قد تبدو هذه الجملة غريبة للوهلة الأولى، لكن القصة تعود إلى سنوات وجود الإمام الخميني (ره) في النجف الأشرف.
في تلك الأيام، كان الشيعة في لبنان، وخاصة في النبطية وصور وبعلبك، يُعانون من الفقر والحرمان والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية المُستفحلة.
وكان جنوب لبنان مُهمّشًا سياسيًا، وكانت العديد من العائلات الشيعية تعيش في ظروف صعبة.
خلال هذه الفترة، توجّه الشيخ محمد جواد مغنية، أحد أبرز علماء الشيعة في لبنان، إلى النجف لطلب العون من المراجع الدينية لمساعدة أهل لبنان. وكان قد جمع التبرعات، ونصحه المقربون منه بلقاء آية الله روح الله الخميني.
إلا أنه بعد هذا اللقاء، غادره مُتفاجئًا، بل وحزينًا.
روى لاحقًا أنه كلما تحدث عن فقر الشيعة في جنوب لبنان، وبطالة الشباب، ومشاكل النبطية وبعلبك وصور، كان يسمع الجواب:
"ادعُ الله أن يسقط شاه إيران وأن تزول هذه الحكومة".
كان هذا الجواب غريبًا على الشيخ محمد جواد مغنية.
تبادر إلى ذهنه سؤال:
"ما علاقة سقوط شاه إيران بالمشاكل اليومية لأهل جنوب لبنان"؟.
لكن بعد بضع سنوات، اتضحت الإجابة.
ففي السنوات الأخيرة من حياة الشيخ محمد جواد مغنية، انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، وتغيرت معادلات المنطقة.
لم تعد المساعدات المقدمة للبنان مقتصرة على الأموال والتبرعات فحسب، بل فُتح مسار جديد، ظهرت آثاره جليًا في العقود اللاحقة.
في السنوات اللاحقة، تأسس حزب الله في لبنان، وتحرر جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وارتقى الوضع السياسي والاجتماعي للشيعة اللبنانيين، ولأول مرة في تاريخ البلاد المعاصر، أصبح الشيعة أحد أهم الفاعلين على الساحة السياسية والأمنية اللبنانية.
ما بدا في السابق غير مرتبط برؤية الشيخ محمد جواد مغنية، أصبح فيما بعد مرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا في نظر العديد من أنصار الثورة الإسلامية:
"فقد مهد تغير موازين القوى في إيران الطريق لتغيير مماثل في لبنان والمنطقة".
اليوم، تمر إيران ولبنان بأيام عصيبة.
بعد استشهاد السيد حسن نصر الله وقائد الثورة الإسلامية، يعتقد العديد من أنصار المقاومة أن الشعبين قد جمعهما مصير مشترك من جديد
في إيران، يعتقد الكثيرون أن حزب الله اللبناني وقف إلى جانب إيران في منعطفات حاسمة، ولهذا السبب، لا يزال اسم لبنان والمقاومة اللبنانية وراية حزب الله حاضرين بقوة في الفضاء العام للبلاد.
لكن من وجهة نظر مؤيدي هذه الحركة، فإن قضية اليوم هي نفسها قضية الأمس.
فهم يعتقدون أنه كما رأى الإمام الخميني حلاً لمشاكل الشيعة اللبنانيين في تغيير معادلة أوسع، فإن الفرصة الحقيقية اليوم لا تكمن في عملية محدودة، ولا في بضع طائرات مسيرة، ولا حتى في بضعة صواريخ سجيل، بل في تغيير التوازن الإقليمي وطرد أمريكا من المنطقة.
ويعتقدون أنه إذا تحقق هذا الهدف، فإن آثاره ستتجاوز بكثير مجرد نصر عسكري مؤقت، وستُحدث تحولاً جذرياً في المعادلات السياسية والاقتصادية والأمنية للمنطقة.
ربما تشبه قصة اليوم قصة الأمس إلى حد كبير؛
ذلك اليوم الذي لم يرَ فيه البعض سوى معاناة جنوب لبنان، بينما فكّر آخرون في تغيير النظام الإقليمي.
ولعل السؤال الأهم اليوم هو:
"هل يستطيع الصبر والمقاومة والوحدة والثبات أن تُتيح من جديد فرصة عظيمة كتلك التي تحققت في الماضي؟".