البث المباشر

الضربات الإيرانية والاستنزاف اللوجستي للعدو الأمريكي

الأحد 19 يوليو 2026 - 22:21 بتوقيت طهران
الضربات الإيرانية والاستنزاف اللوجستي للعدو الأمريكي

استبدلت إيران في هجماتها الأخيرة، استنزاف قدرات الإسناد والقوة القتالية محل الإضرار المباشر بالمعدات فقط. وبالطبع، فإن الإضرار بالمعدات، كتدمير المقاتلات وناقلات الوقود، لا يزال قائماً على جدول الأعمال.

تختلف الهجمات الإيرانية الأخيرة في نمطها عن العمليات السابقة. فعلى عكس النهج الماضي، لم تركز هذه العمليات فقط على استهداف المعدات القتالية، بل اتبعت مزيجاً من الهجوم على البنى التحتية اللوجستية ومراكز القيادة وعقد الدعم والاسناد؛ وهو تحول أشار إليه مسؤولون ومحللون غربيون أيضاً، معتبرين إياه دليلاً على تطور في طريقة تصميم العمليات الإيرانية.

من خلال تدمير المخزن المركزي للقطع واللوجستيات التابع للقوات الجوية الأمريكية في قاعدة العُديد، واستهداف مركز القيادة والتنقيب عن البيانات بالذكاء الاصطناعي "BattleGo" في البحرين، وإجبار أمريكا على إخلاء الممرات المخصصة لطائرات التزود بالوقود والنقل والطائرات المحمولة جواً (أواكس)، نفذت إيران استراتيجية تعرف في الأدبيات العسكرية بـ Counter-Sustainment أو «الضرب على دورة الدعم والاسناد وإنتاج القوة القتالية».

في هذا النهج، لا يقتصر الهدف الأساسي على التدمير المباشر للطائرات، بل استهداف السلسلة التي تمكن من الاستخدام المستمر لهذه الطائرات. ففي الحروب الحديثة، لا يحدد عدد الطائرات وحده القوة، بل القدرة على التصليح، وتوفير القطع، والتزود بالوقود، والقيادة، والنقل السريع للمعلومات هي التي تحدد حجم القوة القتالية الفعلي.

كانت قاعدة العُديد واحدة من أهم المراكز العملياتية الأمريكية في منطقة القيادة المركزية (سنتكوم). وقد خلقت تركيز كميات كبيرة من قدرات التزود بالوقود والنقل وطائرات القوات المحمولة جواً والصيانة الفنية واللوجستيات في هذه القاعدة كفاءة عالية، لكنها في الوقت نفسه جعلتها نقطة ضعف حيوية. وقد تسبب الضرر الذي لحق بهذا المركز في إعادة ترتيب أمريكا لجزء من شبكة دعمها.

لم يكن تدمير المخزن المركزي للقطع مجرد ضرر لبنية تحتية مادية، بل وضع دورة التصليح وإعادة الطائرات إلى الخدمة تحت ضغط. إن تباطؤ سرعة توفير القطع وزيادة زمن التصليح يؤثران مباشرة على معدل الجاهزية القتالية للأسطول.

وإلى جانب ذلك، أدى استهداف مركز القيادة والتنقيب عن البيانات بالذكاء الاصطناعي إلى إبطاء سرعة معالجة المعلومات، والتنسيق بين الوحدات، ودورة اتخاذ القرارات العملياتية.

كما أظهرت الصور الفضائية إخلاء ممرات طائرات KC-135 وKC-46 وC-17 والأواكس في العُديد، مما يشير إلى تغيير في الترتيب العملياتي الأمريكي. تم هذا الانتقال في إطار سياسة "نشر القوات" (Force Dispersal) وعقيدة "التوظيف القتالي المرن" (Agile Combat Employment)، لكن السبب الرئيسي كان تصاعد التهديد ضد القواعد المتمركزة وضرورة تقليل تعرض الأصول الاستراتيجية للخطر.

يخلق هذا التغيير في الترتيب تكاليف تشغيلية كبيرة. فإعادة نشر طائرات الدعم إلى قواعد أبعد يزيد من زمن الوصول إلى منطقة العمليات، واستهلاك الوقود، واستهلاك المعدات، والضغط على دورة التصليح والصيانة خاصة في مجال التزود بالوقود، تؤدي زيادة المسافة إلى إنفاق جزء أكبر من سعة الطائرة للوصول إلى منطقة المهمة، مما يقلل من كفاءة شبكة التزود بالوقود.

فبالنسبة للأواكس وأنظمة الاستخبارات، هناك ظروف مماثلة. فالبعد الأكبر عن منطقة العمليات يزيد من زمن الاستجابة، ويجعل الحفاظ على التغطية الاستخباراتية والقيادة المحمولة جواً أكثر صعوبة وتكلفة. ونتيجة لذلك، ستحتاج أمريكا للحفاظ على نفس المستوى من التغطية والقدرة العملياتية إلى دورات طيران أكثر واستهلاك أعلى للموارد.

من منظور استراتيجي، فإن أهم نتيجة لهذه العمليات ليست مجرد تدمير أهداف محددة، بل تغيير السلوك العملياتي الأمريكي. فباستهدافها لعقد الدعم الحيوية، أجبرت إيران أمريكا على تشتيت جزء من أصولها القيمة، ودفع تكلفة أكبر لإنتاج نفس القدر من القوة القتالية.

هذا هو مفهوم "استراتيجية فرض التكلفة" (Cost Imposition Strategy)؛ أي إجبار العدو على إنفاق المزيد من الموارد، وزيادة تعقيد العمليات، وتقليل الكفاءة، دون الحاجة إلى تدمير قدرته القتالية بالكامل.

إذن تُظهر الهجمات الإيرانية الأخيرة تحولاً من منطق «التدمير المباشر للمعدات» إلى «استنزاف قدرة الاسناد والدعم وإنتاج القوة القتالية».

إن استهداف اللوجستيات والقيادة والبنى التحتية الداعمة، أجبر أمريكا على تغيير ترتيباتها، وتشتيت أصولها الاستراتيجية، وتحمل تكاليف تشغيلية أكبر.

ما زالت الماكينة الحربية الأمريكية قادرة على مواصلة العمل، لكن لتحقيق نفس المستوى السابق من القدرة القتالية، تحتاج الآن إلى مزيد من الموارد والوقت والسعة اللوجستية.

وفي هذا الإطار، لا يكمن الأثر الرئيسي للعمليات الإيرانية في تقليل القدرة المطلقة لأمريكا، بل في زيادة تكلفة الحفاظ على هذه القدرة وتوظيفها في غرب آسيا.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة