هذه هي فارس؛ وجهة ساحرة بمبانيها الفريدة، وثقافتها النابضة بالحياة، وشعبها المضياف، كل زقاق فيها يدعوك للسفر.
انضموا إلينا لنفتح أبواب هذا الكنز العريق واحدًا تلو الآخر في الحلقة الأولى من هذه الموسم.
متابعي بودكاست "اكتشف إيران" تحياتي لكم،
كما هي عادتنا في رحلاتنا إلى محافظات إيران، نتوجه هذه المرة إلى أرضٍ ارتبط اسمها بعظمة التاريخ ولطافة الثقافة: وهي محافظة فارس.
في هذا الموسم الجديد، من قلب جنوب إيران، نرافقكم في رحلة إلى محافظة فارس وبيئتها الحيوية؛
من مدينة شيراز العريقة بحدائقها وأزهارها وكرم ضيافة أهلها، إلى المعالم الأثرية والمباني العريقة،
ومن الثقافة والعادات إلى الموسيقى والطعام والحرف اليدوية والطرق السياحية المتنوعة.
هذه الحلقة هي بداية رحلة، حيث يُقدم لكم صوت الشعر وعبير الحدائق، إلى جانب حكايات التاريخ والحضارة، وجهًا حيا لفارس اليوم والأمس.
فاستعدوا لنخطو معًا أولى خطواتنا على أرض فارس، ونكتشف كنوزها المادية والمعنوية، خطوة بخطوة.
ابقوا معنا.
تمتد بلاد فارس القديمة، بارسه، من جنوب إيران إلى شواطئ الخليج الفارسي؛ وهي مهد اللغة الفارسية الوسطى (البهلوية).
في هذه المنطقة، وقبل حوالي عام 558 قبل الميلاد، وُلد كوروش الكبير، ثم أرسى دعائم الإمبراطورية الأخمينية في باسارغاد، شمال بلاد فارس، عاصمةً تروي آثارها اليوم بداية أحد أروع فصول التاريخ الإيراني.
خلال العصر الساساني والقرون الإسلامية الأولى، لم تقتصر "فارس" على حدود فارس الحالية؛ بل امتدت هذه الولاية السياسية إلى مساحة شاسعة:
من فارس الحالية إلى بوشهر وهرمزكان، ومن كهكيلويه وبوير أحمد إلى يزد، وحتى بهبهان في خوزستان. وهي منطقة تُظهر الثقل التاريخي والثقافي لفارس في جغرافية إيران آنذاك.
في الشاهنامه، هذه الملحمة الفارسية العظيمة، ذُكرت كلمة "إيران" أكثر من 720 مرة، وكلمة "إيراني/إيرانيها " أي الإيرانيين حوالي 350 مرة. إلا أن الغرب القديم، وخاصةً اليونان وروما، استخدموا اسم "برسيس" بدلًا من "إيران" لأن أول تعارف لهم مع الإيرانيين كان من خلال الفرس الأخمينيين.
في حين لم تُعتبر "فارس" جغرافيًا آنذاك سوى إحدى ولايات إيران، وفي العصر الإسلامي كانت تُستخدم غالبًا للإشارة إلى المنطقة الجنوبية من البلاد.
بارس أو فارس، تعني الفارس و مالك الخيل، وأسد الغابة، والشجاع. كان الفرس شعبًا آريًا يسافرون بخيولهم وماشيتهم عبر السهول والجبال الاستوائية والباردة.
ليس من الواضح تمامًا وقت وصول الفرس إلى الهضبة الإيرانية. في نقوش ملوك آشور في القرن التاسع قبل الميلاد، وكذلك في مجموعة رسائل من أرشيف ملوك آشور تتعلق بأحداث القرن السابع قبل الميلاد، يُذكر اسم "بارسواش" كإحدى المناطق التابعة لإيلام. يعتقد الباحثون أن "بارسواش" هو على الأرجح نفس اسم "بارس"، وهي علامة تركت آثارًا لهذا الشعب في المصادر القديمة.
مع قيام الدولة الأخمينية، أطلق هذا الشعب على أراضيه اسم "بارسَ"، وهو اسمٌ تحوّل إلى "فارس" في لهجة الحكام العرب بعد الإسلام. سُجّل هذا الاسم (فارس) في النقوش الأخمينية باسم "بارسه"، وفي المصادر اليونانية باسم "برسيس"، كما اشتُقّ اسم "الخليج الفارسي" من اسم هذه المنطقة.
مع صعود الأخمينيين، أصبحت فارس قلب الإمبراطورية؛ حيث شُيّدت القصور والمراكز الحكومية بخبرة مهندسين وفنانين مرموقين، وحظيت الثقافة والحضارة الإيرانية بمكانة عالمية مرموقة.
استمر هذا المجد خلال العصر الساساني: فبعد حكم أردشير باباكان، وضع تيسفون أولاً، ثم شيراز، في مركز السلطة. خلال هذه الحقبة، شهدت العمارة والتخطيط العمراني الإيراني تغييرات كبيرة، وخاصة في فارس، ولا تزال آثار تلك الحقبة، من المباني ومعابد النار إلى النقوش الصخرية، باقية في كل ركن من أركان المقاطعة، تروي قصة استمرارية الدولة والثقافة الإيرانية.
بعد ذلك، نشهد صعود السلالتين الصفارية والبويهية في هذه البلاد، ومن اللافت للنظر أنهما بذلتا جهودًا أيضًا لتطوير مقاطعة فارس، وأنشأتا منشآتٍ فخمة ووافرة. على سبيل المثال، أمر أعظم أمراء البويهيين في القرن الرابع الهجري عضد الدولة الديلمي، أي قبل أكثر من ألف عام، ببناء " دروازه قرآن " أي بوابة القرآن الكريم الجميلة في مدينة شيراز، مركز مقاطعة فارس، من الحجر والملاط، ووضع فيها مصحفًا ليتبرك منها المسافرون.
مع صعود السلالة الزندية في القرن الثاني عشر الهجري، بلغ عصر ازدهار وتطور مقاطعة فارس ذروته. ولا يزال مجمع سلالة الزند الفريد، الذي يضم سوقًا ومسجدًا وحمامًا وخزان وكيل، معلمًا تاريخيًا من تلك الحقبة في قلب هذه المقاطعة، أي مدينة شيراز.
وفي عهد القاجاريين، كانت محافظة فارس تعتبر واحدة من أكثر الأراضي ازدهارًا وأهمية في إيران، وكانت تعتبر طريقًا يربط بين الخليج الفارسي ووسط إيران.
تقع محافظة فارس تقريبًا في منتصف جنوب إيران، مما يعني أنها تقع من حيث الموقع الجغرافي في الجزء الجنوبي الأوسط من إيران؛ لا في الشمال ولا في أقصى الجنوب، ولكنها قريبة من خط العرض المتوسط لإيران.
هذه المحافظة هي رابع أكبر محافظة في إيران من حيث المساحة. يختلف ارتفاع محافظة فارس فوق مستوى سطح البحر في أجزاء مختلفة من هذه المحافظة. تتكون سهول محافظة فارس من الرواسب النهرية.
يمكن تقسيم هذه السهول وفقًا لموقعها الجغرافي إلى قسمين: الأوسط والغربي، والجنوب الشرقي والشرقي. في الجزء الأوسط، توجد سهول صالحة للزراعة وتستخدم في الغالب لهذا الغرض، ولكن في الجزء الجنوبي الشرقي، يمكن رؤية المزيد من الصحاري والقفار.
توجد في محافظة فارس بحيرات عديدة، تنقسم إلى نوعين: البحيرات المالحة والبحيرات العذبة. من بين البحيرات المالحة، يمكن ذكر بحيرات مهارلو، وبختكان، وطشك، وهيرم؛ ومن بين البحيرات العذبة: بريشان، و أرجن، وبرمشور، وكافتر، وهفت برم، وبحيرة سد درودزان.
تبلغ مساحة البحيرات المالحة في المحافظة حوالي 145,000 هكتار، بينما تبلغ مساحة البحيرات العذبة حوالي 30,000 هكتار.
ومن الأنهار المهمة في محافظة فارس، تجدر الإشارة إلى نهر شادكام، وفهليان، وفيروز آباد، وشِش بير، وبيراب، وسيمكان، وشور جهرم، وشور لار، وموند (مَند).
ينقسم مناخ فارس إلى ثلاثة أنواع: جبلي، ومعتدل، وحار في مختلف أنحاء المحافظة، ويقع حوالي 70% من مساحتها في المناطق الجبلية.
التركيبة الغالبة لجبال فارس هي الحجر الجيري أي كربونات الكالسيوم؛ وقد شكلت الشقوق والمفاصل العديدة في هذه الصخور أساسًا لتكوين منسوب المياه الجوفية.
يتألف الغطاء النباتي في المقاطعة من مزيج من الغابات المتناثرة والنباتات الطبية والصناعية. من بين أنواع الأشجار، نذكر اللوز الجبلي، والبَنه، والبلوط؛ ومن بين النباتات الطبية والصناعية، يُعد عرق السوس، ولسان الثور، والكثبان الرملية، والعود من أبرزها.
تجدر الإشارة إلى وجود العديد من المناطق المحمية في إيران، والتي تُعرف بأنها مناطق موارد طبيعية أُنشئت لضرورة الحفاظ على تكاثر النباتات والحيوانات واستعادتها، ضمن مراعاة حقوق المجتمعات المحلية.
كما تضم محافظة فارس عددًا من المناطق المحمية في إيران، منها حديقة بيمو الوطنية بالقرب من مدينة شيراز. تتميز هذه المنطقة بثروتها النباتية الغنية وأهميتها البالغة ، حيث تم حتى الآن تحديد أكثر من 280 نوعًا من النباتات وأخذ عينات منها.
يمكن أيضًا تصنيف أنواع الحيوانات في محافظة فارس إلى قسمين: الأول هو البيئة الجافة، حيث تشمل أهم الحيوانات في هذه المنطقة الدب البني، والفهد، والخنزير البري، والغزلان، والكبش، والقط البري، والسنجاب، والحمار الوحشي، والغزلان، والضبع، والذئب.
أما القسم الثاني فهو البيئة المائية، حيث تشمل أهم الحيوانات البط، والبجع، والكركي، والإوز، والحجل، وطيور النحام أو الفلامنجو، ونقار الخشب، والغطاس، وطيور الخرشنة.
يتمتع قطاع فارس الاقتصادي بمناخ متنوع ونظام بيئي غني، وهي أيضًا رواية ازدهار من الأرض إلى الصناعة. تُعدّ الزراعة والثروة الحيوانية ركيزتين أساسيتين لاقتصاد المحافظة: من القمح والشعير والذرة إلى الحمضيات والتمر والشمندر والقطن والبطاطس والبصل؛ وبالطبع، المنتجات الفاخرة مثل التين والزعفران.
يحتل العديد من هذه المنتجات المرتبة الأولى على المستوى الوطني؛ ولا سيما تين مدينة استهبان ونيريز اللتين اكتسبتا شهرة عالمية في الإنتاج والتصدير، ورمان نيريز، المعروف بجودته.
في جنوب المحافظة، تتألق مدينة جهرم ببساتينها الشاسعة، وتستحوذ على حصة كبيرة من إنتاج الحمضيات في إيران: يُنتج حوالي ثلث الليمون الإيراني في هذه المدينة، ويذهب جزء منه إلى أسواق آسيا وأوروبا والدول المطلة على الخليج الفارسي.
يُعدّ عصير الليمون والليمون الحامض من جهرم، إلى جانب تمور شاهاني، من النكهات المميزة للمنطقة؛ فلم تُلقّب جهرم بـ"أكبر مدينة بستانية في إيران" عبثًا.
وبحسب الإحصائيات، تحتل فارس المراكز المتقدمة في البلاد في مجموعة من المنتجات:
"المركز الأول في إنتاج القمح والذرة والحبوب والبذور الزيتية والطماطم، والمركز الثاني في محاصيل الحبوب والأعلاف، والمركز الثالث في الشعير والأرز والقطن والشمندر والبطاطس والبصل".
إلى جانب المزايا الزراعية، تشهد فارس نموًا صناعيًا متسارعًا: من صناعة السيارات والبتروكيماويات والتكرير إلى الاتصالات والإلكترونيات؛ ومن الأسمنت والمنسوجات إلى الأدوية والأغذية والألبان والسكر وقصب السكر والمشروبات الغازية وصناعة المطاط.
تُقدم هذه المنطقة المتنوعة صورة واضحة لاقتصاد متعدد الجوانب؛ اقتصاد يعتمد على أرض خصبة وسلاسل صناعية متنامية في آن واحد.
طبيعة فارس جنةٌ لعشاق الطبيعة، ببحيراتها الهادئة وجبالها الشامخة وسهولها الواسعة وشلالاتها الخلابة. تأخذك هذه المناظر الطبيعية المتنوعة في رحلةٍ شيقةٍ ومريحة؛ رحلةٌ تُبرز تنوعَ وجوه بلاد فارس، من صمتِ البحيرات إلى هديرِ المرتفعات.
بحيرة "مهارلو" من أجمل المعالم الطبيعية والأماكن السياحية في هذه المحافظة، وتقع بالقرب من مدينة شيراز. تشتهر هذه البحيرة بلونها الوردي المميز، الناتج عن وجود الملح والطحالب المميزة فيها، ما يجعلها محط أنظار السياح.
تتميز مهارلو بإطلالة جديدة في كل موسم، من انعكاس السماء على سطح الماء الهادئ إلى ظلال المسطحات الملحية الوردية والبيضاء الزاهية. إنها وجهة مثالية للتصوير ومشاهدة المناظر الطبيعية التي تقدم لك صورة مختلفة في كل مرة.
وادي مضيق براق معلم طبيعي آخر في محافظة فارس؛ ممر جبلي ساحر يُشكّل مشهدًا طبيعيًا فريدًا بمنحدراته العالية ونباتاته الوارفة ومياهه المتدفقة.
تتدفق الينابيع الصافية والشلالات الصغيرة عبر الوادي، موفرةً بذلك مساحةً هادئةً وممتعةً للاستجمام والنزهات والمشي لمسافات طويلة وسياحة الطبيعة.
ما يزيد من روعة مضيق البراق هو النقوش الصخرية والتاريخية على جدرانه، الأمر الذي يدل على عراقة هذه المنطقة وأهميتها الثقافية. هنا، ستجدون صورًا مثالية وفرصةً رائعةً للقاء التاريخ والطبيعة في رحلة قصيرة لا تُنسى.
شلال مارغون هو أحد أكبر وأروع الشلالات في فارس، ويقع في قلب منطقة جبلية خصبة قرب سبيدان. وعلى عكس العديد من الشلالات، يتدفق مارغون من قلب الصخرة وينساب عبر عشرات الجداول. إلى جانب ارتفاعه المذهل وكمية المياه الكبيرة يُشكّل النبع المائي ، منظرًا طبيعيًا خلابًا في الجبل.
على بُعد خطوات، يُقدّم سهل أرجن، بمسافة غير بعيدة عن شيراز، مساحةً خلابةً، مروجٌ شاسعة وأزهارٌ زاهية الألوان، خاصةً في فصل الربيع، حوّلت هذا السهل إلى جنةٍ لعشاق الطبيعة. أرجن ليس جميلا فحسب، بل هو أيضًا موطنٌ مهمٌّ للطيور المهاجرة والأنواع المحلية.
في غرب المحافظة، تُعد تنك جوكان، بالقرب من كازرون، مكانًا تتناغم فيه الطبيعة والتاريخ. فالوديان العميقة والجدران الصخرية الشاهقة والمناظر الطبيعية الخضراء تجعل هذه المنطقة وجهة مثالية للمشي لمسافات طويلة وتسلق الجبال.
وإلى جانب هذه المناظر الخلابة، تُضفي النقوش الصخرية والآثار من العصر الساساني سردًا تاريخيًا يتدفق في قلب الطبيعة، تجربة فريدة لمن يرغب في لمس التاريخ والطبيعة في آن واحد.
من المهم أن نذكر أن فارس بصيفها الحار وشتائها المعتدل، تصل إلى ذروتها الممتعة في الربيع؛ حيث إن الهواء المعتدل والمدن الخضراء والطقس اللطيف يجعل هذه المنطقة وجهة شهيرة، خاصة خلال عيد النوروز وشهر أرديبهشت وهو الشهر الثاني من فصل الربيع.
بعد الربيع، يُعد الخريف ثاني أكثر الفصول زيارةً: فالأشجار الصفراء والبرتقالية والهواء المعتدل، الذي لا نرى فيه حر الصيف ولا برد الشتاء، يجعلان من رحلة فارس رحلةً هادئةً وممتعة.
ولكن ليس من الضروري أن تقتصر زيارة فارس على الربيع والخريف، بل تضمّ أيضًا العديد من المجمعات السياحية لعشاق الشتاء، منها منتجع سبيدان للتزلج، الذي يتميز بأجواءٍ مختلفةٍ شتاءً، ويعجّ بالسياح الذين يقضون العطلة الشتوية في هذه المحافظة.
وبعيداً عن الطبيعة، فإن أهم ما تتميز به فارس هو معالمها التاريخية والدينية. تاريخها العريق وموقعها في جنوب إيران جعلا منها واحدة من أروع الأماكن في البلاد؛ وخاصة في شيراز، حيث يتلألأ إرث العصور التاريخية المختلفة كالمجوهر. في الحلقات القادمة، سنتعمق في هذا التاريخ ونروي أبرز المعالم والمزارات العريقة في هذه الأرض.
حسناً أيها الأصدقاء، وصلنا إلى نهاية رحلتنا الأولى إلى محافظة فارس، ورأينا في هذه الحلقة كيف تجلّت أمام أعيننا صورةٌ موجزةٌ لأرض فارس، من جذور "بارسه" إلى السهول والبحيرات، مروراً بسردٍ عن مجد السلالتين الأخمينية والساسانية؛ أرضٌ توحّد فيها التاريخ والطبيعة والاقتصاد المعاصر.
نواصل رحلتنا في قلب شيراز وضواحيها، لنزور تراث هذه الأرض العريق:
"من باسارغاد وبرسيبوليس إلى نقش رستم، والآثار والمزارات الدينية".
حافظوا على تواصلكم معنا عبر موقع إذاعة طهران وهو arabicradio.ir وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ولا تفوّتوا الحلقة القادمة حيث سنطوي صفحات جديدة من التاريخ والثقافة الفارسية.
إلى اللقاء
ودمتم بصحة وعافية.