البث المباشر

دعاء الامام علي في المناجاة (38)

الأربعاء 10 يونيو 2020 - 08:52 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- إشراقات من الصحيفة العلوية


عن نوف البكاليّ: رَأَيتُ أميرَ المُؤمِنينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ مُوَلِّياً مُبادِراً.
فَقُلتُ: أينَ تُريدُ يا مَولايَ؟
فَقالَ: دَعني يا نَوفُ، إنَّ آمالي تُقَدِّمُني فِي المَحبوبِ.
فَقُلتُ: يا مَولايَ، وما آمالُكَ؟
قالَ: قَد عَلِمَهَا المَأمولُ، وَاستَغنَيتُ عَن تَبيينِها لِغَيرِهِ، وكَفى بِالعَبدِ أدَباً أن لا يُشرِكَ في نِعَمِهِ وأرَبِهِ غَيرَ رَبِّهِ.
فَقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنّي خائِفٌ عَلى نَفسي مِنَ الشَّرَهِ وَالتَّطَلُّعِ إلى طَمَعٍ مِن أطماعِ الدُّنيا.
فَقالَ لي: وأينَ أنتَ عَن عِصمَةِ الخائِفينَ وكَهفِ العارِفينَ؟!
فَقُلتُ: دُلَّني عَلَيهِ؟
قالَ: اللهُ العَلِيُّ العَظيمُ، يصِلُ أمَلَكَ بِحُسنِ تَفَضُّلِهِ، وتُقبِلُ عَلَيهِ بِهَمِّكَ، وأعرِض عَنِ النّازِلَةِ في قَلبِكَ، فَإِن أحلَكَ بِها فَأَنَا الضّامِنُ مِن مَورِدِها، وَانقَطِع إلَى اللهِ سُبحانَهُ فَإِنَّهُ يَقولُ:
وَعِزَّتي وجَلالي لَاُقَطِّعَنَّ أمَلَ كُلِّ مَن يُؤَمِّلُ غَيري بِاليَأسِ، ولَأَكسُوَنَّهُ ثَوبَ المَذَلَّةِ فِي النّاسِ، ولَاُبَعِّدَنَّهُ مِن قُربي، ولاُقَطِّعَنَّهُ عَن وَصلي، ولَاُخِلينَّ ذِكرَهُ حينَ يَرعى غَيري، أيُؤَمِّلُ وَيلَهُ لِشَدائِدِهِ غَيري وكَشفُ الشَّدائِدِ بِيَدي؟! ويَرجو سِوايَ وأنَا الحَيُّ الباقي؟! ويَطرُقُ أبوابَ عِبادي وهِيَ مُغلَقَةٌ ويَترُكُ بابي وَهُوَ مَفتوحٌ؟! فَمَن ذَا الَّذي رَجاني لِكَثيرِ جُرمِهِ فَخَيَّبتُ رَجاءَهُ؟!
جَعَلتُ آمالَ عِبادي مُتَّصِلَةً بي، وجَعَلتُ رَجاءَ هُم مَذخوراً لَهُم عِندي، ومَلأتُ سَماواتي مِمَّن لا يَمِلُّ تَسبيحي، وأمَرتُ مَلائِكَتي أن لا يُغلِقُوا الأَبوابَ بَيني وبَينَ عِبادي. ألَم يَعلَم مَن فَدَحَتهُ (۱) نائِبَةٌ مِن نَوائِبي أن لا يَملِكَ أحَدٌ كَشفَها إلّا بِإِذني؟! فَلِمَ يُعرِضُ العَبدُ بِأَمَلِهِ عَنّي وقَد أعطَيتُهُ ما لَم يَسأَلَني؟! فَلَم يَسأَلني وسَأَلَ غَيري.
أفَتَراني أبتَدِئُ خَلقي مِن غَيرِ مَسأَلَةٍ ثُمَّ اُسأَلُ فَلا أُجيبُ سائِلي؟ أبَخيلٌ أنَا فَيُبَخِّلُني عَبدي؟! أوَليسَ الدُّنيا وَالآخِرَةُ لي؟! أوَلَيسَ الكَرَمُ وَالجودُ صِفَتي؟! أوَ لَيسَ الفَضلُ وَالرَّحمَةُ بِيَدي؟! أوَ لَيسَ الآمالُ لا يَنتَهي إلّا إلَيَّ؟! فَمَن يَقطَعُها دوني، وما عَسى أن يُؤَمِّلَ المُؤَمِّلونَ مَن سِوايَ!
وعِزَّتي وجَلالي، لَو جَمَعتُ آمالَ أهلِ الأَرضِ وَالسَّماءِ ثُمَّ أعطَيتُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُم، ما نَقَصَ مِن مِلكي بَعضُ عُضوِ الذَّرَّةِ، وكَيفَ يَنقُصُ نائِلٌ أنَا أفَضتُهُ؟! يا بُؤساً لِلقانِطينَ مِن رَحمَتي! يا بُؤساً لِمَن عَصاني! تَوَثَّبَ عَلى مَحارِمي ولَم يُراقِبني، وَاجتَرَأَ عَلَيَّ.
ثُمَّ قالَ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ السَّلامُ لي: يا نَوفُ ادعُ بِهذَا الدُّعاءِ:
إلهي، إن حَمِدتُكَ فَبِمَواهِبِكَ، وإن مَجَّدتُكَ فَبِمُرادِكَ، وإن قَدَّستُكَ فَبِقُوَّتِكَ، وإن هَلَّلتُكَ فَبِقُدرَتِكَ، وإن نَظَرتُ فَإِلى رَحمَتِكَ، وإن عَضَضتُ فَعَلى نِعمَتِكَ. إلهي إنَّهُ مَن لَم يَشغَلهُ الوَلوعُ بِذِكرِكَ ولَم يَزوِهِ السَّفه (۲) بِقُربِكَ كانَت حَياتُهُ عَلَيهِ ميتَةً، وميتَتُهُ عَلَيهِ حَسرَةً.

 

(۱) فدحه: اجهده.
(۲) يزوه السفه: سفهه عن قربك.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة