البث المباشر

النميمة

السبت 16 نوفمبر 2019 - 12:13 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- من الواقع: الحلقة 29

أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا في برنامج «من الواقع»، الذي نقدمه لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. عنوان حلقة اليوم مستمعينا الأفاضل سيكون عن أحدى الصفات التي حذر منها الاسلام، ونهى عنها في آياته الكريمة، لذا فهي من العادات والصفات التي يذمها مجتمعنا. حيث غالباً ما توقع هذه الصفة بين الأشخاص. الضغينة والعداوة، وتتسبب في مشاكل لايحمد عقباها. إنها ولكي لانطيل عليكم مستمعينا الكرام، صفة النميمة.
وإليكم هذه القصة التي جرت في إحدى أماكن العمل، عندما قام (راضي) بدور النمام ما بين أحد زملائه وبقية الزملاء الآخرين. وكما عودناكم
مستمعينا الأعزاء بعد استماع قصه اليوم سنستضيف أحد علماء الدين وأحد الخبراء الإجتماعيين أو التربويين أو النفسانيين للاجابة على بعض الاسئلة حول موضوع حلقة هذا اليوم، اذن لنستمع الى قصه اليوم بعد الفاصل الموسيقي.
في يوم دخل راضي على أحد زملائه وهو منهمك في عمله، فقال له: يا سيد أحمد أراك منهمكا جداً، لكن للأسف لا أحد يقيّم عملك. أنظر إلى فراس فهو لايعمل مثلما تعمل أنت، لكنه يتقاضى راتبا أكثر منك بكثير. رد عليه زميله أحمد وقال له: وماذا بيدي أن أفعل فالمدير وكما تعلم قد وعد بترقيتي ولكنه لم يف بوعده. على كل حال، فأنا أعمل لأني أحب عملي، والراتب إن تحسن أو لم يتحسن، فهذا شيء آخر. قال له راضي: أو تعلم أن الآخرين يقولون إن عملك غير دقيق، وإلا ما كان المدير قد تأخر في ترقيتك. وإذا لم تصدقني، فيمكنك أن تتأكد بنفسك. حينها ثارت ثائرة أحمد واشتد غضبه، متسائلاً لماذا هو يعمل بجد ونشاط، وبالمقابل لا أحد يقيم حرصه ونشاطه هذين؟
أعزائي أحبتي المستمعين، لما خرج راضي من عند زميله أحمد، توجه مباشرة الى غرفة أخرى من غرف الموظفين الزملاء، فقال لهم: كم أن أحمد مغرور بنفسه! نعم، كنت قبل قليل أتكلم معه بخصوص العمل، فإذا به يمتدح نفسه ويميزها عنكم. تعجب أحدهم وبادر بالسؤال مباشرة: وماذا قال مثلاً؟ أجاب راضي محاولاً إثارة الفتنة بطريقته المعروفة: لا.. إنه لم يقل شيئا سوى أن زميله فراس مثلاً لايعمل بحجم ما يعمله هو، وليس بحريص على عمله مثله هو، لكن رغم ذلك فهو يتقاضى راتب أعلى من الراتب الذي يأخذه أحمد.
دمدم الحاضرون، واشمأزوا من موقف زميلهم أحمد، كما نقله لهم راضي. أما فراس فقد انزعج بدوره كثيراً لما وصلت أسماعه ما قاله عنه أحمد. لهذا كتم فراس انزعاجه في صدره، وعند بداية الدوام الرسمي صباح اليوم التالي، صادف فراس زميله أحمد وجهاً لوجه، فلم يتمالك نفسه وانبرى بوجهه قائلاً: ما كنت أظن أنك حسود إلى هذا الحد، وما كنت أتصور أنك تفضل نفسك على الآخرين.
تعجب أحمد من قول زميله فراس، وحاول أن يستفسر مما يقوله ويدعيه بحقه. لكن فراساً ظل متشنجاً في موقفه ويتحدث بلغة العتاب لما بدر من موقف سلبي من أحمد.
رفض أحمد ما تحدث به فراس، وقال له: كلامك كله مرفوض وأنا ما فضلت نفسي على أحد، ولم أشكُ من قلة راتبي، فكيف تتهمني بما اتهمتني به من كلمات. وهكذا فقد توترت العلاقة بين الزميلين أحمد وفراس، وظلا على موقفهما من بعضهما حتى تبينت الصورة على حقيقتها في يوم من الأيام، وعادت العلاقة الجميلة الطيبة كما كانت عليه في السابق بينهما.
مستمعينا الاعزاء، اذن فالمشكلة التي حصلت بين احمد وفراس كادت ان تطيح ربما بأشياء أخرى لو تطورت، والسبب طبعا يعود الى الدور السلبي الذي قام به راضي ومحاولته تخريب العلاقة وافسادها، بعد ان اكتشف كل من احمد و فراس الحقيقة، والتي ازاحت الستار عن افعال زميلهم راضي، كان موقفه عند ذاك موقف الجبان الذي لايعرف بماذا يود و بماذا يفسر ما قام به، سوى انه حاول الإعتذار والتوسل، ووعده بعدم تكرار ذلك. لكن احمد و فراس رفضا مسامحته بادئ الأمر وعدم طي صفحة الغدر والخيانة التي مارسها راضي دون معاقبته.
مستمعينا الأعزاء، وبعد أن استمعتم الى قصة راضي، وما فعله بين الزميلين أحمد وفراس، حين أوقع بهما في شرك الخلافات.. نتوجه وإياكم الى فضيلة الشيخ «علي حسن غلوم» الباحث الاسلامى من الكويت لنساله عما جاء في القرآن الكريم عن شر النميمة، خاصة في الآية المباركة التي يقول سبحانه وتعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ)... وما هي عقوبة النمام وكيف يمكن توجيهه في نفس الوقت؟
غلوم: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً القرآن الكريم وايضاً الاحاديث الشريفة هناك عرض لموضوع النميمة بشكل تسلط فيه العقوبة وتبين من خلاله السلبيات الاجتماعية والفردية ايضاً التي تترتب على هذه المعصية التي هي في نفس الوقت تعتبر جريمة في حق النفس وفي حق المجتمع. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد "وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ{۱۰} هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ{۱۱}" هناك نموذجان من الناس دائماً عندما نقرأ التاريخ نجد هذين النموذجين ماثلان امامنا، النموذج الاول نموذج الانسان الاصلاحي الذي يسعى دائماً للاصلاح بين المتخاصمين وتقريب وجهات النظر في المقابل هناك نموذج اخر هو نموذج الانسان المجرم الذي يشعل الخصومات او خصومات موجودة اصلاً لكن يسعى من اجل ان يزيدها اشتعالاً، النصوص الاسلامية سواء في الايات او في الاحاديث اعتبرت النموذج الاول الانسان الاصلاحي المصلح هو من ارقى النماذج الانسانية الى درجة انها اوصلته الى مرتبة المجاهدين مثلاً عندنا هذا الحديث "ان اجر المصلح بين الناس كأجر المجاهد بين اهل الحق" بينما اعتبرت النموذج الثاني الذي هو نموذج النمام من ابشع النماذج البشرية، في الحديث النبوي "ان احبكم الى الله الذين يألفون ويؤلفون وان ابغضكم الى الله المشائون بالنميمة المفرقون بين الاخوان" في حديث اخر ان النبي صلى الله عليه واله قال لأصحابه "ألا انبئكم بشراركم؟ قالوا بلى يارسول الله! قال المشائون بالنميمة، المفرقون بين الاحبة، الباغون للغرباء المعايب" هذا الذم الكبير بالاضافة الى العقوبات التي نتحدث عنها بعد قليل هي في الاساس بأعتبار ان الله سبحانه وتعالى يحب ويريد للمجتمعات البشرية ان تكون مجتمعات قائمة على التلاحم، قائمة على التواد، قائمة على التعاون، ان تنبي هناك شبكة من العلاقات الانسانية بصورة صحيحة، بصورة قوية. يقول الله سبحانه وتعالى "إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (سورة الحجرات الآية ۱۳) هذا الهدف هدف التعارف يعني هدف بناء العلاقات الانسانية السليمة، كل مايدمر هذا الهدف وهذه اللحمة وهذه القوة المنشودة الاسلام يتخذ منه موقفاً حازماً بغية علاج المشكلات الاجتماعية المدمرة وبالتالي عندما نأتي لدراسة شخصية الانسان النمام نكتشف انها شخصية ذات نفسية مريضة، شخصية معقدة، انسان يعاني من عدم الراحة النفسية حينما يرى مثلاً احداً يتنعم بنعمة من نعم الله سبحانه وتعالى ويرى علاقات ايجابية عند هذا الشخص من اجل الافساد كما استمعنا في القصة قبل قليل لأفساد كل هذا الامر القائم لأضفاء شيء من النار التي تتقد اصلاً في صدره او رغبة في ان يعاني الاخرون كما يعاني هو. النمام لربما ينجح في بعض مساعيه لكنه يشعر براحة كاذبة، هذه الراحة ليست راحة حقيقية اولاً لأنها مؤقتة، ثانياً لأنه سيحكم على نفسه من خلال اكتشاف مساعيه سيحكم على نفسه تدريجياً بأن يكون شخصية منبوذة في المجتمع واخيراً فانه لفداحة هذه الجريمة نجد ان النصوص تؤكد على العذاب المغلظ على النمامين. عن النبي صلى الله عليه واله ونختم بهذا الحديث "يا ابا ذر صاحب النميمة لايستريح من عذاب الله في الاخرة" نعوذ بالله من هذا العذاب ومن هذه الخصلة القبيحة.
بعد أن استمعنا أعزائي المستمعين، الى ما قاله الشيخ (علي حسن غلوم) الباحث الاسلامي من الكويت عن النمام، نتوجه الآن الى الاستاذة هدى ابراهيم عيسى الباحثة التربوية من المملكة العربية السعودية لنسألها
عن أسباب وقوع الانسان في شرك النميمة، وما مضار هذه الصفة المذمومة على طبيعة العلاقات بين الناس، وكيف يمكن التخلص منها.
عيسى: اهم اسباب وقوع النميمة الشخص النمام اولاً الفشل والغيرة من الناجحين فهو يتمنى ان يكون ناجحاً مثله فبنميمة او فتنة ينزله من مستواه او يخرجه من وظيفته، النفوس المريضة التي لاتحب الا نفسها ولاتحب غيرها، الخبث، قلة الوازع الديني، عدم الخوف من الله، الانانية والمصالح الشخصية والتنافس فهذه الانانية تؤدي ان يكون الانسان نماماً ويجعل صديقه ضحية وينفصل عن العمل ليأخذ هو مكانه او ان يكون احمد صديقه يعزز مركزه وهو يأخذ مركزاً اخراً وهناك تفاصيل في اسباب كثيرة ولكن اهم شيء هو الانانية والخبث والفشل فلو كان انساناً ناجحاً فينشغل في تحقيق اهدافه وليس بالتخريب على غيره اما اسباب وقوع الشخص ضحية الفتنة فهي السذاجة والبساطة وعدم الخبرة في الحياة وفي نفوس الناس فالتسرع بدون تحقق او استظهار خطأ، القرآن الكريم نبهنا انه "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"(سورة الحجرات٦) طبعاً النتائج معروفة وقد يكون هناك فتن بين الاشخاص، اذا كان بين الازواج سيكون الطلاق، اذا كان موظف يمكن ان يطرده المدير، يمكن ان يكون قطيعة رحم بين الارحام واحياناً النميمة تؤدي الى تشويه سمعة الاخرين او اراقة ماء وجه الاخرين فكيف نعالج هذه المشكلة؟ اولاً من الطرف الاول النمام لابد من التقوى والاستغفار ولابد ان يتقي الله وان يستعين بالله على نفسه "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يطلب من الله سبحانه وتعالى النجاح، لماذا يخرب على غيره ويفتن بين الاخرين؟ كل انسان له رزقه وكل انسان يأتي رزقه اليه. بالنسبة للضحية لابد ان يتحقق وان لايكون ضحية النمامين والفتانين، لابد ان يتحقق ويسأل ويفكر، هل هذا الكلام الذي قيل له منطق او هو فتنة؟ الفتن من صفات الناس المريضة التي تحب الاذى للاخرين فلابد الحل الوحيد انه يلجأ الى الله ويستعين بالله وينظف نفسه وينقي نفسه ومن الطرف الاخر انا لو عندي موظف هكذا لااثق به، لااعطيه اسرار، لااعطيه معلومات، لااثق به حتى لو اتى بمعلومات لااخذ بها، اتحقق من اي معلومة يعطيها.
في ختام حلقة اليوم أعزاءنا المستمعين، نشكر لضيفينا الكريمين على حسن مشاركتهما معنا، كما نشكر لكم حسن الاستماع والاصغاء الى برنامجكم (من الواقع) الذي قدمناه من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، على أمل أن نلتقيكم في حلقات أخرى قادمة، الى ذلك الحين، دمتم وفي أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة