تكشف ثلاثة تحليلات نشرتها مجلات فورين بوليسي ونيوزويكوفورين أفيرز تعقيدات تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار اعترافات أمريكية متزايدة بحدود القوة الأمريكية في أي حرب محتملة مع طهران.
وتطرح هذه التحليلات العديد من التساؤلات العسكرية والسياسية والاستراتيجية بشأن مستقبل المواجهة، وحدود قدرة واشنطن على استخدام القوة لتحقيق أهدافها.
وفي حين ركز أحد التقارير على احتمال توسع المواجهة إلى عمليات برية داخل إيران، ناقش تقرير آخر خيارات الولايات المتحدة للتعامل مع أزمة مضيق هرمز، بينما وضع التقرير الثالث الحرب في إطار أوسع باعتبارها مؤشراً على تغير موازين القوى في النظام الدولي.
أمريكا لا تملك قدرة شن حرب برية شاملة ضد إيران
يرى تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" أن فكرة شن الولايات المتحدة هجوماً واسع النطاق على إيران تبدو مستبعدة في الظروف الراهنة، بالنظر إلى حجم التحديات العسكرية والجغرافية التي ستواجهها واشنطن.
وذكرت المجلة في تقريرها أن إيران دولة واسعة المساحة، وتمتلك موارد عسكرية وبشرية تمكنها من إطالة أي مواجهة. كما أن طبيعة التضاريس وخطوط الإمداد المعقدة تجعل أي عملية برية واسعة أكثر صعوبة بكثير مقارنة بتجارب عسكرية أمريكية سابقة، مثل حرب العراق عام 2003.
وأشار التقرير إلى أن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في احتلال الأراضي الإيرانية، بل في تنفيذ عمليات برية محدودة تستهدف مواقع استراتيجية أو جزر ذات أهمية عسكرية واقتصادية.
ولفت إلى أن جزيرة خارك، بسبب دورها الحيوي في صادرات النفط الإيرانية، تعد هدفاً محتملاً بارزاً، لكنه أكد أن السيطرة عليها تحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تواجه القوات الأمريكية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وقد تتحول العملية إلى التزام عسكري طويل الأمد.
كما نقل التقرير عن خبراء ومسؤولين عسكريين أمريكيين سابقين قولهم إن الجيش الأمريكي قادر على تنفيذ عمليات دقيقة ضد مراكز القيادة والسيطرة أو المنشآت الصاروخية والاتصالات، لكنه سيواجه صعوبة في تحويل هذه العمليات إلى انتصار سياسي.
ووفقاً للتحليل، فإن المشكلة لا تكمن في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ الضربات، بل في تحديد الهدف النهائي للحرب وكيفية الحفاظ على أي مكاسب عسكرية يتم تحقيقها.
خيارات أمريكية صعبة وخطيرة أمام إيران
أما تقرير مجلة "نيوزويك" فقد ركز على أزمة مضيق هرمز باعتباره محور المواجهة، موضحاً أن هذا الممر المائي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية تحول إلى أداة ضغط استراتيجية تستخدمها إيران للتأثير في حركة الملاحة الدولية.
ويرى كاتب التقرير أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواجه أربعة خيارات رئيسية، لكنها جميعاً تحمل تكاليف ومخاطر كبيرة.
الخيار الأول: توسيع الضربات الجوية ضد المواقع العسكرية الإيرانية إلا أن التقرير يشير إلى أن القصف وحده لم يتمكن من إجبار طهران على تغيير موقفها، بسبب قدرتها على إعادة نشر قواتها واستمرار قدرتها على التأثير في حركة الملاحة.
الخيار الثاني: حماية ناقلات النفط التجارية عبر نشر واسع للقوات البحرية الأمريكية، لكن هذا الخيار يواجه تحديات مرتبطة بقدرة البحرية الأمريكية على تنفيذ مهمة مستمرة في بيئة عالية التهديد.
الخيار الثالث: تنفيذ عمليات برية محدودة للسيطرة على جزر أو مناطق ساحلية، غير أن التقرير يؤكد أن هذا الخيار يحتاج إلى قوات كبيرة ودعم عسكري واسع، وقد يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.
الخيار الرابع: العودة إلى طاولة المفاوضات، إذ ترى "نيوزويك" أن الوصول إلى اتفاق سيكون صعباً بسبب الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران حول إدارة مضيق هرمز والقضايا الإقليمية، لكنه يبقى الخيار الأقل تكلفة.
التفوق العسكري الأمريكي أمام إيران لا يضمن تحقيق الانتصار
من زاوية مختلفة، قدم تقرير في مجلة "فورين أفيرز" تحليلاً أوسع للتغيرات التي كشفتها الحرب. وقال الكاتب روبرت بيب إن الحرب مع إيران تمثل نهاية مرحلة كانت الولايات المتحدة تعتمد فيها على تفوقها العسكري لحسم النزاعات بسرعة.
وقارن التحليل بين حرب الكويت عام 1991 التي عززت صورة الهيمنة الأمريكية، والحرب الحالية التي تكشف حدود هذه القوة، مشيراً إلى أن انتشار التكنولوجيا العسكرية الحديثة، ولا سيما الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة منخفضة التكلفة، غيّر طبيعة الحروب.
وأوضح أن هذه الأدوات لم تعد حكراً على القوى الكبرى، بل أصبحت متاحة لدول أقل قوة، ما يمنحها قدرة أكبر على إلحاق أضرار بخصومها وإطالة أمد الصراعات.
ويرى روبرت بيب أن إيران لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها، بل يمكنها استخدام قدراتها الصاروخية وشبكة حلفائها الإقليميين وأدوات الحرب غير التقليدية للتأثير في أمن الملاحة والطاقة العالمية.
وبحسب التقرير، فإن أزمة مضيق هرمز تعكس تحولاً أوسع في النظام الدولي، حيث أصبحت السيطرة على الثقة في طرق التجارة العالمية عنصراً أساسياً من عناصر القوة.
تغير طبيعة القوة العالمية
وفي ختامها، تتفق التقارير الثلاثة الصادرة عن وسائل الإعلام الأمريكية على أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تجاوزت العمل العسكري المباشر، وأصبحت اختباراً لقدرة القوى الكبرى على تحقيق أهدافها في عالم تتغير فيه طبيعة القوة.
وتشير التحليلات إلى أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحويل تفوقها العسكري الحاسم إلى نتائج سياسية مستقرة، وأن أي تصعيد أمريكي ضد إيران سيظل مقيداً بعوامل عسكرية وسياسية واقتصادية.
وخلصت إلى أن مستقبل المواجهة لن يتحدد فقط بقدرة كل طرف على تنفيذ الضربات، بل أيضاً بقدرته على إدارة تداعياتها ومنع تحول الصراع إلى أزمة طويلة الأمد لا نهاية لها.