البث المباشر

الجناس في نهج البلاغــة - القسم۱

الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 11:33 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- على خطى النهج: الحلقة 18

 مستمعينا الأطايب!
ها نحن ذا نعاود اللقاء بكم مع جولة أخري بين رحاب نهج البلاغة في أساليبه التعبيريّة والبيانيّة عبر حلقة جديدة من برنامج علي خطي النهج سنتتبّع فيها مظاهر توظيف الإمام علي (ع) لفنّ الجناس في كلامه، برجاء أن تمضوا معنا أوقاتاً حافلة بكل ما هو نافع وممتع ...
أحبّتنا المستمعين الأكارم !
لاشك في أن نهج البلاغة يعدّ من أقدم النصوص العربيّة النثرية التي جاءت معبّرة عن رؤية شاملة وعميقة للعالم والعلاقات السائدة فيه ، بما فيها علاقة الإنسان بربّه وبالآخرين ، وقد اعتُبر هذا الكتاب من الناحية الفنّية من النصوص العبقرية التي جمعت بين عمق المضمون وجمال الشكل في كلّ ما ورد فيه من أنواع نثريّة خطباً ورسائل وحكماً .
ومن بين الصناعات البلاغيّة التي يتجلّي فيها جمال الشكل والصورة في نهج البلاغة فضلاً عن القيمة المضمونيّة ، مايعرف في علم البديع بالجناس الذي يتمتع بأهميّة كبري في بناء شكل النص الأدبي والكشف عن دلالاته الإيحائية المنبثقة من البني الموسيقية والصوتية التي يحقّقها ، وتبيان ما له من وظائف دلالية وجمالية يعتمد تأويلها علي ثقافة المتلقّي وخبرته الجمالية .
وقد عرّف علماء البلاغة الجناس بأن تتفق اللفظتان في المبني مع الاختلاف في المعني، ويظهر من هذا التعريف أن الجناس ذو طبيعة تكرارية منشؤها معاودة الألفاظ مع الاختلاف في المعني، فجوهر الجناس يقوم علي الاشتراك اللفظي، وهو ضرب من ضروب التكرار الذي يفيد في تقوية الحالة النغمية والموسيقية والإيقاعية للألفاظ ؛ فهو يمثّل ثنائية صوتية تتوافق فيها الصورة بين الكلمتين، وقد يصل التطابق الجناسي إلي حدّ الاكتمال في اللفظ والوزن والحركة، وقد يكون للجناس أقسام عدّة تختلف في طبيعتها التكوينية وتشترك في صفة التكرار الكلّي أو الجزئي، فضلاً عن اتصافها بأن اللفظ المتكرّر يخالف نظيره في المدلول الذي يؤدّيه ، وهي ميزة رئيسة تميّز الجناس عن غيره من أنواع التكرار .
إخوتنا المستمعين الأفاضل !
حول الجناس وأنواعه ودوره في إضفاء القيمة الجمالية علي النص الأدبي وتميق الأثر في نفس المتلقّي ،أدلي لنا خبير البرنامج علي الهاتف الشيخ حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا بحديث نسترعي انتباهكم إليه :
السيد: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين أسعد الله أوقاتكم أيها الأخوة والمستمعون ورحمة الله تعالى وبركاته
حديثنا اليوم عن الجناس في اللغة العربية والجناس هو نوع من المحسنات الكلامية والبلاغية في لغة العرب. الجناس يأتي بمعنى المجانسة والتجانس والتجنيس كما يقول أهل اللغة، وهو إتفاق كلمة او اثنين او اكثر بذات اللفظ والحروف والعدد والشكل والرسم إلا أنهما يختلفان بالمعنى فتؤدي كل لفظة معنى مخالفاً للمعنى الذي أدته الأولى. الجناس أي أن نأتي بلفظين بنفس الحروف ونفس العدد ولكن يختلفان بالمعنى كأن تخاطب انساناً عزيزاً عليك وتقول "يا انسان عيني يا انسان" فالانسان الأول هو الناظر بالعين والانسان الآخر هو من تخاطبه. او أن تقول لعزيز "يافؤاد قلبي يافؤاد" فالأولى تعني سويداء القلب والأخرى تعني اسم الرجل الذي تخاطبه. فهذا الضرب وهذا النوع من الكلام في اللغة العربية يضفي عليها مسحة جمالية كبيرة جداً وفي القرآن الكريم وفي الروايات الشريفة وخاصة في نهج البلاغة فيها الكثير الكثير من هذه المحسنات كقوله تعالى في سورة الروم المباركة "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة" فالساعة الأولى يعني بها يوم القيامة والساعة الثانية المقصود بها هي ساعة زمانية. هذا هو الجناس وهذا الذي نعني به في اللغة العربية وله أشكال وأنواع.
المحاورة: نتقدم بجزيل الشكر لسماحة الشيخ حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا لإتاحته لنا هذه الفرصة.
مستمعينا الأكارم !
ومن أمثلة الجناس الذي ورد في نهج البلاغة فيما يتعلّق بالألفاظ المشتقة من أصل لغوي واحد ، قوله سلام الله عليه :
" لقد علمتم : أني أحق الناس بها من غيري ، وواللـه لأَسَلّمَنَّ ما سلمتْ أمورُ المسلمين ولم يكن فيها جور إلاّ عَلَيَّ خاصة ، التماساً لأجر ذلك وفضله ، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزِبرَجه .
فالألفاظ : أسلمنَّ وسلمت ومسلمين كلّها مشتقة من أصل لغوي واحد هو (سلم)، ولكنّ أمير المؤمنين أراد أن يقدّم لنا صياغات متعدّدة بدلالات متباينة، وهنا تتجلّي وظيفة الجناس في إحداث الأثر في المتلقّي وجعله يتوقّف عند هذا الاستعمال ، بحيث لا يمكن لهذا المتلقّي أن يهمل تلك العناصر من دون النظر في النص ومعانيه، وظلال المعاني التي أسبغها الجناس الاشتقاقي ، ذلك لأن الجناس يمثّل دعامة قويّة تؤكد المعني الذي يريد المتكلّم أن يثبته. وهو ما أراده الإمام (ع) في تأكيد المنفعة الجماعية علي المنفعة الذاتية في التنازل عن حقّه الشخصي .
ومن أمثلة الجناس التام في كلامه عليه السلام وهي كثيرة الورود في النهج ، قولُه في ذمّ الدنيا :
" مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اِسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ اِفْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ .
فالجناس حصل هنا في المقطعين الدلالييّن ( أبصر بها ) و ( أبصر إليها ) ، وذلك في تكرار اللفظتين ، ولكنّ تأمّل النص ينبيء عن أن البنية الموسيقيّة لم تتكوّن بهذا التكرار وحده ، إذ إن استعمال حرفي المعاني ( الباء و إلي ) كان شريكاً في هذا التكوين ، فاختلاف الحرفين أدّي إلي تنويع مرجعيّة المشار إليه ؛ فمرجعيّة الأول تكمن في جواب الشرط ( بصرته ) ، ومرجعيّة الآخر تكمن في (أعمته ) ، فاختلاف الدلالة نتج بفعل استعمال الحرفين الباء وإلي ، ولو سقط هذان الحرفان لاختفت الموسيقي التي تكوّنت لتؤدّي أثراً بالغ الأهميّة في إنتاج الدلالة التجانسيّة .
إخوتنا ، أخواتنا المستمعين والمستمعات !
وهنالك نوع من الجناس ذكره علماء البلاغة من خلال استقراء نماذجه في النصوص العربيّة الأدبيّة وهو ما اصطلح عليه باسم الجناس المصحّف أو جناس التصحيف الذي تتجلّي فيه قدرة الأديب علي التصرّف في الألفاظ من دون أن ينقص ذلك من المعني شيئاً حيث نري الألفاظ في هذا النوع من الجناس متطابقة في كلّ أركانها من حروف وحركات وغيرها ومختلفة في ركن واحد فقط هو النقاط .
المحاور: حول هذا النوع من الجناس وأمثلته في كلام امير المؤمنين، امير البلاغة عليه السلام سألنا خبير البرنامج في هذا اللقاء فضيلة الشيخ حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا فأفادنا في هذا المجال قائلاً:
السيد: اذا أردنا أن نتحدث عن الجناس في نهج البلاغة فإننا سنقف على بحر طمطام ومحيط قمقام في هذا المجال لأن من نهّج البلاغة وفصح الفصاحة وسن السنن في هذا المجال هو امير الكلام وامير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليه آلاف التحية والسلام، فإن امير المؤمنين عليه السلام في كلامه المعجز وكما وصفه اهل العلم والدراية واللغة أنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق فأمير المؤمنين عليه السلام الذي وضع أسس البلاغة والذي نشر البلاغة واللغة العربية في هذا الذي جمعه الشريف الرضي وسماه نهج البلاغة، وقد أصاب وأجاد وأفاد. فنهج البلاغة من اوله الى آخره يكاد لاتخلو منه صفحة او تخلو منه خطبة من وجود هذه المحسنات البلاغية فنهج البلاغة فيه من البلاغة العربية مايعجز عنه الانسان ومن محسناته الجناس. فأمير المؤمنين عليه السلام بكلا معنييه، الجناس الكامل او التام والناقص موجود في كلامه روحي له الفداء، فعلى سبيل المثال أنه يقول في خطبة له جميلة جداً عندما سأله صاحبه همام عن صفة المتقين فأراد امير المؤمنين أن يصفهم فوصفهم وقبل أن ينتهي كانت نهايته همام يقول في بعض كلماتها "فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم لأنه لاتضره معصية من عصاه" هذه الكلمات التي أوكد عليها "خلق الخلق، خلقهم، معصية من عصاه" هذه كلها جناس، المتوافقة كامل وتام والتي فيها حرف ناقص او زائد هي من الجناس الناقص. "لاتنفعه طاعة من أطاعه فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم" وضعهم، مواضعهم فهذا الكلام الذي تفضل به سيدنا ومولانا امير المؤمنين عليه السلام هو من الجناس الجميل البديع الذي يضفي على الكلام مسحة من الجمال في اللغة العربية.
المحاورة: نتقدم بجزيل الشكر لسماحة السيد حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا لإتاحته لنا هذه الفرصة وشكراً جزيلاً لكم.
أحبّتنا المستمعين !
وقال سلام الله عليه :
" وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ اَلنِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ اَلضَّالُّونَ اَلْمُضِلُّونَ وَ اَلزَّالُّونَ اَلْمُزِلُّونَ يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ يَفْتَنُّونَ اِفْتِنَاناً وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ يَمْشُونَ اَلْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ اَلضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ اَلدَّاءُ اَلْعَيَاءُ حَسَدَةُ اَلرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو اَلْبَلاَءِ وَ مُقْنِطُو اَلرَّجَاءِ .
الملاحظ أن الجناس جاء في النص السابق في قوله : الضالّون المضلّون و الزالّون المزلّون ، حيث اختلف بنية هذه الكلمات علي الرغم من أنها كلّها اسم فاعل ، لكنّ اختلاف بنية الفعل المشتقّ منها بين الثلاثي والرباعي أدّي إلي ذلك ، وقد واكب هذا التغاير الصوتي حركة المعني ، فجاء معبّراً عنه خير تعبير ، فخطورة المنافق علي الإسلام دفعت الإمام (ع) إلي أن يركّز عليه تركيزاً صوتياً جناسياً متكرّراً لافتاً للانتباه ، إذ وصف فعله وخطورته ، ثم أوصل هذا الوصف بوصف شخصيّاتهم وصفاً بارزاً بسبب استعمال تقنيّة الجناس نفسها في قوله يتلوّنون ألواناً و يفتنون افتناناً ، لتتصل هذه التقنيّة الجناس السجعي في الفواصل وهي التي يتعاضد فيها عاملان بنائيّان لتقوية الشكل ، وكلّ هذه التقنيّات الأسلوبية جاءت لكشف المعني وبيانه ، فضلاً عن أن المعني هو الذي يطلبها .
إخوتنا ، أخواتنا المستعين والمستمعات !
حديثنا عن الجناس وأمثلته في نهج البلاغة ومظاهر جماله اللفظي والمعنوي ستكون له تتمّة في حلقة الأسبوع المقبل بإذن الله من برنامجكم علي خطي النهج ، حتي ذلك الحين ، تقبّلوا منا خالص التحايا وكلّ الشكر والتقدير علي مرافقتكم لنا ، وفي أمان الله

.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة