البث المباشر

السَّجْع في نهج البلاغـــة – القسم ۱

الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 12:31 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- على خطى النهج: الحلقة 22

إخوتنا ، أخواتنا المستمعين والمستمعات !
سلام من الله عليكم ورحمة منه وبركات ، وكلّ المراحب بكم في هذا اللقاء الذي يتجدّد مع حضراتكم عند جولة لنا أخري عبر اللمسات البيانيّة والبلاغيّة في نهج البلاغة ومورد الفصاحة وينبوع البيان من كلام أمير البلغاء والفصحاء حيث سنتوقّف في حلقتنا لهذا الأسبوع بين مظاهر التوظيف الفنّي الجميل لصناعة السَّجْع في كلامه عليه السلام ، ندعوكم للمتابعـــة ...
مستمعينا الأحبّة !
السَّجْع هو توافقُ الفاصلتينِ في الحرفِ الأخيرِ من الكلام المنثور، ويكونُ مركباً مِن فِقْرتَين متَّحدتَينِ فِي الحرف الأَخير، أو مركَّباً من أكثر من فِقْرَتين متَمَاثِلتَين فِي الحرفِ الأَخيرِ أيضاً،. وتسمَّى الكلمة الأخيرة من كلِّ فقرةٍ فاصلةً، وتُسكَّن الفاصلةُ دائماً في النثرِ للوقفِ ، كقولِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام:
"اتخذوا الشيطانَ لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا . فباض وفَرَّخَ في صدورهم. ودَبَّ ودَرَجَ في حُجُورِهِم . فنظرَ بأعْيُنِهِمْ ونَطَقَ بألسنتهم. فَرَكِبَ بهم الزَّلَلَ ، وزَيّنَ لهم الخَطَل ، فعل من قد شَرِكَهُ الشيطانُ في سلطانه، ونطقَ بالباطل على لسانه .
والسجع في اللغة هو صوت القُمريّ أو أنين الجمل . والسجع في النثر هو كالقافية في الشعر . وعلي هذا فإن السجع خاص بالنثر . ومدار البحث في التسجيع ، تساوي أو عدم تساوي الهجاءات أو عدم تماثل الحرف الأصلي الأخير في الكلمة.
والسجع علي ثلاثة أقسام هي السجع المطرّف وهو أن تتفق الفواصل في قافية الحرف وتختلف في الوزن ، مثل وقاراً وأطواراً في قوله تعالي في سورة نوح : " مالكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً
ومن مصاديقه في كلام أمير المؤمنين سلام الله عليه قولُه في خطبة له :
" حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً .
فالألفاظ : جرانه و أوطانه وأيضاً الكلمات عمود وعود ودماً وندماً هي من نوع السجع المطرف .
مستمعينا الأفاضل حياكم الله واهلاً ومرحباً بكم من جديد. كان لنا حديث عبر الهاتف مع الدكتورة دلال عباس استاذة الحضارة الاسلامية من لبنان والتي حدثتنا عن السجع بشكل عام واختلاف علماء البلاغة بشأنه وبشأن مدى قيمته الفنية في الكلام، ندعوكم للإستماع.


عباس: بسم الله الرحمن الرحيم السجع وسيلة بيانية كان يستخدمها الأدباء او الخطباء في العصر الجاهلي قبل الاسلام. السجع الى حد ما الذين لم يكونوا شعراء في العصر الجاهلي كانوا يستخدمون السجع الى كل ما يريدون أن يكون كلامهم قريباً من الشعر وهم لم يكونوا شعراء، هذا كان القصد في البداية يعني لم يستخدموا السجع وسيلة بيانية وإنما تقليداً للشعر. كما أن الشاعر يصرف وقتاً لينتقي الكلمات التي تنتهي بالقافية نفسها كذلك هو لمن يقول السجع ينتقي الكلمات التي تنتهي بالحرف نفسه وأن تكون الجمل متوازية طولاً وأحياناً لاتكون متساوية طولاً ولكن تكون منتهية على شكل قافية على الحرف نفسه. بالنسبة الى بعد الاسلام ننظر الى النص القرآني، النص القرآني نلاحظ أن الايات المكية في البداية جاءت قريبة من السجع ولكن لم يكن السجع القرآني سجعاً يقدر ماهو توازن بالألفاظ "قل اعوذ برب الناس اله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" "قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد". كل الآيات المكية نزلت مسجعة أما مختلفة عن نحو السجع الجاهلي. الآيات المدنية أتت على أسلوب التوازي، الجمل متوازنة، متوازية وليست مسجعة مثلاً اذا راجعنا سورة الرحمن مثلاً تلاحظ أنها مسجعة. بالنسبة للامام علي عليه السلام لم يسر على نهج الجاهليين وإنما سار على نهج القرآن يعني اسلوبه او السجع في نهج البلاغة وهو ليس سجعاً وإنما هو توازن. مثلاً اذا أخذنا أي خطبة من خطبه نلاحظ أنه يهتم بالإيقاع، بالنسبة للخطيب كما كان النص القرآني هناك اهتمام بالإيقاع، أن تنتهي الجمل وأن تكون متوازية وأن تكون متوازنة وأن تنتهي بالحرف نفسه. مثلاً بالنسبة الى خطبة الجهاد بمعنى أنه ليس على نمط الجاهلية وإنما هو توازن.
المحاور: الشكر موصول بين يدي الدكتورة دلال عباس أستاذة الحضارة الاسلامية من لبنان.
مستمعينا الأفاضـــل !
ومن أنواع السجع الأخري ، مايسمّي بالسجع المرصّع الذي يكون فيه التوازن في الألفاظ مع توافق الأعجاز أو تقاربها . ومثاله في القرآن قوله تعالي في سورة الانفطار :
" إن الابرار لفى نعيم و ان الفجّار لفى جحيم . وقوله عزّ من قائل في سورة الصافّات :
" وآتيناهما الكتاب المستبين و هديناهما الصراط المستقيم .
ومثال ذلك في نهج البلاغة قولُ أمير المؤمنين سلام الله عليه في وصف المنافقين :
" زرعوا الفجور و سقوه الغرور و حصدوا الثبور .
فالعبارات السابقة تتضمّن استعارة لطيفة تقوم علي تشبيه لبفجور ببذر البذور في الأرض ونموّها ، وهي من حيث فنّ البديع مظهر لصناعة الترصيع .
ومن الأمثلة الأخري للترصيع قولُه في حمد الله :
" و لا يشغله سائل و لا ينقصه نائل .
وقولُه في دعاء له سلام الله عليه :
" أحمده استتماماً لنعمته و استسلاماً لعزته .
وقولُه في مقدّمة إحدي خطبه :
" الحمدلله الذى علا بحوله و دنا بطوله .
المحاور: واذا كان مستمعينا الأفاضل للسجع قيمة معنوية ومضمونية فضلاً عن قيمته التي تسهم في تزيين الكلام وترفع من مستواه الفني سألنا خبيرة هذا اللقاء وطلبنا منها أن تدعم كلامها بأمثلة من نهج البلاغة فتفضلت قائلة:
عباس: كما قلت بالنسبة الى السجع الجاهلي كان تقريباً يكون كلامهم موزوناً او قريباً من شعر. طبعاً السجع اذا لم يكن متكلفاً، الكاتب احياناً يسعى ليراعي الألفاظ بالشكل أكثر مما يراعي المضمون فهذا أسلوب متكلف أما اذا أتى السجع عفو الخاطر كما هو في كلام الامام عليه السلام يأتي السجع عفو الخاطر ولم يكن متكلفاً فهو يخدم النص بأي معنى؟ يخدم النص من ناحية واحدة وهو يجمل النص وفي نفس الوقت يسهل حفظه. كما نعرف الشعر سهل الحفظ لأنه مقفى، السجع ايضاً له وظيفة فضلاً عن الوظيفة الجمالية إن لم يكن متكلفاً فهو يسهل حفظ النص. نحن نقرأ النصوص المختلفة في الأدب العربي فتلاحظ التكلف فيها ويشعر القارئ أنه متكلف أما النص الذي يأتي عفو الخاطر اذا لم يكن السجع متكلفاً فهو يفيد النص جمالياً كما هو الحال في خطب الامام وكما هو الحال في النص القرآني ويسهل حفظ النصوص.
المحاورة: نتقدم بالشكر الجزيل للدكتورة دلال عباس أستاذة الحضارة الاسلامية من لبنان لإتاحتها لنا هذه الفرصة.
أعزّتنا المستمعين !
وأمّا السجع المتوازي فيستخدم في مقابل السجع المرصّع ، بمعني أن كل أو معظم الألفاظ ذات القرينة الواحدة ليست في مقابل ألفاظ القرينة الأخري سوي الأعجاز والفواصل . وهو بدوره علي ثلاثة أقسام ؛ الأول أن يكون التوافق في الوزن والقافية في الفواصل فقط ، كقول الإمام عليه السلام في وصف القرآن :
" جعله الله رياً لعطش العلماء و ربيعاً لقلوب الفقهاء و مَحاجَّ لطرق الصلحاء .
والثاني أن تكون أكثر ألفاظه متخالفة ، وفي العدد يكون القليل منها موافقاً ، والثالث أن يكون مخالفاً في نصف الألفاظ موافقاً في النصف الآخر وهو ما جاء في قوله عليه السلام في إحدي خطبه في التنفير من الدنيا :
" فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا يُونِقُ مَنْظَرُهَا وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ حَائِلٌ وَضَوْءٌ آفِلٌ وَظِلٌّ زَائِلٌ وَسِنَادٌ مَائِلٌ ... .
وفيما يلي نذكر المزيد من الأمثلة علي السجع المتوازي :
" وَوَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ وَ دَارِ عِبْرَةٍ
فنحن نلاحظ أن بين الكلمتين خبرة و عبرة سجعاً متوازياً فضلاً عن التجنيس .
ومن أمثلة السجع المتوازي الأخري ما جاء في إحدي خطبه عليه السلام في وصف عهد رسول الله (ص) ، حيث يطالعنا السجع المتوازي بين اللفظتين اللَّقَم و الألَم :
" وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ .
إخوتنا ، أخواتنا المستمعين والمستمعات !
حديثنا حول السجع وأمثلته في نهج البلاغة سيتواصل بإذن الله في حلقتنا للأسبوع المقبل من برنامجكم علي خطي النهج ، كونوا في انتظارنا ، وشكراً علي طيب المتابعـــة . 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة