البث المباشر

"القائد الشهيد" (5)

الثلاثاء 7 يوليو 2026 - 09:08 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الخامسة- نتناول في هذه الحلقة روايات تمتد من لبنان والعراق إلى اليمن وفلسطين؛ روايات تُظهر كيف أصبح القائد الشهيد في نظر بعض التيارات والقادة في المنطقة، رمزا لمفاهيم مثل المقاومة، الاستقلال والصمود لا مجرد شخصية سياسية.

هل يمكن لفكرةٍ ما أن تتجاوز حدود دولةٍ معينة ، لتصبح جزءاً من الذاكرة والتجربة المشتركة لشعوبٍ أخرى؟

في هذه الحلقة التي ستكون الأخيرة، ننتقل إلى روايات تمتد من لبنان والعراق إلى اليمن وفلسطين؛ روايات تُظهر كيف أصبح القائد الشهيد  في نظر بعض التيارات والقادة في المنطقة، رمزاً لمفاهيم مثل المقاومة والاستقلال والصمود لا مجرد شخصية سياسية .

على مدى قرون من تاريخ منطقة غرب آسيا، وُلدت الأفكار الكبرى أولاً كتصوراتٍ فكرية، ثم تحولت تدريجياً إلى سلوكٍ جماعي للشعوب. وأحياناً، تعبر كلمة أو رؤية أو إطار فكري الحدودَ الجغرافية، لتجد معناها بين شعوبٍ عاشت تجارب متشابهة من الضغوط والظلم . وفي مثل هذه اللحظات، تتجاوز الفكرة حدود الخطاب لتتحول إلى ثقافة .

وقد مرّت الإشارة في الحلقات السابقة إلى أن كثيراً من المراقبين يرون أن جانباً مما يُعرف اليوم بـ«ثقافة المقاومة» في المنطقة، ليس نتاج التطورات الميدانية وحدها، بل تعود جذوره إلى مجموعة من التوجيهات والأطر الفكرية التي طُرحت على مدى سنوات من قبل قادة إيران . وهي توجيهات ألهمت جماعات وتيارات مختلفة في بلدان متعددة، وأسهمت في تشكيل رؤية مشتركة حول الصمود والاستقلال.

ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن ما نشهده اليوم في أجزاء مختلفة من المنطقة لا يشبه بنيةً مركزية موحدة، بل هو أقرب إلى شبكة من التجارب المحلية؛ تجارب تشكلت في العراق ولبنان وسوريا واليمن وفق ظروف كل مجتمع ، لكن بعضها تأثر بالبعض الآخر على المستوى الفكري .

وفي هذا السياق، تبرز أسماء ارتبطت أكثر من غيرها برواية هذا المسار مثّلت شخصيات أصبحت بالنسبة لكثير من الناشطين في هذه التيارات رموزاً لطريقٍ معين. بعضهم أمضى سنوات طويلة في ميادين الفكر والسياسة، وبعضهم الآخر أصبح يُعرف كقائدٍ ارتبطت حياته في ذاكرة أنصاره بمفهوم «الشهادة» .

وفي هذه الحلقة الأخيرة ، سننطلق من هذه النقطة تحديداً؛ من المكان الذي تتقاطع فيه الروايات، وتُختبر فيه الأفكار على أرض الواقع، ويبرز فيه اسم «القائد الشهيد» بين هذه القصص.

كيف تشكل هذا المسار؟ ومن الذين واصلوا السير فيه؟ ولماذا أصبح بالنسبة لكثير من شعوب المنطقة رمزاً لتجربةٍ مشتركة؟.

هذا ما سنتناوله في هذه الحلقة.

فكونوا معنا

عندما نتحدث عن الموقع الفكري والقيادي للإمام الشهيد في المنطقة، فربما لا توجد شهادة أكثر إضاءة من روايات أولئك الذين كانوا في الصفوف الأمامية للأحداث. ومن بين جميع هذه الشخصيات ، يبرز اسم واحد أكثر من غيره ، وهو السيد حسن نصر الله رحمه الله ؛ الشخصية التي كانت لسنوات طويلة في قلب أكثر معادلات غرب آسيا تعقيداً .

لقد تجاوزت العلاقة بين هذين الزعيمين حدود العلاقات السياسية أو الدبلوماسية التقليدية. وتعود بداية هذه المعرفة المباشرة والوثيقة إلى عام 1986، وهو العام الذي شهد لقاءات عديدة ومكثفة، أتاحت للسيد حسن نصر الله التعرف بصورة أعمق إلى أفكار آية الله العظمى الخامنئي ومبادئه الفكرية وأسلوبه في تحليل الأحداث واتخاذ القرارات.

وقد وصف السيد حسن نصر الله هذه المعرفة قائلاً:

«لقد قرأت معظم كتبه، وتابعت تقريباً جميع مؤلفاته وحواراته وخطاباته منذ رحيل الإمام الخميني وحتى اليوم، كما استمعت إلى عدد كبير من دروسه الفقهية المسجّلة.»

وانطلاقاً من هذه المعرفة الطويلة والوثيقة، قدّم نصر الله صورةً شاملة عن شخصية آية الله العظمى الخامنئي؛ صورةً تجمع بين الصفات الأخلاقية مثل التواضع والصبر وسعة الصدر والبساطة في العيش، وبين التمكن العلمي والفقهي والقدرة على التجديد الفكري. ومن وجهة نظر نصر الله، فإن هذه الصفات تعكس قيادةً تمتلك رؤيةً شاملة وعميقة وثابتة تجاه قضايا العالم الإسلامي.

غيرَ أن عمق هذا الارتباط الفكري والروحي يظهر في عبارات تتجاوز التحليل العلمي والسياسي . ففي أدبيات المقاومة اللبنانية ، هناك عبارة شهيرة للسيد حسن نصر الله أصبحت واحدة من أبرز الدلالات على طبيعة هذه العلاقة، إذ قال:

«أنا لا أدعو الله أن ينقص من عمري ويزيد في عمر سماحة القائد ، بل أقول: يا الله، خذ ما تبقى من عمري وأضفه إلى عمره، لأنه هو العمود الذي تقوم عليه الخيمة.»

تعكس هذه العبارة اعتقاداً سائداً لدى جزء من القاعدة الاجتماعية للمقاومة في لبنان، مفاده أن بقاء هذه الفكرة واستمرار هذه القيادة يمثلان عاملاً حيوياً في الحفاظ على توازن القوى وصون المصالح المشتركة لشعوب المنطقة في مواجهة التهديدات. ومن وجهة نظرهم، فإن هذه العلاقة لم تُبنَ على تعليمات إدارية أو تنظيمية، بل على جاذبية أخلاقية وعلمية وإيمانية.

بعد استعراض رؤية السيد حسن نصر الله، التي استندت إلى معرفته الشخصية والطويلة الأمد، يمكننا الآن الانتقال إلى نموذجٍ آخر من أصداء هذه الرؤية في المنطقة، وهذه المرة من اليمن .

فقد أصدر المكتب السياسي لحركة أنصار الله بياناً قدّم فيه التعازي باستشهاد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، واصفاً إياه بعبارات من قبيل «قائد المستضعفين في العالم».

وجاء في البيان أن سيرته ومسار حياته يمثلان، من وجهة نظر الحركة، مساراً حافلاً بالدروس والتجارب بالنسبة لأولئك الذين يرون أنفسهم جزءاً من تيار المقاومة في المنطقة.

وأضاف البيان أن دور هذه الشخصية ومكانتها لا يُنظر إليهما، من منظور الحركة، في الإطار الإيراني فحسب، بل بوصفها شخصية يمتد تأثيرها إلى نطاق أوسع .

إن هذا النوع من الانطباعات، إلى جانب ما استعرضناه سابقاً من أقوال السيد حسن نصر الله، يُظهر أن هناك في بعض أنحاء المنطقة صورةً خاصة لمكانة القيادة الإيرانية؛ صورة يعبّر عنها كل تيار من زاوية تجربته الخاصة وفهمه للأحداث. وإذا كانت لبنان واليمن قد قدما بعض الروايات عن نظرة بعض التيارات الإقليمية ، فإن العراق بدوره شهد ردود فعل اتسمت بنبرة مشابهة .

فقد أصدر السيد عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة الوطني العراقي، بياناً أعرب فيه عن حزنه لاستشهاد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، مقدماً التعازي إلى الأمة الإسلامية وإلى ما وصفه بـ«محبي الحق والباحثين عنه في جميع أنحاء العالم».

وأشار البيان إلى مسيرةٍ قال إنها اتسمت بسنواتٍ طويلة من النشاط العلمي والديني والحضور في مختلف الساحات. كما وصف عمار الحكيم شخصية الإمام الخامنئي بأنها «رمز للعلم والدين» و«تجسيد للصبر والثبات»، مؤكداً أن حياته أُمْضِيت في طلب العلم ونشر المبادئ الإسلامية ومتابعة قضايا الأمة.

وتُظهر هذه التوصيفات أن جزءاً من المشهد السياسي والديني في العراق كوّن هو أيضاً صورةً خاصة عن مكانة هذه الشخصية ودورها ؛ صورةً تؤكد على قيم الصمود والثبات والربط بين العلم الديني والعمل الاجتماعي.

ومن خلال وضع هذه الروايات جنباً إلى جنب – من لبنان إلى اليمن، وصولاً إلى العراق – يمكن أن نلاحظ كيف أن كل تيار يقدّم، من خلال تجربته ورؤيته الخاصة، تعريفاً لمكانة هذه الشخصية ودورها في تحولات المنطقة.

لكن هذه الروايات لم تقتصر على جغرافيا معينة. فبعد موجة الرسائل والبيانات الصادرة من جنوب لبنان وبغداد وصنعاء، وصلت أصداؤها إلى فلسطين أيضاً؛ حيث ارتبط اسم آية الله العظمى الخامنئي لسنوات طويلة، في الخطاب السياسي لبعض الفصائل ، بقضية القدس والدفاع عن فلسطين .

وبالنسبة إلى كثير من هذه التيارات، فإن تطورات المنطقة تُفهَم دائماً في سياق ارتباطها بالقضية الفلسطينية، ولذلك كان من الطبيعي أن تُسمع أصواتٌ من هذه الساحة أيضاً ضمن ردود الفعل المعلنة.

وفي هذا الإطار، أصدرت حركة المجاهدين الفلسطينيين وجناحها العسكري بياناً قدّما فيه التعازي باستشهاد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي. وتحدث البيان عن مسيرةٍ وصفها بأنها حافلة بالنشاط والحضور السياسي والفكري ، و التضحية والجهاد.

كما أشار البيان إلى أنه ، وعلى مدى عقود من وجوده في موقع القيادة في إيران، كان يُنظَر إليه – من وجهة نظر الحركة – بوصفه أحد الداعمين للقضية الفلسطينية، وأنه كرر في خطاباته ومواقفه الدفاعَ عن حقوق الشعب الفلسطيني وقضية القدس. ولهذا السبب، ارتبط اسمه في أدبيات البيان بمفاهيم مثل نصرة المستضعفين ودعم الشعب الفلسطيني.

كما أشار البيان إلى النهج السياسي والفكري لآية الله العظمى الخامنئي، معتبرين أن هذا النهج كان – من وجهة نظرهم – في مواجهة السياسات الأمريكية وبعض المشاريع الإقليمية. وفي هذه الرواية ، قُدِّم بوصفه شخصية وقفت في وجه ما وُصف بـ«الهيمنة والضغوط الخارجية».

وفي ختام البيان، تم التأكيد على أن مثل هذه الأحداث لن تؤدي، من وجهة نظر الحركة، إلى أي تغيير في مسارها أو مواقفها، وأنها ستبقى ملتزمة بمواصلة الطريق الذي تسميه «طريق المقاومة» .

إن مجمل هذه المواقف – من لبنان والعراق إلى اليمن وفلسطين – يُظهر أن بعض التيارات الإقليمية تحمل تصوراً مشتركاً بشأن مكانة هذه الشخصية ودورها؛ تصوّراً ترويه كل جماعة بلغتها الخاصة ومن خلال تجربتها السياسية .

وعندما نضع هذه الأصوات جنباً إلى جنب، فإننا لا نواجه رواية واحدة موحدة، بل مجموعة من الرؤى التي خرجت كل واحدة منها من رحم تجربة تاريخية خاصة. فبالنسبة للبعض، اكتسبت هذه المكانة معناها من خلال سنوات طويلة من العلاقات والتفاعلات السياسية. وبالنسبة لآخرين، تشكلت في إطار التحولات الميدانية والصراعات الإقليمية.

أما بالنسبة لفئة ثالثة، فقد ارتبطت بالقضية الفلسطينية ومفهوم الدفاع عنها. وكل رواية تعكس في النهاية ظروف المجتمع الذي انطلقت منه وهواجسه.

واللافت للنظر، وعلى الرغم من اختلاف المفردات والنبرات في هذه البيانات، أن ثمة تأكيداً مشتركاً على وجود تأثير يتجاوز حدود الدولة الوطنية. وكأن الصورة المقدمة عن القائد الشهيد الخامنئي لا تقتصر على كونه مسؤولاً رسمياً في دولة معينة، بل تتجاوزه ليصبح – في أذهان بعض التيارات – جزءاً من معادلات إقليمية أوسع.

ولعل أهمية هذه المجموعة من ردود الفعل تكمن في هذه النقطة بالذات؛ فهي تُظهر كيف يمكن للشخصيات السياسية في غرب آسيا أن تؤدي اليوم أدواراً تتجاوز الأطر الرسمية في الروايات المختلفة. وسواء اتفقت هذه الروايات أو اختلفت، فإنها تشكل جزءاً من المشهد السياسي المعقد في المنطقة، وهو مشهد لا يكتمل فهمه من دون الاستماع إلى جميع هذه الأصوات.

وفي نهاية هذا المسار، فإن أكثر ما يلفت الانتباه هو تعدد الروايات وتنوعها. ومن خلال هذه الروايات يمكن فهم أن مكانة آية الله العظمى الخامنئي، في نظر بعض التيارات الإقليمية، ليست مجرد مكانة سياسية، بل هي نتاج تداخل التجربة والذاكرة والعلاقة التي نسجها مع التطورات المتوترة في غرب آسيا . وربما تكمن أسباب بقاء هذه الصورة في أذهانهم في هذه الطبيعة المركبة والمتعددة الأبعاد.

لقد كانت الرواية التي تابعناها معاً خلال هذه الحلقات الخمس محاولةً لرسم صورة أكثر اكتمالاً للقائد الشهيد؛ صورة لا تتشكل داخل الحدود الرسمية لدولة واحدة فحسب، بل أيضاً في الأذهان والروايات المتنوعة.

لقد بدأنا باستعراض الخلفيات التاريخية والفكرية ، وتناولنا العلاقة بين الدين والسياسة، وتحدثنا عن مفهوم «ثقافة المقاومة» وكيف يمكن لفكرةٍ ما أن تتحول إلى سلوك اجتماعي.

ثم مررنا بالتجارب الميدانية والتحولات الإقليمية، وصولاً إلى تلك الرؤى التي تشكلت خارج إيران، وهي رؤى فسّرت هذه الشخصية كلٌّ من زاويتها الخاصة.

وخلال هذا المسار، حاولنا أن نضع الروايات جنباً إلى جنب بدلاً من إصدار الأحكام، وأن نبرز الأسئلة بدلاً من التسرع في الوصول إلى النتائج.

واستمعنا إلى الطريقة التي يتحدث بها بعض القادة والتيارات الإقليمية عن تجاربهم الشخصية والسياسية والتاريخية، وكيف يعيدون من خلال هذه التجارب بناء صورة معينة.

ورأينا كيف يمكن لاسمٍ واحد أن يكتسب معاني مختلفة في جغرافيات متعددة؛ فيُنظر إليه أحياناً بوصفه مرجعاً فكرياً، وأحياناً باعتباره مصدر إلهام سياسي، وأحياناً أخرى كرمزٍ في معادلات إقليمية أكبر.

وربما يكون أهم ما خرجنا به من هذا البرنامج هو أن فهم أي شخصية سياسية لا يمكن أن يكتمل من دون النظر إلى سياقها التاريخي والاجتماعي والإقليمي. فلا توجد رواية واحدة تملك الصورة كاملة ، لكن وضع الروايات المختلفة جنباً إلى جنب يقربنا من فهم أعمق .

مستمعينا الكرام

إذا كنتم قد رافقتمونا منذ الحلقة الأولى، فأنتم لم تكونوا مجرد مستمعين لبودكاست، بل كنتم شركاء في تشكيل هذا الحوار؛ فكل قراءة، وكل نقد، وكل سؤال يولَد في أذهانكم، هو امتداد لهذا الطريق.

وهنا نغلق هذا الملف، لكن الموضوع يبقى حياً؛ لأن السياسة والتاريخ في حالة إعادة تعريف مستمرة، ولأن الروايات تكتسب كل يوم طبقاتٍ ومعاني جديدة.

إلى لقاءٍ آخر إن شاء الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة