البث المباشر

التخلق بأخلاق خلفاء الله عزوجل

الأربعاء 19 يونيو 2019 - 09:43 بتوقيت طهران

الحَمدُ لله الواحد المنّان، وأزكي الصّلاةِ وأشرفُها علي النبيّ المصطفي سيّد الأكوان، وعلي آلهِ دعائمِ الإيمان.
في كتابه (جامع الأسرار) روي السيّد حيدر الآمُليّ عن النبيّ (صلّي الله عليهِ وآلهِ) أنّه قال: (تخلَّقُوا بأخلاقِ الله). ولا يخفي علي كلّ مؤمن بصير أنّ أخلاقَ الله تبارك وتعالي عُظمي أوّلاً، وكثرةٌ ثانياً ولكن في طليعتها تتقدّم الرحمة، فَبِها ومنها وإليها خُلِق هذا الوجودُ البديع، لا يُريد اللهُ جَلّ وعَلا به إلّا خيراً، كما يُريد لعباده إلاّ سعادةً ورحمة.
رُويَ عن رسول الله (صلّي الله عليه وآله) قولُه: (إنّ اللهَ تعالي خَلَق مئةَ رحمةٍ يومَ خَلَق السَّماواتِ والأرض، كلُّ رحمةٍ منها طباقُ ما بينَ السماء والأرض، فأهبَطَ رحمةًََ منها إلي الأرض فيها تَراحَمَ الخَلق، وبها تَعطِفُ الوالدةُ علي وَلَدِها، وبها تشرب الطيرُ والوحوشُ مِن الماء، وبها تعيشُ الخلائق).
وقيل يوماً للإمام زينِ العابدين (عليه السلام): إنّ الحسنَ البصريَّ قال: ليس العَجَبُ ممّن هَلَك كيف هَلَك، وإنّما العَجَبُ ممّن نجا كيف نجا!
فقال (عليه السلام): أنا أقول: ليس العَجَبُ ممّن نجا كيف نجا، وإنّما العَجَبُ مِمّن هَلَك كيف هَلَك مَعَ سَعةِ رحمةِ الله!!
كذا رُوي أنّ الإمام موسي الكاظم (سلامُ الله عليه) قال يوماً لأحدِهم: ما ظَنُّك بالرؤوف الرحيمِ الذي يتودَّدُ إلي مَن يُؤذيه بأوليائه، فكيف بمن يؤذي فيه! وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الذي يتوبُ علي مَن يُعادِيه، فكيف بِمَن يترضّاه ويختارُ عداوةَ الخَلق فيه!
أجَل، تلك هي أخلاقُ الله جلّ وعلا، وعليها أدّب خُلفاءَه، وأنبياءَه، وأوصياءَه؛ إذ لابدّ أن تتمثـّلَ فيهم رحمةُ الباري تبارك وتعالي كي تكون دعوتُهم صادقةً مؤثـّرةً في عبادِ الله، وإذا كانت رحمة الله عزوجلّ قد تجلّت بأسمي صورها وأقدس مظاهرها، فإنّما تجلّت في رسولِ الله محمّد (صلّي الله عليه وآله)، وقد تعلّقت إرادةُ الله فيه أن يكون الأعلي والأسمي.

رأي اللهُ للعَليـــاء أن تَتَجسّدا

فقالَ لها: كوني، فكانَت مُحمَّــدا

*******

عندما نرجع الي القرآن الكريم نجده يصرح بأن الله تبارك وتعالي إنما بعث سيد خلفائِهِ الرسول الأعظم (صلي الله عليه وآله) رحمة للعالمين، نبذة عن هذا التعبير القرآني ودلالته نستمع اليها من ضيفنا الكريم في هذه الحلقة من برنامج خلفاء الله سماحة الشيخ حسن التريكي الباحث الاسلامي ومدير مركز الثقلين من لندن:
الشيخ حسن التريكي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا وآله الطاهرين.
دلالات الوصف القرآني للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه رحمة للعالمين، النبي كان رحمة لكل الوجود ولهذا عبر عنه القرآن الكريم بأنه رحمة للعالمين ولم يعبر رحمة للناس انما عبر عنه رحمة للعالمين ليبين هذه الحقيقة ان النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) هو رحمة لكل الوجود فالاشياء عندما اوجدها الله سبحانه وتعالى انما اوجدها للرحمة ولهذا ورد في الاية الكريمة الاخرى «إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ» اي خلقهم للرحمة والله سبحانه وتعالى خلق هذه الموجودات للرحمة وهذه الرحمة تحتاج الى اسباب ووسائل لتصل الى هذه الموجودات وهذه الاسباب يجب ان تكون اسباب كاملة ومناسبة لتوصيل الرحمة الى الموجودات وكانت اكمل هذه الاسباب وافضل هذه الاسباب لأيصال الرحمة الى الوجود والى الموجودات هو النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين فهم الوسيلة الى الله وهم الواسطة ما بين الله وبين الموجودات ولهذا ساهم النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي هو رحمة، هو ذاته رحمة واعماله رحمة وصفاته رحمة، ساهم في امور مهمة جداً في ايصال الرحمة الى البشرية والى الوجود ككل ومن اهم هذه الامور ان النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان وسيلة لأستلام الوحي وتسليم الوحي، هو يستلم الوحي من الله ويسلم هذا الوحي الى الموجودات، الى الوجود والى البشر وهذا الوحي القرآن الكريم عبر عنه الله سبحانه وتعالى ايضاً في بعض الايات ان فيه «شِفَاء وَرَحْمَةٌ» هو فيه رحمة للناس، آيات القرآن الكريم فيها رحمة وفيها هداية وفيها سعادة للناس وللبشرية وللوجود كل الوجود فهذا عمل من الاعمال التي تحقق الرحمة في وجود النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجسد الرحمة في وجود النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا امر الامر الاخر الذي ساهم فيه النبي وكان رحمة للناس انه اخرج الناس «مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ»، هذه البشرية التي كانت موجودة قبل زمن النبي، قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت بشرية تغوص في الظلمات وتغرق في ظلمات الجهل وفي ظلمات الكفر وفي ظلمات المعصية وفي ظلمات الجريمة فجاء النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه الله نوراً لينير هذه الظلمات ويخرج الناس من الظلمات الى هذا النور، الى نور الهداية، الى نور الطاعة، الى نور الانسانية، اعاد هذه الموجودات الى انسانيتها، هذه الموجودات البشرية التي كانت تغرق في الدماء وفي القتل والنهب والسلب وتبتعد عن كل الاخلاق ومع ذلك لما جاء النبي اعاد هذه البشرية الى انسانيتها لتعود الى الله سبحانه وتعالى بأخلاق القرأن وبأخلاق النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخرجها «مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ».
والامر الثالث ايضاً وكان رحمة في ذلك انه صلوات الله وسلامه عليه اخذ بيد البشرية الى مدارج الكمال فكان هو الانسان الكامل (صلى الله عليه وآله) وكان النموذج الاكمل الذي جعله الله اسوة للناس وقدوة وبه يهتدي المهتدون وبه يقتدي المقتدون وبه يقتدي من اراد الوصول الى الكمال فأخذ بيد هذه البشرية من مدارج الضعة والسقوط والانحراف الى مدارج الكمال فرفع شأن هذه الامة وهذه البشرية في هذه الحياة الدنيا وكان سبباً لسعادة هذه الامة لمن اقتدى به ولمن تأسى به (صلى الله عليه وآله) كان سبباً لسعادتها في الاخرة ولهذا ما احوج الوجود وما احوج البشرية لمثل شخصية النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، نحن اليوم البشرية عادت الى تلك الجاهلية وعادت الى تلك المآسي التي كانت تعيشها في زمن ما قبل النبوة الخاتمة الان احوج ما تكون هذه البشرية الى التعرف على شخصية النبي (صلى الله عليه وآله)، الى التعرف على الوحي الذي جاء به النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) والى الاهتداء بنور هذا النبي (صلى الله عليه وآله) لتخرج من هذه الظلمات وتعود الة نور الهداية، نور الطاعة ونور الكرامة ونور الانسانية لتكون انسانية كما ارادها الله سبحانه وتعالى ولتنعم بالرحمة التي انزلها الله من خلال شخصية النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

*******

ونشكرلكم أحباءنا المتابعة لهذه الحلقة من البرنامج، وموضوعها هو ضرورة تخلق خلفاء الله بخلق الرحمة الإلهية التي تجلت في النبي الأكرم - بأسمي صورها نستعرض بعض مظاهر الرحمة المحمدية فيما يلي:
في (الكافي) روي الشيخُ الكلينيّ أنّ النبيّ (صلّي الله عليه وآله) صليّ بالمسلمين فخفـّف الركعتين الأخيرتين، مع أن قرةَ عينيه كانت في الصلاةَ، فسُئل عن ذلك فقال: أما سَمعتُم صُراخَ الصبيّ؟!
نعم، إذ كانت أمُّه معهم في الصلاة، فخفـّف رسولُ الله صلاتَه رحمةً بذاك الطفل، ورحمةً بوالدته.
وفي بعض كتب السيرةِ النبويّةِ الشريفة، أنّه (صلّي الله عليه وآله) قال مبيّناً هذا الأمر: (إنّي لَأدخُلُ الصلاةَ وأنا أُريد أن أُطيلَها، فأسمعُ بكاءَ الصبيّ، فأتَجوَّزُ في صلاتي ممّا أعلمُ من شدّةِ وَجدِ أُمّهِ مِن بكائه).
نعم، فكان يقرأ في تلك الحالةِ السورةَ القصيرة، والسورةَ الخفيفة. وكان يحنو علي الأطفال، لا سيّما اليتامي، ويُلاطفهم حانياً عليهم، ويُقبّلهم ويقول: (ليس منّا مَن لم يرحَم صغيرنا)، ويومَ رآه الأقرعُ بنُ حابس يقبّلُ الحسن قال: إنّ لي عشرةً مِن الوُلد، ما قبّلتُ واحداً منهم!
فيقول له رسول الله: (إنّه مَن لا يَرحمَ، لا يُرحَم) ويهتف (صلّي الله عليه وآله) في الضمائر: (إنّ أَحَبَّ البُيوتِ إلي الله بيتٌ فيه يتيمٌ يُكرَم).
وفي (بحارالأنوار) كتب الشيخ المجلسيّ (أعلا الله مقامَه): كان (صلّي الله عليه وآله) يُؤتي بالصبيّ الصغير ِلِيدعَو له بالبركة أو يُسمّيهَ، فيأخذُه فيضَعُه في حِجرِه تَكرُمةً لأهله، فرُبَّما بالَ الصبيُّ عليه، فيصبح بعضُ من رآه حينَ بال، فيقول (صلّي الله عليه وآله): (لا تَزرِمُوا بالصبيّ) - أي: لا تقطعوا بَوله- ثمّ يفرغ (صلّي الله عليه وآله) له مِن دعائه أو تسميته، ويبلغ سرورَ أهله فيه، ولا يرونَ أنّه يتأذّي ببول صبيتهم، فإذا انصرفوا غَسَل ثوبَه بعد.
وكان مِن رحمته بكاؤه علي ابنَيه: إبراهيم والقاسم، وكم فاضت دموعُه سنينَ عديدة علي وَلَدِه الحسينِ (عليه السلام) لمّا أخبرَه الله تعالي عن طريق جَبرئيلَ أنّ ابنَه الحسينَ هذا سيُقتَل في أرضٍ يُقال لها كربلاء، ظامئاً شهيداً مظلوماً، وجِيء له بقبضةٍ من تربته الحمراء.
إذا كان أحدٌ في الجاهليّة قد ذاق طعمَ مرارة الحياة وخوفَها وتهديدها فاثنان: المرأة التي أُهينت وذُلّت، والبنت التي وُئِدَت وقُتِلت. فيأتي نبيُّ الرحمة محمّدٌ المصطفي، خليفةِ ربّ الرحمة تبارك وتعالي، فينتشِلُ هاتينِ المظلومتينِ مِن مخالب القسوة والجفاوة والغِلظة.
فيُنادي في القلوب وقد قُدّ بعضُها مِنَ الحَجَر: (لا تَكرَهُوا البنات؛ فإنّهنّ المؤنساتُ الغاليات). ويومَ بُشّرِ أنّ ابنةً وُلِدت، نظر(صلّي الله عليه وآله) في وجوه أصحابه فرأي عليها غَمامةَ الكراهية، فقال: (ما بِكم! ريحانةٌ أَشمُّها ورِزقُها علي الله). وكم بكي علي الأطفال الأبرياء، وجَهِد في انتشالهم بلطفِه مِن الأيدي الأثيمة التي تُريد أن تُهيلَ التُرابَ عليهم، ويومَ قال له أحدُهم: يا رسولَ الله، إنّا كنّا أهلَ جاهليّةٍ نقتُل الأولاد، وكانت عندي بنتٌ وكانت مسرورةً بِدَعوتي إذا دَعَوتُها، فَدَعوتُها يوماً فاتـّبَعتني، فمررتُ حتـّي أتيتُ بئراً غيربعيدة، فأخذتُ بيدها فوَريتُها البئر، وكان آخِرَ عهدي بها أن تقول: أبتاه.. أبتاه!
فأجهَشَ رسولُ الله بالبكاء وقد وكفَ دمعُ عينَيه هكذا كان النبيُّ الكريم يعطِف علي الأطفال- كما أمَرّبذلك اللُّورد هِدلي- كذا قال سِنِكس: لقد قام محمدٌ بحماية الأطفال وتحريم قتلهم من قِبل آبائهم الخائفين من أعالتهم، والوَأد كان عادةً قديمةً منتشرةً في الجاهلية.
نعم، وتبلغ رحمتُه (صلّي الله عليه وآله) بالمرأة أن عَفا عن تلك اليهودية التي دسّت له السُّمَّ في ذراع شاة، عفا عنها بمجرّد أن اعتذرت له وقد تناول شيئاً من ذلك، فمازال يعانيه منذ غزوة خيبر، فعاوَدَه حتـّي قَطَع أبهَره، وحتـّي توفـّي (صلّي الله عليه وآله) علي أثرِه وأثرِ سُمٍّ بعده.
إذن خلاصة ما توصلنا إليه في هذه الحلقة من برنامج خلفاء الله هي ألرأفة والرحمة من أبرز أخلاق الله عزوجل وهي أيضاً من أبرز خصال خلفاء الله الحقيقيين في جميع سلوكياتهم، فهم رؤوفون ورحماء بالناس وداعين العباد أيضاً الي الرحمة والتراحم.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة