البث المباشر

الإمام العسكري (ع) وحرصه على حياة الشيعة

الأحد 31 أغسطس 2025 - 13:24 بتوقيت طهران
الإمام العسكري (ع) وحرصه على حياة الشيعة

احتلّ أهل البيت (عليهم السلام) المنزلة الرفيعة في قلوب المسلمين لما تحلّوا به من درجات عالية من العلم والفضل والتقوى والعبادة فضلاً عن النصوص الكثيرة الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) في الحث على التمسّك بهم والأخذ عنهم .

كان يحاول الإمام الحسن العسكري (ع) دوما توعية المجتمع الشيعي بالمخاطر الفكرية وتثبيت المعتقدات الإسلامية الصحيحة عبر الأساليب الثقافية والتربوية. وكان من أهم أعماله تبيين مكانة الإمامة.

رافق ظهور الإسلام دائمًا خلق تيارات فكرية وثقافية وجماعات معارضة؛ تيارات استمرت طوال حياة الأئمة المعصومين (عليهم السلام).

ففي عصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، اكتسبت هذه التيارات أهمية خاصة إلى جانب الضغوط السياسية الشديدة من الحكومة العباسية والقيود الاجتماعية. وواجه الشيعة ظروفًا حرجة معينة خلال هذه الفترة؛ حيث حدت السجون والإقامة الجبرية والضغوط الأمنية من الوصول المباشر إلى الإمام العسكري (ع).

وفي الوقت نفسه، كانت التيارات المنحرفة تخترق المجتمع الشيعي، الأمر الذي تطلب إدارته ذكاء الإمام العسكري (ع) وبصيرته واستراتيجياته الدقيقة.

ومن السمات المهمة لهذه الفترة وجود حركات منحرفة ظهرت أحيانًا تحت ستار الأصدقاء المتطرفين وكانت أكثر خطورة من الأعداء الخارجيين. وبفهمه الدقيق لهذه التهديدات، اعتمد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) استراتيجيات نظرية وعملية متنوعة لحماية الشيعة والأمة الإسلامية من الانحرافات الفكرية والثقافية.

كان يحاول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) توعية الشيعة بالمخاطر الفكرية، وترسيخ المعتقدات الإسلامية الأصيلة من خلال الوسائل الثقافية والتربوية. وكان من أهم أعماله تبيين مكانة الإمامة.

وبفضل رقابة نظام الجور الشديدة وتأثير الجواسيس، كان يرد الإمام العسكري (ع)، من خلال المراسلة والوعظ والتعليم المباشر وغيره، على شكوك الفرق الضالة كالمحمدية والجماعات التي حاولت نسبة الإمامة إلى غيرهم بعد الإمام الهادي (عليه السلام) 1.

وبالإضافة إلى إصلاح العقائد الشيعية، فقد عززت هذه الطريقة أيضاً مكانة إمامة الإمام العسكري (ع)، ومنعت المجتمع الشيعي من الارتباك بشأن خلافة الأئمة. كما كان التأكيد على صحة القرآن الكريم، ومواجهة التحريفات الظاهرية والمعنوية، أحد الأسس النظرية لأعمال الإمام العسكري (ع).

وحاولت بعض التيارات المنحرفة تأويل آيات القرآن الكريم بتوجهات طائفية أو تحريف معانيها. ومن خلال شرحه الدقيق لتعاليم القرآن الكريم وردّه على الشبهات الفكرية، منع الإمام الحادي عشر (ع) للشيعة الإمامية انحرافهم، وضمن بقاء معتقداتهم على الطريق الصحيح. وباستخدام الأمثلة والحجج الواضحة، علّم الشيعة وأتباعه أن القرآن الكريم هو المرجع الأعلى والمصدر المشترك لكل من الشيعة والسنة، وأنه لا يمكن الوثوق بأي تحريف 2.

ومن استراتيجيات الإمام الحسن العسكري (ع) الأخرى هي استخدام الغيب والمعجزات لهداية خصومه وإقناعهم. فعلى سبيل المثال، من خلال علم الغيب والتنبؤات الإلهية، نبه الإمام العسكري (ع) الجاهلين أو خصومه إلى أخطائهم الفكرية والعقائدية، وهدى الكثيرين إلى الصراط المستقيم. ويتجلى هذا الأسلوب في مواجهة الإمام للفيلسوف "إسحاق الكندي"، حيث صحّح الإمام العسكري (ع)، عن طريق أحد تلامذته، أقواله الخاطئة حول متشابهات القرآن، مما دفع الكندي إلى إدراك خطأه وإتلاف مؤلفاته 3.

كما عزّز الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تأثيره الثقافي على المجتمع من خلال توجيه علماء الشيعة وشيوخهم. فمن خلال مراسلاتهم وتواصلهم معهم، تمّ توجيه الشيعة بشكل غير مباشر، والسيطرة على التيارات المنحرفة من خلال التربية السليمة للمجتمع. وكانت التوصية بتجنب مخالطة المنحرفين استراتيجية مهمة أخرى من استراتيجياته. وكان الإمام العسكري (ع) يوصي الشيعة، وخاصة الشباب، بتجنب مخالطة الغلاة والمنحرفين حفاظًا على عقائدهم.

وحافظ هذا النهج على النقاء الفكري للشيعة ونموّ معارفهم الدينية، ويتجلى مثاله جليًا في مواجهة تيار جعفر الكذاب.

كان من أهم الإجراءات العملية للإمام العسكري (ع) تكوين كوادر وتدريب طلاب مخلصين ومتميزين 4.

ورغم القيود الشديدة التي فرضتها الحكومة العباسية، تمكن الإمام العسكري (ع) من تقديم ردود فقهية وعقائدية وثقافية من خلال طلابه ومحاميه، وإنشاء شبكة من الممثلين النشطين بين الناس. وقد سجل الشيخ الطوسي عدد طلابه بأكثر من مئة، أصبح العديد منهم فيما بعد شخصيات مؤثرة في المجتمع الشيعي 5.

ومن الأدوات العملية الأخرى للإمام العسكري (ع) مراسلاته المكثفة مع الشيعة حيث لم تقتصر هذه المراسلات على تقديم التوجيه المباشر للشيعة فحسب، بل ساهمت أيضًا في رصد التيارات المنحرفة والسيطرة عليها 6.

ويدل العدد الكبير من رسائل الإمام العسكري (ع) على تواصله المستمر والنشط مع المجتمع الشيعي، ولعب دورًا هامًا في ترسيخ المعتقدات الشيعية.

كذلك، كانت استراتيجية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في هذا النهج القيام بدعم مالي للشيعة، وصد الأنشطة العملية للمنحرفين. وعندما هدّد زعماء الفرق المنحرفة ونشروا عقائد باطلة، أصدر الإمام العسكري (ع) أوامره، وهو يدعم الشيعة ويحول دون نشر أفكار المنحرفين. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك يمكن الإشارة إلى تعامل الإمام العسكري (ع) مع جعفر الكذاب فيما يخص أمر الخلافة وإرشاد الشيعة.

كما أتاح توسع مؤسسة الوكالة وشبكة الممثلين إمكانية التواصل غير المباشر والآمن مع الشيعة. وتمكن الإمام الحسن العسكري (ع) باستخدام هذه الشبكة، من السيطرة على التيارات الضالة وتحييدها مع تقديم الإرشاد والرد على الشبهات. وقد كان لهذا الأسلوب، لا سيما في ظل ظروف القمع السياسي وضغوط الحكومة العباسية، أهمية خاصة ولعب دورا محوريا في تهيئة المجتمع لعصر الغيبة.

في ظل الظروف الحرجة التي شهدها عصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) والقيود السياسية الشديدة، كان لجهوده (ع) النظرية والعملية دور بالغ الأهمية في الحفاظ على المعتقدات والثقافة الشيعية.

ففي المجال النظري، أدى تبيين مكانة الإمامة، التأكيد على صحة القرآن الكريم، إرشاد علماء الشيعة، منع الاختلاط مع المنحرفين، واستخدام علم الغيب، إلى ترسيخ المعتقدات الشيعية. ومن أهم أعمال الإمام الحسن العسكري (ع) في هذا المجال يمكن الإشارة إلى تربية الطلاب، المراسلات المكثفة، الدعم المالي، تكوين شبكة من المحامين، ومواجهة المنحرفين جسديا عند الضرورة.

إذن هذه الاستراتيجيات الشاملة والهادفة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم تُسهم في مواجهة التيارات المنحرفة فحسب، بل هيأت المجتمع الشيعي لظروف عصر الغيبة الصعبة، وعززت الأسس الفكرية والثقافية للشيعة.

ويُعتبر دور الإمام العسكري (عليه السلام) في إدارة الأزمة الفكرية والثقافية للمجتمع، إرشاد الشيعة ومواجهة الاستبداد والتيارات المنحرفة، نقطة تحول في تاريخ الشيعة ومواجهة الأزمات، ودرسا قيّما للقادة والمجتمعات الإسلامية التالية.

 

------------------------------

1. ابن شهر آشوب، مناقب، 1429: 424-457/4

2. المجلسي، بحار الأنوار، 1403: 247/50

3. الطوسي، الغيبة للحجة، 1414: 650

4. الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، 1395: المجلد الأول، ص 117-118. 2، ص 442-443

5. الطوسي، قائمة كتب الشيعة وأصولها.، 1420.

6. أحمدي ميانجي، مكاتيب الأئمة، 1426: 262/6

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة