بلغت قصة ابن سينا، الحكيم والفيلسوف والفلكي والطبيب الإيراني، إلى هذه المرحلة عندما شرع في رحلة شاقة مع عدد من رفاقه المقربين للهروب من قبضة محمود الغزنوي.
انطلق من مدينة غرغانج، شمال أوزبكستان الحالية، باتجاه نيسابور في شمال شرق إيران الحالية. طارده أعوان محمود الغزنوي طوال الرحلة، وبذلوا جهداً كبيراً في نيسابور للقبض عليه، لكن أصدقاء بو علي ساعدوه لمغادرة المدينة سالمًا. انطلق بو علي وأصدقاؤه غربًا من نيسابور ووصلوا إلى مدينة غرغان في أوائل الربيع.
كان مطلع الربيع، وكان الإيرانيون يحتفلون ويرقصون كعادتهم في مثل هذه الأيام، لكن القدر أصاب عائلةً بمصيبةٍ عظيمة. كانت المقبرة تقع عند مدخل مدينة جرجان، وكان على كل غريب ومسافر أن يمر بها لدخول المدينة. عندما اقترب مسافرونا من المدينة، كانت عائلة الفقيد، باكيةً حزينة، تضع أكاليل الزهور بجانب القبر البارد، وتؤدي آخر طقوس دفن فقيدها. كان بو علي ورفاقه غرباء في هذه المدينة، لكن كان من الوقاحة لو غفلوا عن العائلة المفجوعة ولم يشاركوا في مراسم الجنازة بقراءة الفاتحة.
تقدم المسافرون الثلاثة المرهقون والمتألّمون وقرأوا سورًا قصيرة من القرآن الكريم بجانب القبر، سائلين الله الرحيم المغفرة والسعادة لروح المتوفى. وضع حفار القبور الجثمان في القبر، ونزع طرف الكفن عن وجه المتوفى، ثم نهض هو نفسه وأخذ شواهد القبور بين ذراعيه ليضعها على القبر، وغطاها بأكوام من التراب. أثّر بكاء وأنين أصحاب العزاء على قلوب كل من سمع، وجعل الدموع تنهمر لا إراديًا.
في اللحظة الأخيرة، وبينما كان حفار القبور يضع حجرًا أسود على القبر، سُمع صوت رجل رنان، لكنته غير مألوفة للآخرين.
قال الغريب:
"توقف عن العمل... تنحّى جانبًا... هذا الرجل لم يمت بعد"
فجأة توقف العويل، وسكت النحيب في الحناجر، وحدقت عيون المعزين الحمراء الدامعة في وجه الغريب الذي نطق بهذه الكلمات. كان رجلاً في الرابعة والثلاثين من عمره تقريبًا، وخلفه رجلان آخران.
بعد صمت قصير، واصل حفار القبور عمله بلا مبالاة، لكن صوت الرجل الغريب عاد ليقول بنبرة حازمة و جريئة:
"ألم تسمعني؟!" قلت: "توقف عن العمل، هذا الرجل ما زال حيًا. أزل الحجر وساعدنا على إخراجه من القبر."
فترددٌ قصير قد يُفسد العمل.
رفع حفار القبور، الذي كان نصفه خارج القبر، رأسه ببطء ونظر إلى بو علي بنظرة باهتة وغير مبالية، ثم نظر إلى المعزين بشك. ظن أنه صادف مجنونًا.
في هذه اللحظة، تقدم أحد الشابين الواقفين خلف بو علي وقال للمجموعة المذهولة والمرتبكة لن تعرف ماذا تصنع: هذا الرجل لا يتكلم هراءً، ولا يخطئ. إذا قال إن هذا الرجل لم يمت، فهو يقول الحقيقة وسيُظهر لكم صدق كلامه. لماذا تقفون هناك مذهولين ومتحيرين؟! ألم تسمعوا!... مع كل لحظة تمر، يزداد علاج المريض صعوبة، وقد يكون مستحيلاً.
بهذه الكلمات، بدأت ضجة بين الحاضرين، وبدأ الجميع العمل، وبأمر بو علي، الذي لم يكن سوى غريب عنهم، نقلوا الجثة من القبر الضيق إلى غرفة قريبة، ووقفوا يراقبون بقلق وخوف وأمل. كانت أنفاسهم خافقة وأفواههم جافة من شدة الإثارة.
بدأ فحص وعلاج المريض المكفوف بفتح الجفون وفحص تجويف العينين وعضلات الحلق وحركة النبض ونبض القلب، ثم تلا ذلك بضع ضربات على الظهر والجانب والصدر، مع فرك منطقة القلب والضغط عليها، ثم النقر عليها وأخذ عينة دم منه بشكل متقطع.
بدأ المريض يتنفس ببطء، ومع استمرار الفرك والضغط دون توقف وأخذ قطرات دم، بدأت جفونه تتحرك تدريجيًا. لم تكن عيناه قد انفتحتا تمامًا عندما تعجب لرؤية جميع أفراد عائلته مجتمعين بجانب سريره، في حالة من الدهشة، فسأل ببطء:
"ماذا حدث؟ ماذا تفعلون هنا؟ من هذا الرجل؟ لماذا أنا هنا؟".
لم يستطع أحد الكلام...
أجاب بو علي ببطء:
"كنت مريضًا وعالجتك. أصبت بسكتة دماغية. واحدة من تلك السكتات الدماغية التي يمكن الخلط بينها وبين الموت بسهولة، وإذا لم تُعالج في الوقت المناسب، ستؤدي إلى الوفاة. يجب أن تتحلى بالصبر، فهذا العلاج ليس إلا البداية. استمع جيدًا وافعل ما أقوله بشكل صحيح. يجب أن تتكلم أقل وتكون أكثر هدوءًا لبضعة أيام..."
لم ينتهِ أبو علي من كلامه بعد عندما دخل حفار القبور الغرفة وقفز فجأة وركض بجنون في كل اتجاه، قائلاً لكل من يصادفه من معارف وغرباء:
يوم القيامة!... القيامة!... يوم القيامة قد جاء!...
أيها الناس، والله أنا أصدق في كلامي، يوم القيامة اليوم؛
قام الميت من القبر!.......... قام الميت من القبر!
انتشرت هذه الإشاعة بسرعة في المدينة. تحدث الناس عن ساحر غريب نزل على القبر في رمشة عين، وأشار بأطراف أصابعه إلى جانب الميت الذي كان داخل القبر وتحت حجر القبر، وقال:
"قم!"...
وفي تلك اللحظة قام الميت من القبر وبدأ يمشي!... ثم اختفى الساحر، الذي كان برفقة مساعدين، وأغمي على حفار القبور من الخوف ثم جن جنونه، وهو يصرخ باستمرار:
"يوم القيامة!"... "يوم القيامة!"
انتشر هذا الخبر و وصل إلى أبي محمد الشيرازي. كان أبو محمد تاجرًا بارزًا في جرجان، وعالمًا يُشجع العلماء، لكن ابنته "آرزو" ذات اللسان المعسول، كانت تعاني من المرض والحمى لفترة من الزمن، وبسبب خوفه من الأطباء، لم يسمح لأي طبيب بفحصها أو علاجها.
ازدادت "آرزو" ألمًا وضعفًا يومًا بعد يوم، وجلس الأب بجانب ابنته الوحيدة في يأس تام، قلقًا على حالتها. في هذه الأثناء، دخل عدد من أقاربها وأصدقائها، وبحماس ممزوج بالخوف والدهشة، رووا قصة إحياء الموتى في أبهة واستعراض.
رفعت الفتاة المريضة رأسها من سريرها واستمعت إلى هذه الكلمات بفضول.
قال أبو محمد الشيرازي باشمئزاز وشوق:
"ما هذه الكلمات التي تقولها؟ من هو الساحر والمُشعوذ؟ ما معنى إحياء الموتى؟ كل هذه أكاذيب. لماذا تُصدقونها؟".
قال من حوله:
گالمدينة كلها في ضجة واضطراب، الجميع يتحدث عن طبيب مجهول أعاد ميتًا إلى الحياة بالسحر".
قال أبو محمد بحدة واحتج:
"لا أفهم شيئًا! لا يمكن أن يكون الطبيب ساحرًا!... قصة الساحر والطبيب هي قصة ماء ونار. يجب أن نفهم جوهر القصة... هذا الطبيب الذي تسميه ساحرًا وطاردًا للأرواح الشريرة هو بلا شك رجل حكيم وذكي، وكان يعلم أن أطباء هذه المدينة الجهلة والمتغطرسين لن يتركوه وشأنه وسيسببون له المعاناة والمتاعب.
لذلك اختبأ في زاوية حتى تتضح الحقيقة ويهدأ غضب الناس واضطرابهم... يجب أن تبحث عنه وتجده وتجلبه إليّ بكل احترام وتقدير. اذهب وانظر حول تلك المقبرة؛ لأنها المكان الوحيد الذي يخافه الناس ولن يذهبوا إليه طويلًا".
أثارت قصة الطبيب الساحر حماس آرزو. ظلت تسأل والدها أسئلة غريبة. رأى أبو محمد الوضع على هذا النحو، فقال بأمل وفرح وبنبرة طفولية:
"يا ابنتي، هل ترغبين في رؤية هذا الطبيب المجهول؟ أعتقد أن هذا الرجل مختلف عن أولئك "الأوغاد القذرين" الذين يعتبرون أنفسهم "أطباء العالم أجمع".
فتحت آرزو عينيها وأجابت ببطء:
"إذا لم يكن من جرجان ولا يعطيني أدوية مُرّة، فلا يأتي أحد غيره معه".
فجأة، قفزت والدة آرزو، التي كانت جالسة في هدوء وسكينة حتى تلك اللحظة، وصرخت خائفة وغاضبة: لا!.. هذا غير ممكن!.. لن أسمح لساحر وطارد أرواح بلمس ابنتي الحبيبة!.
قال أبو محمد:
"ما هذا الغليان يا امرأة؟! الآن وقد اختفى هذا الرجل ولم يستطع أحد الوصول إليه... لكن إن وجدوه وأحضروه إلى هنا، فسنجربه أولًا ونطلب منه أن يعرف ألمها ويعالجها دون فحصها".
لم يتردد أبو علي في التواجد بجانب مرضاه. حالما علم بمرض آرزو، ورغم أن حياته قد تكون في خطر، سارع إلى منزل أبي محمد الشيرازي.
في غرفة واسعة يفصلها عن الغرفة المجاورة حيث يوجد ستار طويل وسميك، كانت مجموعة تجلس وتتحدث مع الرجل الذي عرفوه ساحرًا ومشعوذًا حتى ساعة مضت، يطلبون منه أن يعرف مرضهم الكبدي ويعالجه دون فحصهم، لأن الفتاة كانت تنفر وتخشى الأطباء والأدوية والمعاملة القاسية.
قال أبو علي:
"هل يمكنك إدخالها خلف الستار وتقريب المريضة من الستار لأقيس نبضها بنفس الستار؟".
والدة المريض، التي كانت لا تزال تعتبر هذا الطبيب ساحرًا ماكرًا ولا تريد أن تصل يده إلى يد ابنتها حتى من خلال الستار، فكرت في خدعة وأصدرت أمرًا غريبًا للخدم.
بعد دقائق، وبينما كان صوت ضحكات الأطفال يُسمع، لفّوا يدًا في الستار وقدموها وقالوا:
"هيا! افحص، المريض هنا".
تقدم الطبيب وأخذ نبض المريض من خلف الستار، وفجأة أصبح وجهه مشوشًا ولونه أحمر. نظر إلى أبي محمد الشيرازي بشوق وقال بصوت عالٍ:
"لقد فُصل هذا المريض عن سرير الولادة قبل لحظات، ورغم حجمه، فقد أصبح ضعيفًا وهزيلًا، لكنه ليس مريضًا جدًا. يكفي فأران سمينان أو ثلاثة لتقويته".
عند سماع هذه الكلمات، امتلأت وجوه أهل المنزل وغيرهم بالغضب والكراهية. برزت عروق رقبته، واحمرّت عيناه، وقبضتاه مشدودتان، وزمجر أبو محمد قائلًا:
"قالوا إنك ساحر... لكنني الآن أرى أنك لست سوى دجال ومخادع. اخرج من منزلي بسرعة ولا تُعرني مزيدًا من العار."
أخفض الطبيب رأسه، وكان على وشك المغادرة عندما سمع فجأة صوتًا رقيقًا من خلف الستار يقول:
"أبي، الطبيب صادق. النبض الذي أعطوه له كان نبض قطة جارنا التي أنجبت خمسة صغار اليوم، والفأر هو دواء مرضه، وليس مرضي أعيدوه لنا".