مع اقتراب أيام تشييع جثمان قائد الثورة الشهيد الإمام الخامنئي، أُعِدَّ هذا البودكاست في خمسة أجزاء بهدف التعريف بأبعاده الفكرية والأخلاقية والروحية والحضارية، وبيان دوره في تشكيل خطاب العدالة والمقاومة والقيم المعنوية والمسؤولية في العالم المعاصر، ولا سيما من خلال نظرة الآخرين إليه .
أحياناً، لا يتطلب التعرف إلى شخصية عظيمة أن نبدأ من مناصبها الرسمية أو خطاباتها أو قراراتها التاريخية ، بل يكفي أن نعود خطوة إلى الوراء ؛ إلى ما قبل الشهرة، وما قبل السلطة، بل حتى قبل أن يُدوَّن اسمها في ذاكرة أمة بأكملها.
علينا أن ننظر إلى الإنسان الكامن خلف ذلك الاسم.
فكل شخصية مؤثرة، وقبل أن تؤدي دوراً عاماً، ينبغي أن تكون قد قطعت مسيرة إنسانية تشكلت خلالها قناعاتها، وتهذبت روحها، وتبلورت رؤيتها التي ستؤثر لاحقاً في الآخرين.
وفيما يتعلق بـ «القائد الشهيد» للجمهورية الإسلامية في إيران، فإن الاكتفاء بالنظر إلى المناصب والمسؤوليات لا يكشف إلا جانباً من الحكاية. أما ما جعله مصدر إلهام لكثير من الناس، فكان، قبل كل شيء نظرته إلى الإنسان، وإلى الإيمان وإلى المسؤولية.
لقد كان – رحمه الله - قبل أن يصبح شخصية معروفة، تلميذاً في مدرسة فكرية لم تكن تنظر إلى الإنسان باعتباره كائناً غارقاً في تفاصيل الحياة اليومية فحسب، بل باعتباره موجوداً قادراً على النمو والتزكية والتأثير في الآخرين.
ومن هذه الرؤية تشكلت شخصيته شيئاً فشيئاً، حتى أصبح في نظر كثيرين ، أباً روحياً ومربّياً للإنسان ، وليس مجرد قائد أو مدير .
وفي هذا البرنامج، لن نكتفي بسرد الأحداث والوقائع، بل سنحاول التعمق أكثر في الجذور الفكرية والتربوية والأخلاقية، وفي المسار الذي حوّل إنساناً عادياً إلى شخصية استطاعت أن تترك بصمتها في القلوب.
ولعل السؤال الجوهري الذي يرافقنا في هذه الرحلة هو:
"ما الذي يجعل حضور إنسان ما يتجاوز حدود زمانه، ويكتسب معنى يتخطى عصره؟"
من هنا ، من الإنسان الذي كان قبل كل شيء صاحب عقيدة ومسيرة، تبدأ روايتنا.
فكونوا معنا ....
للإجابة عن السؤال السابق، لا بد أن نعود إلى سنوات بعيدة، إلى مدينة كانت على مدى قرون إحدى أهم حواضر الثقافة والروحانية في إيران ؛ ففي عام 1939م، وفي مدينة مشهد، أبصر النور طفلٌ في أسرة دينية متواضعة، سيعرفه العالم لاحقاً باسم آية الله السيد علي الخامنئي .
كان والده، حجة الإسلام السيد جواد خامنئي، من علماء الدين في مشهد ، وكان رجلاً عاش حياة بسيطة ، شأنه شأن كثير من علماء ذلك العصر. وكانت أجواء المنزل مشبعة بالقرآن الكريم، والعلم الديني، والقيم الأخلاقية. وهناك، في ذلك البيت، تشكلت أولى ملامح رؤيته للحياة؛ رؤيةٍ لم تكن تفصل بين المعرفة والإيمان والمسؤولية الاجتماعية.
ومنذ سنوات شبابه الأولى، بدأ طريقه في دراسة العلوم الدينية، أولاً في مشهد، ثم في الحوزات العلمية الكبرى، حيث تتلمذ على أيدي عدد من كبار العلماء الذين أسهموا في تشكيل أفقه الفكري. ومن بين هؤلاء العلماء، برزت أسماء مثل آية الله البروجردي، والعلامة الطباطبائي، وبخاصة الإمام الخميني رحمه الله .
ولم تكن التلمذة في مدرسة الإمام الخميني مجرد علاقة تعليمية بالنسبة إلى طلاب تلك المرحلة، بل كانت تربية فكرية وروحية متكاملة ؛ ففي تلك المدرسة، لم يكن الدين يُنظر إليه على أنه مجموعة من التعاليم النظرية فحسب، بل باعتباره طريقاً لبناء الإنسان وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع . وقد تركت هذه التجربة أثراً عميقاً في تكوين رؤيته الاجتماعية والاستراتيجية .
أحبّتنا المستمعين!
إلى جانب مسيرة القائد الشهيد العلمية، أخذت خصاله الأخلاقية تتجلى شيئاً فشيئاً لمن عرفوه عن قرب؛ من بساطة العيش، وطيب المعاملة، والالتزام العميق بالعبادة والحياة الروحية. وكثير ممن عاشروه لسنوات طويلة يذكرون هذه الصفات، ويتحدثون عن شخصية لم تستبدل الأخلاق والتواضع بالنفوذ والمسؤولية.
وكان تعلقه العميق بالقرآن الكريم من أبرز سماته ؛ فحتى في الفترات التي شهدت فيها الحياة العامة ابتعاداً عن المعارف الدينية ، سعى إلى تقديم القرآن لا بوصفه كتاباً للتلاوة فحسب ، بل باعتباره مصدراً لفهم الحياة وهداية الإنسان . وقد شكلت جلسات التفسير وحواراته مع الشباب نافذة جديدة لكثير منهم نحو فهم أعمق للدين.
ومن هذا المزيج المتكامل من العلم والأخلاق والرؤية التربوية للإنسان، تشكلت شخصيته تدريجياً، بحيث لم يعد يُنظَر إليه من خلال موقعه الرسمي فقط .
فبالنسبة إلى كثيرين ممن عرفوه ، لم يكن مجرد عالم أو مسؤول، بل إنساناً يسعى إلى مرافقة الآخرين في طريق النمو الفكري والروحي .
ولعل هذا هو السبب الذي يؤدّي بنا إلى أن نفهم السبب الذي يجعل الحديث عن «بناء الإنسان» يحتل مكانة خاصة في مسيرة حياته؛ إذ إن أبرز ما يميز شخصيته، قبل أي دور أو مسؤولية ، هو ذلك السعي الدائم إلى تربية الإنسان وإيقاظ الطاقات الكامنة في داخله.
غير أن هذه الصورة عن شخصيته لا تقتصر على رؤية أتباعه ومحبيه فحسب ؛ فإحدى العلامات البارزة على تأثير أي شخصية ذات بعد روحي هي قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، بل وحتى الحواجز الدينية.
وعندما يتحدث قادة دينيون على المستوى العالمي عن شخصية ما، فإن ما يبرز في كلماتهم ليس النفوذ السياسي فحسب ، بل المكانة الأخلاقية، والثقل المعنوي، ونوعاً من الهيبة المستندة إلى القيم الإنسانية.
وفي السنوات الأخيرة ، أشار عدد من الشخصيات الدينية والفكرية خارج إيران إلى الجوانب الأخلاقية والروحية في شخصية سماحة آية الله العظمى الخامنئي . وفي إحدى هذه المناسبات، عبّر البابا فرنسيس، في معرض رده على رسالة قائد الثورة، عن احترامه له ، مؤكداً أن « ما يقوله قائد الثورة الإسلامية يحظى بقبولنا أيضاً».
وهي عبارة تعكس - بعيداً عن الاختلافات العقائدية والفكرية - أن بعض مواقفه الإنسانية والأخلاقية كانت مفهومة ومحترمة لدى شرائح من المتلقين خارج إيران.
وتكمن أهمية ذلك في أن مثل هذا التقدير لا يتحقق عادة عبر السياسة، وإنما ينبع من شخصية قائمة على الصدق والثبات والتمسك بالمبادئ. فعندما يجد مرجع ديني في العالم المسيحي أن مواقف قائد مسلم في الدفاع عن العدالة والمظلومين تستحق الاحترام، فإنه في الواقع يشير إلى بعد مهم من أبعاد شخصيته ؛ بعدٍ يتجاوز حدود الأنظمة السياسية ليقترب من اللغة المشتركة للأخلاق الإنسانية.
وهنا تتضح صورة القائد الشهيد بالنسبة إلى المتلقي العالمي؛ فهو لا يُنظَر إليه بوصفه قائداً سياسياً فحسب، بل باعتباره شخصية تؤكد في خطابها وسلوكها على قيم العدالة، وكرامة الإنسان، والمسؤولية تجاه المظلومين .
وإذا أردنا أن نوضح أحد أبرز جوانب شخصيته لغير الإيرانيين، فيمكن القول إن جانباً مهماً من مكانته نابع من قدرته على الجمع بين الإيمان والأخلاق والعمل الاجتماعي ، وهو ترابط بدا واضحاً أنه محط احترام حتى لدى بعض الشخصيات الدينية خارج العالم الإسلامي. وهذا بدوره يؤكد أن شخصيته لا يمكن اختزالها في إطار منصب رسمي ؛ إذ إن تأثيره، قبل أن يكون سياسياً، هو تأثير أخلاقي وروحي.
ومن هذا النفوذ الأخلاقي، ومن تلك النظرة الأبوية، انطلقت رسالته لتتجاوز الحدود، وتصل إلى جمهور جديد، ولا سيما من الشباب في مختلف أنحاء العالم ؛ أولئك الذين يبحثون، بعيداً عن ضجيج الإعلام، عن الحقيقة والقيم الإنسانية العميقة.
عندما نتأمل في طريقة تواصل القائد الشهيد مع الرأي العام العالمي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة قلّ نظيرها بين كبار القادة في العالم . ففي الوقت الذي بلغت فيه موجات التشويه وسوء الفهم تجاه الإسلام في الغرب ذروتها، اختار نهجاً مختلفاً، بعيداً عن البيانات الدبلوماسية التقليدية والأدوات السياسية المعتادة .
لقد توجه مباشرة إلى الشباب في أوروبا وأمريكا الشمالية، وكتب إليهم رسائل مفتوحة. ولم تكن تلك الرسائل بياناً سياسياً، بل كانت دعوة صادقة وعقلانية إلى البحث عن الحقيقة بعيداً عن الصور النمطية التي تصنعها وسائل الإعلام . دعا فيها الشباب إلى التفكير المستقل، وإلى الرجوع المباشر إلى المصادر الأصلية للفكر الإسلامي.
وقد حظيت هذه الرسائل باهتمام واسع في الأوساط الإعلامية والفكرية، لأن المتلقين وجدوا فيها خطاباً يقوم على العقل، والاحترام المتبادل، والحوار، بدلاً من لغة المواجهة والصدام . وهذه هي صورة «الأب الروحي» الذي يوجّه الشباب، بصدق وإخلاص، نحو المعرفة والحقيقة، بعيداً عن المصالح السياسية العابرة.
غير أن هذا التأثير الروحي تجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات المذهبية، حيث أثمرت رؤيته الوحدوية ومساعيه الدؤوبة في ترسيخ التقارب بين المسلمين ، حتى في المناطق التي عانت طويلاً من التوترات والانقسامات المذهبية.
ولعل مدينة (لَكْنُو) التاريخية في الهند تقدم مثالاً لافتاً على ذلك ؛ فهذه المدينة التي شهدت في مراحل مختلفة من تاريخها المعاصر صراعات مذهبية دامية، طرأ عليها في مناسبة المولد النبوي الشريف تحولٌ غير مسبوق ؛ ففي الثاني عشر من ربيع الأول، لم تكن شعارات الفرقة والانقسام هي التي تملأ الشوارع ، بل انتشرت صور قائد إيران التي رفعتها جماعات من أهل السنة في المدينة، وقد كُتب عليها: ؛ لقد قبلنا به قائداً لنا " .
ولم يكن هذا المشهد مجرد تعبير سياسي، بل كان انعكاساً لتقدير أخلاقي وإنساني نابع من مواقفه الثابتة في الدفاع عن المظلومين . ففي الوقت الذي اختار فيه كثيرون الصمت، رأى بعض الشباب من أهل السنة، بل وحتى بعض الباحثين عن الحقيقة من غير المسلمين ، فيه رمزاً أخلاقياً للمقاومة في عالم اليوم.
ومن اللافت أن المدينة نفسها التي كانت يوماً مسرحاً للنزاعات المذهبية، أصبحت بفضل هذا النهج الوحدوي رمزاً للتلاقي بين القلوب الباحثة عن العدالة والحرية، متجاوزةً الفوارق والانقسامات.
وهذا هو النفوذ الناعم الحقيقي ، وذلك التأثير الذي يتجاوز المؤسسات الرسمية ليصل إلى أعماق النفوس المتعطشة إلى الحقيقة . فالمجتمعات التي تتطلع إلى العدالة والقيم المعنوية تمنح مكانة خاصة للشخصيات القادرة على مخاطبة القيم الإنسانية المشتركة، متجاوزةً الحدود الجغرافية والانتماءات المذهبية.
وعندئذ، لا يعود الإنسان مجرد قائد سياسي، بل يتحول إلى مرجعية معنوية لتجد كلماته طريقها إلى القلوب لأنها تستمد قوتها من الأخلاق، والفكر، والالتزام الإنساني .
أيّها الأفاضل !
لم يكن ذلك الاهتمام بالإنسان من قبل القائد الشهيد مجرد رؤية فكرية، بل كان نهجاً تجسد في مختلف مراحل حياته . ولعلّ من يتأمل هذه المسيرة من الخارج ، يندهش حينما يرى كيف استطاع رجل بلغ أعلى مراتب المسؤولية أن يحتفظ ببساطة أيامه الأولى، وبصفاء حياته المتواضعة. إن هذا الثبات في الشخصية يمثل جوهرة نادرة في عالم السياسة المتغير .
لقد علّمنا أن القيادة ، قبل أن تكون إدارة للجغرافيا، هي قيادة للقلوب، وأن هذا النوع من القيادة لا يتحقق إلا بالصدق، والتواضع، والمحبة الصادقة للإنسان.
فعندما كان – رحمه الله - يجلس مع الشباب والطلاب ، بل وحتى مع الأطفال، لم يكن يتحدث من موقع المسؤول الرسمي فحسب ، بل كان يتصرف كمربٍّ محب، يصغي إلى الأسئلة، ويجيب عنها بمنطق العقل ودفء العاطفة .
وهذا هو المعنى الحقيقي لصناعة الإنسان؛ أي الإيمان بأن في داخل كل فرد طاقاتٍ لا حدود لها، وأن مهمة القائد الروحي هي إيقاظ هذه الطاقات، وفتح الطريق أمام نموها وازدهارها.
في ختام هذا الجزء من الرواية، يمكن القول إن قصة «القائد الشهيد» هي قصة انتصار المبادئ على المصالح العابرة؛ إنها قصة تبيّن كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على بوصلته الأخلاقية وسط العواصف السياسية، وكيف يستطيع أن يتجاوز حدود ذاته ليصبح صوتاً للمظلومين، ومنارة للباحثين عن الحقيقة.
شكراً جزيلاً لكم على مرافقتكم لنا.
وفي الحلقة القادمة، سنتابع معاً كيف تحولت هذه الأسس الفكرية والأخلاقية إلى قوة فاعلة خلال سنوات النضال العصيبة، وكيف أصبح إنسان واحد ركناً ثابتاً في مشروع حضاري كبير.
حتى نلتقيكم من جديد
في أمان الله