البث المباشر

الحصار البحري.. استراتيجية باهظة الكلفة وعديمة الجدوى

السبت 18 يوليو 2026 - 20:12 بتوقيت طهران
الحصار البحري.. استراتيجية باهظة الكلفة وعديمة الجدوى

يُعدّ الحصار البحري أبرز الأدوات التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي ضمن سياسة "الضغط الأقصى" الهادفة إلى تشديد المواجهة مع ايران.

وقد استند هذا التوجه إلى محاولة تقييد صادرات النفط الإيرانية، وتقليص عائداتها من العملات الأجنبية، وصولاً إلى دفع طهران لتغيير سلوكها والتراجع عن مواقفها الاستراتيجية.

تقوم هذه المقاربة على فرضية أن تعطيل طرق التجارة البحرية الإيرانية أو الحد منها سيؤدي إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني، بما يفتح المجال أمام انتزاع تنازلات سياسية. إلا أن تجارب السنوات الماضية، إلى جانب تقييمات العديد من الخبراء والمحللين الدوليين، أظهرت أن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها المعلنة، بل أفرزت تداعيات تجاوزت حسابات واضعيها، وأثرت بصورة مباشرة في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

وفي هذا السياق، اعترفت قناة "كان" الإسرائيلية بعدم جدوى سياسة الحصار البحري ضد إيران، مؤكدة في تقرير لها أن هذه السياسة لن تحقق أهدافها. وأشارت القناة إلى أنه "على الرغم من فرض حصار بحري على إيران، استمرت الاضطرابات في سوق النفط، وارتفعت الأسعار"، في إقرار واضح بأن الضغط على إيران لم يحقق الأهداف الاستراتيجية التي سعت إليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل انعكس سلباً على الأسواق العالمية.

ويكمن السبب الرئيس وراء هذا الإخفاق في الموقع الجيوسياسي الفريد الذي تتمتع به إيران، إذ تقع في واحدة من أكثر المناطق الجيو-اقتصادية حساسية في العالم، وتشرف على جزء مهم من مضيق هرمز، الشريان الأهم لنقل الطاقة عالمياً. ويعبر هذا المضيق يومياً جزء كبير من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي توتر أو اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد.

ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض حصار بحري على إيران تؤثر حتماً في أمن هذا الممر البحري الدولي، وهو ما يضع هذه الاستراتيجية أمام تناقض جوهري؛ فبينما تسعى إلى الحد من صادرات الطاقة الإيرانية، فإنها في الوقت نفسه ترفع مستوى المخاطر في سوق الطاقة العالمي.

وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط، وزيادة أجور الشحن البحري، وتراجع ثقة المستثمرين، وارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية. وبعبارة أخرى، فإن تشديد الضغوط على الممرات البحرية الإيرانية لا ينعكس على إيران وحدها، بل يفرض أعباءً متزايدة على الاقتصاد العالمي بأسره.

وأثبتت تطورات سوق الطاقة خلال السنوات الأخيرة أن مجرد تداول أنباء عن تصاعد التوتر في الخليج الفارسي أو احتمال تعطل الملاحة البحرية كان كفيلاً بإحداث تقلبات ملحوظة في أسعار النفط. ولذلك، فإن فرض حصار بحري على دولة تحتل موقعاً محورياً في معادلات الطاقة العالمية لا يمكن اعتباره إجراءً موجهاً ضد طرف إقليمي فحسب، بل إن آثاره تمتد سريعاً إلى الأسواق الدولية، لتطال الدول المستوردة للطاقة أيضاً.

وفي المقابل، أخطأ صناع القرار في الولايات المتحدة في تقدير قدرة إيران على التكيف مع العقوبات. فقد أظهرت أكثر من عقدين من العقوبات المكثفة أن الجمهورية الإسلامية استطاعت تطوير آليات متعددة للحفاظ على تجارتها الخارجية واستمرار صادراتها النفطية، فضلاً عن ابتكار وسائل للالتفاف على القيود المالية واللوجستية.

وشملت هذه الآليات تنويع مسارات التصدير، واعتماد وسائل نقل مختلفة، وتعزيز التعاون مع شركاء اقتصاديين من خارج المنظومة الغربية، وزيادة مرونة شبكات التجارة الخارجية، وهو ما حال دون توقف صادرات النفط الإيرانية بصورة كاملة، رغم الضغوط الاقتصادية التي تكبدتها البلاد.

وفي المقابل، تكبد الاقتصاد العالمي مراراً كلفة هذه السياسة، سواء من خلال ارتفاع أسعار النفط، أو زيادة تكاليف النقل البحري والتأمين.

ومن الناحية الاستراتيجية، يواجه تنفيذ الحصار البحري تحديات كبيرة، إذ يتطلب انتشاراً عسكرياً دائماً، وقدرات لوجستية هائلة، وتنسيقاً واسعاً مع الحلفاء، فضلاً عن تحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وفي منطقة شديدة الحساسية أمنياً مثل الخليج الفارسي، قد يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى أزمة واسعة النطاق، لن تقتصر تداعياتها على إيران والولايات المتحدة، بل ستمتد إلى مصالح اقتصادية لدول عديدة حول العالم.

كما أن سوق الطاقة العالمية بات اليوم أكثر هشاشة مما كان عليه في السابق، في ظل الأزمات الجيوسياسية، والحروب، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، الأمر الذي قلص قدرة السوق على استيعاب صدمات جديدة. ولذلك، فإن أي إجراء يستهدف أحد اللاعبين الرئيسيين في سوق الطاقة قد يطلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية الدولية.

ومن هذا المنطلق، تتعامل العديد من الدول المستوردة للطاقة بحذر مع أي تصعيد في منطقة الخليج الفارسي، خشية أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.

ويأتي اعتراف وسائل إعلام إسرائيلية بفشل سياسة الحصار البحري ليعكس هذه الحقيقة؛ فحين تقر وسائل إعلام مقربة من الاحتلال بأن الحصار لم ينجح في وقف صادرات النفط الإيرانية، بل أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، فإنها تعترف عملياً بفشل أحد أهم مرتكزات هذه الاستراتيجية، وبأن التقديرات الأولية لإمكانية ممارسة ضغط أحادي على إيران لم تكن منسجمة مع الحقائق الجيوسياسية للمنطقة.

وفي المحصلة، تحولت سياسة الحصار البحري إلى عامل يزيد من حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي أكثر من كونها أداة لتغيير السلوك الإيراني. فارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة أجور النقل البحري، وتقلب أسعار النفط، واضطراب الأسواق المالية، كلها نتائج مباشرة لهذا النهج، بينما تتحمل الدول المعتمدة على استيراد الطاقة النصيب الأكبر من هذه الأعباء.

وتؤكد تجربة السنوات الماضية أن سياسة "الضغط الأقصى"، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الحصار البحري، لم تحقق أهدافها المعلنة. فقد تمكنت إيران، بفضل موقعها الجيوسياسي، وخبرتها الطويلة في مواجهة العقوبات، وابتكارها آليات بديلة في التجارة الخارجية، من إدارة جانب كبير من هذه الضغوط، في حين تكبد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة كلفة هذه السياسات.

ومن هذا المنظور، فإن الحصار البحري على إيران يبدو أقرب إلى نموذج لاستراتيجية تجاوزت كلفتها مكاسبها. فكلما تصاعد الضغط على الممرات البحرية الإيرانية، ارتفعت احتمالات اضطراب سوق الطاقة العالمية، وهي حقيقة باتت حتى وسائل إعلام إسرائيلية تقر بها.

ولذلك، يبدو أن هذه السياسة لن تقود إلى تغيير حسابات طهران، بقدر ما ستؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي، وإثقال كاهل الدول والمستهلكين المعتمدين على الطاقة في مختلف أنحاء العالم.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة