيركانيا في إيران نموذجًا فريدًا للتنمية المستدامة والتعايش الواعي مع الطبيعة. هذه المساحة الخضراء، بتاريخها العريق، ليست مجرد إرث من ماضينا، بل هي أيضًا أمل للمستقبل.
أصدقاء برنامج "اكتشف إيران" الأعزاء، في هذه الحلقة، تنفسنا معًا في أحضان طبيعة محافظة گلستان ؛ مررنا بالغابات والشلالات، وتوقفنا عند الينابيع، وزرنا القرى، وأخيرًا، وقفنا في ظلال غابات هيركانيا العريقة؛ حيث لا تزال الطبيعة تتحدث بلغتها التي تعود لملايين السنين.
لكن هذه ليست نهاية رحلتنا إلى گلستان. في الحلقة القادمة، سنواصل هذه المحافظة لنكتشف معًا زوايا جديدة من عجائبها ومعالمها السياحية وقصصها الخفية؛ جولة أخرى، بنظرة أعمق ومسار جديد.
إذا استمتعتم بهذه الرحلة، يسعدنا سماع آرائكم تفضلوا بزيارة موقعنا الإلكتروني Arabicradio.ir ومواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بنا، واكتبوا لنا تعليقاتكم واقتراحاتكم، وشاركوا هذه الرحلة الصوتية مع أصدقائكم؛ لأن "اكتشف إيران" يصبح ذا معنى بوجودكم ومشاركتكم...
إلى أن نلتقي مجددًا في رحلة أخرى إلى قلب إيران الحبيبة، وداعا..