ويُعدّ خواجه نصير الدين الطوسي فيلسوفاً ومتكلماً وفقيهاً ورياضياً وفلكياً ومهندساً موسوعياً، تجاوزت إنجازاته حدود الجغرافيا والتاريخ، وأسهمت في صون الهوية العلمية والحضارية لإيران والعالم الإسلامي. وقد أُطلق على يوم مولده، الخامس من اسفند، في إيران «يوم المهندس» تخليدًا لمكانته الرائدة في إرساء أسس العلوم الهندسية والرياضية.
وُلد الطوسي عام 579 هـ ش (1201م) في مدينة توس الإيرانية، في أسرة علمية عريقة. تلقى علومه الأولى على يد والده، العالم الشيخ وجيه الدين محمد بن حسن، ثم واصل تحصيله في نيشابور والري وقم وأصفهان، قبل أن يشد الرحال إلى الموصل وبغداد. هذا المسار العلمي الواسع أسهم في تكوين شخصيته الجامعة التي جمعت بين العقل الفلسفي والدقة العلمية والالتزام الديني.
مع اجتياح المغول للأراضي الإسلامية، دخلت إيران مرحلة عصيبة. وقد لجأ الطوسي إلى قلاع ألموت، حيث أمضى سنوات طويلة في ظروف قاسية، غير أن المحن لم تثنه عن مواصلة التأليف والبحث العلمي. وعقب دخول هولاكو خان إلى إيران، لعب الطوسي دورًا محوريًا في حماية الأرواح وصون التراث العلمي، وساهم بحكمته وتدبيره في تجنيب البلاد مزيدًا من الدمار.
وقد أشار الإمام روحالله خميني إلى هذه المرحلة بقوله إن خواجه نصير لم يدخل تلك الأجهزة طلبًا للمنصب، بل لتقويمها وتهذيبها، في إشارة إلى دوره الإصلاحي في كبح جماح العنف وتحويل التهديد إلى فرصة لخدمة العلم والاستقرار.
يُعدّ الطوسي من رواد تأسيس علم المثلثات كعلم مستقل عن الهندسة، وهو إنجاز ترك أثرًا بالغًا في تطور الرياضيات عالميًا. كما أنشأ مرصد مراغة في شمال غرب إيران، الذي تحول إلى أكبر مركز علمي في عصره، وضَمّ مكتبة ضخمة كانت من أعظم خزائن المعرفة آنذاك.
وفي مجال الأخلاق والفلسفة العملية، ألّف كتاب «أخلاق ناصري» الذي جمع فيه بين الفلسفة والعقيدة والشريعة، مقدّمًا رؤية متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع على أساس القيم الإلهية والعقلانية.
وقد تتلمذ على يديه كبار علماء الأمة، من بينهم علامه حلي وقطبالدين شيرازي، الذين أسهموا بدورهم في ترسيخ دعائم الحضارة الإسلامية.
لم يقتصر التكريم على الداخل الإيراني، بل امتد إلى الساحة الدولية؛ إذ أُطلق اسم «نصير الدين» على إحدى فوهات القمر، كما سُمّي الكويكب رقم 10269 باسمه، اعترافًا بإسهاماته العلمية الرائدة.
إن الخامس من اسفند ليس مجرد ذكرى ميلاد عالم كبير، بل هو مناسبة لتجديد العهد مع نهج العقل والعلم الذي مثّله خواجه نصير الدين الطوسي؛ ذلك النهج الذي أسهم في بناء مستقبل الأمة، ورسّخ مكانة إيران الإسلامية مركزًا للإبداع العلمي والحضاري عبر العصور.