البث المباشر

الميلاد

الإثنين 7 أكتوبر 2019 - 13:13 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 18

قال لها اذ سألته: يا إبراهيم أتدعنا في موضع ليس فيه أنس ولا ماء ولازرع؟
الله الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان، هو يكفيكم!
ثم رأته يرفع يديه في ضراعة ويقول: "ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فإجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون".
كانت هذه آخر الكلمات التي سمعتها من زوجها بعد أن ودعها ووليدها عائداً من حيث أتى!
تلفتت حولها من جديد ثم نهضت وراحت تدور وتدور وكأنها تترقب عودته مرة اخرى. كانت الأرض الرملية الصفراء تمتد أمام ناظريها دونما نهاية. ولاحقت عيناها الكثبان الرملية الصغيرة وهي تتشكل بفعل الرياح وكانها تود أن ترى فيها كائناً حيواناً صغيراً تأنس به او تجد فيه على الأقل أثراً من الحياة في تلك الصحراء الميتة المجدبة. وتحرك حسها الفطري وهي تنظر الى وليدها الصغير: آه يا إلهي ماذا أفعل؟ ضمته الى صدرها بقوة ثم أبعدته قليلاً تنظر اليه فألفته يسرح وعينيه الجميلتين ينظر اليها ببراءة وهدوء. وكم من أثر ذلك أعجبها أو تأنيبها لنفسها اذ لم تجد في عالم هذا الصغير أي شعور بالقلق او الاضطراب. جلست تمسد شعره وتربت على خديه وتتمنى في وجهه المفعم بالرضى والحبور. إستشعر الصغير حنو الأمومة ولين لمساتها الودود فراح يحرك يديه ورجليه وهو يترنم بمناغاته المحببة الأنيسة، عالم جميل لاحد له! أشادته في نفسها تلك الحركات والتنهدات العفوية الممنسقة، عالم تتدفق فيه العاطفة كتدفق الماء في الشلالات الكبيرة طوراً وتنساب إنسيابه في الجداول الصغيرة آخر. وغرقت الأم في عالمها ذاك لم يستعدها منها غير تململ الصغير وصراخه فعلتها حالة من القلق لحظة إلا أنها سارعت لتلقمه ثديها، سكت الصغير هنيهة وتضامن إلا أنه سرعان ما عاد بالصراخ والبكاء فإضطربت الأم ونهضت تحمله بيديها وراحت تدور وتدور بيد أنه واصل صراخه وبكاءه ولم تجدي معه هدهدتها شيئاً، ولما أرادت الكلام ثانية وجدت فمها جافاً يبساً وعندها فقط تذكرت: آه أني لم أسقه ماءاً! وكما لو أن هذه الكلمة قد أدخلت على قلبها الفزع. ظلت حيرى جامدة للحظة ثم دبت فيها العزيمة! وضعت الصغير على الأرض وإنطلقت تسعى هنا وهناك بحثاً عن الماء، كانت تجري مبتعدة وتعود لتلقي نظرة عليه ثم تنقلب جرياً وطوفان من المشاعر المختلطة يهدر في رأسها الكليل!!
وفجأة تطرق اللجة امام ناظريها وهي تنظر الى حيث وضعت طفلها الرضيع: يا إلهي! ماهذا؟؟ وعادت تجري ويغمر وجهها السلام والرضا وهي تغترف بيديها لتسقي صغيرها الماء. ثم تفيض من عينيها دموع الفرح والعرفان.
أجل! والشكر للعين الساهرة التي رعتها وصغيرها وسط الصحراء المجدبة القاحلة!!
أنني أرقب منذ أيام أمراً عجيباً!
عجيب؟ وماهو؟
لاأدري! الطير رائحة غادية أطراف هذا الوادي.
إيه! وما عسى أن يكون الأمر؟
كيف ألا يعني ذلك لديك شيئاً؟
أجل ربما شيئاً ولكنه أمر مستحيل، أترى أن الأرض إنشقت عن عين ماء؟؟
دعنا نرتاد الوادي فلعلنا وقفنا على خبر من هذا الأمر.
إستعاد الرجلان راحلتيهما على الإسراع وشيئاً فشيئاً إبتعدا عن مظاهر قومهما متوغلين في عمق الصحراء.
كانت قبيلة جرهم العربية تستوطن المناطق المحيطة بمكة المكرمة وككل مستوطني البوادي كان الفقر وشظف العيش السمة البارزة في حياة هذه القبيلة. وكان الماء في تلك الصحراء القاحلة شيئاً عزيزاً كثيراً ما أسترخصت الدماء من اجله. ولم يكن الحصول عليه او الوصول اليه إلا بمشقة وعناء كبيرين أما يجد الماء مفترشاً أديم الأرض فذاك حلم او شبيه به! لذلك فقد ظل الرجلان اللذين ذهبا لإرتياد أطراف الوادي ذاهلين، أيمكن ذلك؟ إنهما يعرفان هذه الأرض كما يعرفان موطنهما وكما يعرفان إبلهما بل ونفسيهما! وهل من المعقول أن تتفجر الأرض الميتة المجدبة كل هذا العمر وهذه السنين تتفجر بين ليلة وضحاها بينابيع؟ ولشد ما أثار عجب الرجلين أن أبصرا على بعد امرأة جالسة على ضفاف النبع فتقدم احدهما وسأل: من أنت يا أمة الله؟
فأجابته عن صوت ينم عن الحياء والنبل معاً: إنني زوج خليل الرحمن وهذا ولده!
واين هو بعلك؟
لقد وضعنا هنا ورحل!
ومتى عادك بهذا الماء؟
لقد أفاض الله بركاته على هذا الصغير الذي كان يشكو الظمأ!
إمتلأ قلب الرجل رهبة وإكباراً لهذه المرأة العجيبة وقال: إننا وقومنا نسكن غير بعيد من هنا أفتأذنين لنا أيتها المباركة أن نحط الى جوارك؟
صمتت المرأة قليلاً ثم أجابت بوقار: حتى يأتي ابراهيم.
وخلافاً لما درجوا عليه من الإستهانة بالمرأة وإستضعافها فقد وجد الرجل نفسه ينسحب بهدوء من أمامها وكأن لها عليه سلطاناً لايقهر!
كانت رسالة التوحيد الابراهيمي تخاطب القلوب والعقول معاً وتهتف بالناس لأن يتحرروا من أسر الطواغيت المتحكمين ببني البشر دون حق ولهذا فقد أصبحت تلك الصرخة الابراهيمية المباركة في عرف فراعنة وطواغيت ذلك الزمان النذر التي تسبق العاصفة فيهبوا لأن يواجهوها بأي سبيل. وهكذا تنقلت الرسالة من أرض بابل وسط العراق الى اور في جنوبه ومن أرض الشام في فلسطين الى أرض النيل ومصر. وكان أبو الأنبياء ابراهيم يمارس مهمته الأبوية الرسالية بحكمة وصبر وأناة ويحاول أن يفتح امامها آفاقاً أوسع وأرحب. وعندما تلقى الإيعاز الإلهي بالتوجه وزوجه هاجر تلقاء مكة عرف في ذلك موقعاً جديداً للرسالة فتحرك وزوجته وصغيره الوحيد آنذاك ليستودعهم الله في تلك الصحراء الخاوية وينصرف عائداً للشام. وما إن يرجع لتفقد الموقع الجديد حتى تستقبله ام اسماعيل قائلة: إن ها هنا قوماً من جرهم يسألونك أن تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا، أفتأذن لهم في ذلك؟؟
أجاب نبي الله وقد غمر البشر ملامحه المشرقة الوقور: نعم!!
ولاتلبث أن تندفع قوافل جرهم لتملأ ذلك الوادي الموحش الكئيب فتدب فيه الحياة وتخضر الطبيعة وتورق الأشجار وتعم الأرض بركات السماء.
طلت عينا الخليل ترقبان اسماعيل الصغير وتتعهداه بالسهر والرعاية حتى اذا ما شب على الطوق وبلغ مبلغ الرجال صدر الأمر الإلهي لإبراهيم بأن يقدم قرباناً، أجل قرباناً!!
وأي قربان؟ إنه قربان من نوع خاص، لن يطالب ولن يطالب به احد غير ابراهيم!
وبعد أن يبتعد الرجلان عن البيت يميل الشيخ على الشاب قائلاً بلهجة غريبة إلا أنها واضحة: "يابني إني أرى في المنام اني أذبحك فأنظر ماذا ترى".
غير مسحات ألم خفيفة عبرت ملامحه المتوقدة ذكاءاً ورجولة، لم تشي تلك الملامح أي تعبير للرفض او الإستنكار. وسرعان ما جاء الجواب على لسان اسماعيل: "ياأبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين".
ويسير الأب والإبن في موكب حزين، يسيران الى مكان أبعد لينفذا المهمة بمنئى عن الأنظار. وعندما دخلا شعب بني ثبير توقفا، نظر اسماعيل الى أبيه وقال: ياأبي أشدد رضاضي حتى لاأضطرب واكفف عني ثيابك حتى لاينتضح من دمي شيئاً فتراه أمي! وإشخذ شقرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون اهون عليّ فإن الموت شديد!!
ردّ ابراهيم بنبرات واهنة: نعم العون انت يابني على امر الله!!
وتمدد اسماعيل على الأرض وبدأت ثواني الرعب تتقارب وتتداخل. إستلّ ابراهيم سكينه، أنزله بسرعة ليحتز رأس ولده ..... "ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم".
وبسماع هذه الكلمات تجمدت يد ابراهيم للحظة ثم هوى الى الأرض في سجدة طويلة وتابعه اسماعيل على ذلك. أجل لقد عبر الإختبار الصعب وزينت السماء صدريهما بأوسمة باقية خالدة وإصطفى الله الشاب اسماعيل لحمل رسالة التوحيد الى المجتمع الجديد والموقع الجديد الذي أختير للرسالة. ومن جوار الكعبة الصرح الذي ولد على يدي هذين النبيين والذي أتخذ رمزاً لحركة التوحيد إمتدت الرسالة الحنيفية المسلمة تخفق بأجنحتها البيضاء فوق صحارى الجاهلية البغيضة العمياء فتحيي القلوب وتحرر العقول وتبعث في الحياة الرونق والخصب والنماء وتشيع في النفوس الطمأنينة والأمن والسلام وتفعل كل جميل بإذن ربها.

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة