قد تبدو الأصابع للوهلة الأولى جزءًا صغيرًا من الجسم، لكن دورها في حياتنا يتجاوز حجمها بكثير.
من أبسط مهامها، حمل كوب ماء، أو تزرير الملابس، أو كتابة بضعة أسطر على ورقة، إلى لمس يد شخص عزيز، أو العزف على آلة موسيقية، أو أداء أعمال صناعية وفنية دقيقة، كل شيء يعتمد على تناسق هذه الأصابع.
لكن يكفي فقدان أحدها... لتتغير الحياة فجأة. تصبح المهام التي كانت بسيطة وبديهية تحديات يومية.
ولا يقتصر هذا القصور على الجسد فحسب، بل يمتد ليشمل الثقة بالنفس، والهوية الشخصية، وحتى علاقة الإنسان بالعالم من حوله.
لسنوات طويلة، كان فقدان إصبع يعني قبول إعاقة دائمة. أي كان على المرء أن يتعايش مع فقدانه.
لكن العلم لم يكتفِ دائمًا بـ"التعايش".
منذ أوائل القرن العشرين، بُذلت محاولات لابتكار أطراف اصطناعية؛ كانت في البداية بسيطة، ميكانيكية، ومحدودة.
مع مرور الوقت، ومع تطور الهندسة، أصبحت هذه الأطراف الاصطناعية أكثر دقة.
وفي العقود الأخيرة، ومع ظهور الإلكترونيات وأجهزة الاستشعار وعلم الميكانيكا الحيوية، لم تكن الأطراف الاصطناعية مجرد بديل؛ إذ سعت إلى إعادة الحركة والتحكم، بل وحتى الإحساس.
ومن أهم الإنجازات في هذا المجال "الإصبع الميكانيكي".
وهي تقنية مصممة خصيصًا للأشخاص الذين فقدوا مفصلًا واحدًا أو أكثر في أصابعهم، لكنهم ما زالوا يرغبون في العيش باستقلالية، والعمل، واستخدام أيديهم مجددًا.
ليست هذه الأصابع مجرد قطعة من البلاستيك أو المعدن.
إنها مزيج من الهندسة الميكانيكية والإلكترونيات والميكانيكا الحيوية وفهم دقيق لتشريح اليد البشرية.
محركات صغيرة وآليات دقيقة وأنظمةُ تحكُّمٍ تجعل حركة الأصابع طبيعيةً وسلسة وقابلةً للتحكم.
لسنوات، اقتصرت هذه التقنية على بعض الدول، ولكن اليوم، إنتهى زمن هذا الاحتكار.
نجحت إيران، بالاعتماد على المعرفة المحلية والكوادر الخبيرة، في أن تصبح من رواد هذا المجال.
إيران هي ثاني دولة في العالم طورت تقنية الأصابع الميكانيكية بالكامل؛ وهو إنجاز هام على طريق الاكتفاء الذاتي العلمي وتطوير تقنيات إعادة التأهيل. وتعود جذور هذا النجاح، قبل المختبرات وخطوط الإنتاج، إلى حادثة مؤلمة وقعت في السنوات الأخيرة.
في إحدى الليالي، كان أمير بايدار ثاني يعمل لوقت متأخر في ورشة نجارة والده. في تلك الليلة، غلبه إرهاق شديد، لتغير حادثة مؤلمة مجرى حياته. انزلق إصبع أمير تحت آلة القص. بعد تلك الحادثة، لزم أمير منزله لأشهر. ليس فقط بسبب الألم، بل أيضاً بسبب الصدمة التي ألمّت بروحه. أمير، الذي كان له شغف بالفن قبل ذلك، وكان يعزف على البيانو، بل وأصدر ألبوماً موسيقياً، كان يواجه الآن اختباراً صعباً. لم تكن هذه نهاية القصة.
اتخذ أمير وبدعم من عائلته وأصدقائه، قرارًا لم يتوقعه الكثيرون. فبدلًا من الاستسلام، انكبّ على العمل.
بعد أشهر من الدراسة واكتساب التجربة، والعمل بالأدوات... تمكن أخيرًا من صنع أول نموذج لإصبع ميكانيكي. نموذج لم يعمل فحسب، بل أذهل الجميع.
اليوم، تحوّل هذا الجهد الشخصي إلى منتج صناعي.
إصبع ميكانيكي له زبائن من مختلف البلدان. وأمير ليس مجرد مُصنِّع؛ بل هو رفيقٌ ومستشارٌ لكثيرين ممن مروا بهذه التجربة المريرة. شخص يتحدث إليهم لساعات لأنه يُدرك معاناتهم.
اليوم، أصبحت ثمرة ذلك القرار الشخصي وسنوات من المثابرة إنجازًا علميًا وصناعيًا. منتج لم يُغيّر نوعية حياة الكثيرين فحسب، بل أعاد إليهم الاستقلالية والأمل.
والآن، إيران هي ثاني دولة في العالم تُتقن صناعة تقنية الأصابع الميكانيكية بالكامل.
في عالمٍ تُهيمن فيه هذه التقنيات عادةً على عدد قليل من الدول الصناعية، يُقدّم هذا الإنجاز صورةً مختلفةً عن براعة إيران العلمية والهندسية.
إنها قصة ابتكار، واعتماد على الذات، ومهندسين لا يرون في القيود عقبات، بل نقطة انطلاق.
الإصبع الميكانيكي ليس مجرد منتج هندسي، بل هو قصة إنسان وعلم وإرادة؛
قصة بدأت بحاجة شخصية، وبلغت اليوم ليكون إنجازًا عالميًا بارزًا.
أمير بايدار ثاني
المدير التنفيذي لشركة بهبود عضو ثاني