البث المباشر

"اكتشف إيران".. كُلستان (4)

الخميس 24 سبتمبر 2026 - 10:50 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الرابعة- نُكرس قلوبنا في هذه الحلقة لمدينةٍ تتشابك فيها خيوط التاريخ والثقافة والطبيعة؛ مدينةٌ لا يزال ماضيها ينبض في أزقتها، وأساطيرها تحلق عاليًا.

في هذه الحلقة من "اكتشف إيران"، نغوص في أرضٍ لا يزال تاريخها نابضًا بالحياة، وأساطيرها خالدة عبر القرون. من گرگان القديمة، بأزقتها وبيوتها التي تحمل عبق شمال إيران، إلى گنبد كاووس المدينة التي يعلو فيها برج قابوس الأسطوري، كوتدٍ صلب، ليعلي مجد الحضارة الإيرانية الإسلامية بالسماء. هذه الرحلة رحلةٌ هادئة بين التاريخ والثقافة والطبيعة والمعتقدات.

أهلًا بكم، متابعي بودكاست "اكتشف إيران".

نواصل رحلتنا إلى محافظة گلستان، وهذه المرة سنُكرّس قلوبنا لمدينةٍ تتشابك فيها خيوط التاريخ والثقافة والطبيعة؛ مدينةٌ لا يزال ماضيها ينبض في أزقتها، وأساطيرها تحلق عاليًا.

في هذه الحلقة، نبدأ من گرگان ؛ من أستراباد القديمة، من البيوت والأحياء التي تحكي تاريخ شمال إيران ، نتجه إلى گنبدكاووس ؛ المدينة التي يعلوها برج قابوس الأسطوري، رمزًا لمجد الحضارة الإيرانية الإسلامية.

انضموا إلينا في هذه الرحلة الصوتية، حيث نغوص في تاريخ وثقافة گلستان، خطوة تلو الأخرى؛ من الأسواق والزخارف القديمة إلى الطقوس والأساطير والرموز التي لا تزال تحافظ على هوية هذه الأرض.

مدينة گرگان تقع جنوب بحر قزوين، على خليج گرگان، شمال إيران، وهي اليوم عاصمة محافظة گلستان. تُعدّ گرگان أكبر مدن المحافظة وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، وتحتل المرتبة الرابعة والعشرين بين أكبر المدن الإيرانية من حيث عدد السكان. تعود جذور هوية گرگان إلى شعبها الأصلي، الشعب الطبري، الذي لا تزال ثقافته ولغته وأسلوب حياته حاضرة في مختلف أرجاء المدينة.

تقف گرگان اليوم على أنقاض مدينة عريقة تُدعى أستراباد. تأسست أستراباد في هذه المنطقة، ولكن لم يبقَ من مجدها التاريخي سوى تلة قديمة في قلب المدينة، تُعرف باسم قلعه خندان أي "القلعة الضاحكة".

اختفت أجزاء أخرى من هذه المدينة القديمة تدريجيًا عبر الزمن، تحت وطأة الفيضانات المتكررة والتوسع العمراني. كانت أستراباد مركزًا هامًا لتجارة الحرير الخام، حيث أنتجت منسوجات حريرية فاخرة تسمى مبرم و زعفوري ، ما يُشير بوضوح إلى مكانة المنطقة الاقتصادية والثقافية في التاريخ الإيراني.

تُعدّ گرگان اليوم نموذجًا حيًا للتنوع العرقي والثقافي. فهي موطنٌ لمزيجٍ متنوعٍ من الأعراق، بدءًا من سادة أستراباد والطبريين - بمن فيهم المازنيون والكتول - وصولًا إلى البلوش والسيستانيين والأكراد، فضلًا عن الجماعات التركية كالأذربيجانيين والقزلباش والتركمن والكازاخ، بالإضافة إلى المهاجرين من مناطق أخرى في إيران. ورغم هذا التنوع العرقي، لا يزال الطبريون يشكلون غالبية سكان المدينة، مما يجعل گرگان مدينةً ذات هويةٍ راسخةٍ ومتعددة الثقافات في آنٍ واحد.

أُدرج النسيج التاريخي لمدينة گرگان ضمن قائمة المعالم الوطنية عام 1931 كأول نسيج تاريخي يُسجّل في إيران، وأوسع نسيج تاريخي في شمال البلاد. تمتد هذه المنطقة على مساحة تقارب ١٦٢ هكتارًا، وتضم ثلاثة أحياء رئيسة هي: نعلبندان، سبزه‌مشهد و سبزه‌ ميدان؛ حيث تترك أسطحها الطينية الحمراء وجدرانها وأقواسها المبنية من الطوب، والمرتبة في صفوف منتظمة، صورةً خالدةً لمدينة گرگان القديمة في أذهان كل زائر.

ما عليك سوى التجول في أزقة هذا النسيج التاريخي، لتُبهرك روعة وجمال البيوت والمعالم التاريخية. ولحسن الحظ، أُعيد إحياء بعض هذه البيوت من خلال ترميم دقيق ومدروس، وأصبحت اليوم وجهات سياحية شهيرة، حيث تحولت إلى فنادق بوتيكية ومطاعم ومجمعات ثقافية تاريخية.

يُعدّ بيت أمير لطيفي أحد أبرز هذه المباني. مبنى تم تحويله في السنوات الأخيرة إلى متحف گرگان للحرف اليدوية، وذلك بعد تغيير استخدامه. أُنشئ هذا المتحف بهدف الحفاظ على الحرف اليدوية وصيانتها وعرضها، ويُعدّ المبنى نفسه أثراً من آثار العصر القاجاري.

بُني منزل أمير لطيفي، كغيره من مباني تلك الفترة، باستخدام الطوب و الآجر والخشب والملاط، ويُعدّ التناسق في التصميم واستخدام مواد ملائمة لمناخ المدينة من أبرز سماته المعمارية.

بمجرد دخولك فناء الدار، يأسرك جوٌّ ساحر يأخذك إلى قلب العصر القاجاري؛ مكانٌ وسط حدائق أنيقة، وأبواب ونوافذ خشبية مزخرفة، وزجاجات ملونة، وحوض هادئ يتوسط الفناء. هذا الجوّ المريح يجعلك تتخيل نفسك، دون وعي، غارقًا في التاريخ، ويصبح الفناء خلفية مثالية لالتقاط صور تذكارية رائعة.

في متحف گرگان للحرف اليدوية، تُعرض نماذج متنوعة من الحرف اليدوية من مختلف مدن ومناطق محافظة گلستان ؛ من علي آباد كتول وتركمن صحرا إلى قرية شاهكوه، وقزاق محله، وراميان، وقرية زيارت.

إضافةً إلى ذلك، استُخدمت أدوات ومعدات تقليدية، مثل المغازل، والملابس والمجوهرات، والأواني والأشياء المتعلقة بالعصر القاجاري، وحتى تماثيل أو دمى بالحجم الطبيعي، لإعادة إحياء الحرف القديمة. حرفٌ كصناعة النحاس، والغزل، والحدادة، ونسج السجاد، وغزل القطن، وحياكة الحصر، كلٌ منها يروي جزءًا من الذاكرة الثقافية والحياة التقليدية لهذه الأرض.

نغادر گرگان بكل ما فيها من نضارة وغابات وارفة وجمال آسر، ونواصل رحلتنا لاكتشاف زوايا أخرى من محافظة گلستان. وفي هذا السياق، يُستحسن الاستماع إلى كلمة قيّمة من كتاب المَشُوْرَةِ المعروف باسم قابوس‌ نامه؛

في القرن الخامس الهجري إذ يصف الكاتب رحلته إلى گلستان برؤية حكيمة: "يا بني، اسعَ إلى الاستقرار في مكان واحد عندما تكبر، فليس من الحكمة الترحال في الشيخوخة، لا سيما لمن لا ولد له، فالشيخوخة عدو، والفقر عدو، فلا تسافر وأنت بين عدوين، كي لا تكون من الجاهلين. ولكن إن شاءت لك الأقدار أن تسافر، فإن رحمك الله في غربتك وجعل سفرك خيرًا مما لو كنت في الحضر، فلا تمل إلى بيتك ، واستقر في المكان الذي أراد لك نظام العالم فأقم فيه وتعرف على رأسمالك وأسبابك فإن لك فيه الخير."

بهذه الرؤية نفسها، انطلقنا إلى گنبد كاووس ، المدينة التي سنتعرف على تاريخها وثقافتها وعجائبها.

تقع مدينة گنبدكاووس في قلب محافظة گلستان الخصبة، وهي ثاني أكبر مدن المحافظة بعد گرگان، وقد عُرفت في القرون الأخيرة بكونها المركز الثقافي وعاصمة التركمن. ويرتبط اسم گنبدكاووس ارتباطًا وثيقًا ببرج قابوس، أطول برج مبني بالكامل من الطوب في العالم، والذي يُعد رمزًا خالدًا يُجسد الهوية التاريخية للمدينة.

يتميز النسيج الديموغرافي لگنبد كاووس بتنوعه الثقافي الغني، حيث يضم مزيجًا متنوعًا من مختلف الأعراق. فعلى الرغم من أن التركمن الإيرانيين يشكلون غالبية سكان هذه المدينة العريقة، إلا أن هناك أيضًا أفرادًا من أقوام من سمنان، وكتول، وسيستان، وخراسان، ومازندران، وبلوش، وأستراباد يعيشون جنبًا إلى جنب.

أما من الناحية الدينية، فيشكل السنة حوالي 60% من سكان المدينة، بينما يشكل الشيعة حوالي 40%، وهو مزيج يعكس التعايش المذهبي والثقافي في هذه المدينة.

منح موقع گنبدكاووس على طريق الحرير التاريخي هذه المدينة مكانةً مميزةً في التبادلات التجارية. وبفضل هذا الموقع، اعتُبرت گنبدكاووس إحدى أهم المدن، بل وعاصمةً سياسيةً في فترات تاريخية مختلفة، وسكنها العديد من العلماء والمفكرين والعلماء.

التنوع العرقي والخلفية التاريخية گنبدكاووس حولتها إلى كنز حيّ من الطقوس والعادات. فاحتفالات النوروز، ومهرجان الخيول التركمنية، والطقوس الموسمية، والاحتفالات الفلكلورية التركمنية، بأزيائها الزاهية وموسيقاها التقليدية وحركاتها الاحتفالية، تضفي على المدينة روحًا بهيجةً وحيويةً.

وتتيح هذه الطقوس فرصةً فريدةً للتعرف على ثقافة أهل المنطقة الغنية، وهذا التنوع الثقافي والحيوية هما ما جعلا من گنبدكاووس حلقة وصل بين التاريخ والثقافة في محافظة گلستان .

الحرف اليدوية في گنبدكاووس، ولا سيما حياكة السجاد، تحتل مكانةً خاصةً في ثقافة واقتصاد هذه المدينة. ومن بينها، اكتسب السجاد التركمني عالي الجودة، بنقوشه الأصلية ولونه الأحمر المميز، شهرةً واسعةً تجاوزت حدود المحافظة. إضافةً إلى ذلك، تُعتبر گنبدكاووس، بفضل أراضيها الزراعية الشاسعة والخصبة، مركزًا هامًا لإنتاج وتصدير الحبوب إلى طهران ومناطق أخرى من البلاد، وهي تلعب دورًا فاعلًا في الدورة الاقتصادية للمنطقة.

وإلى جانب هذه الإمكانيات الثقافية والاقتصادية، تُروي الأنهار والجداول، كالعروق الحية، روح هذه الأرض وتُحيي روعها. ويُعد نهر أترك، أحد أبرز أنهار هذه المنطقة، نهر هادر متدفق ينبع من جبال هزارمسجد في خراسان الرضوية. بعد مروره بسهول قوجان وشيروان وبجنورد، يصل النهر إلى حدود إيران وتركمنستان في منطقة تشات، ثم يدخل أراضي جمهورية تركمنستان، وينتهي مساره عند مصبه في بحر قزوين؛ مسارٌ يربط تاريخ وجغرافيا وحياة الناس على جانبي الحدود.

في الشمال الشرقي لگنبدكاووس وفي منطقة جبلية نائية تقع مقبرة خالد النبي المقبرة التي تأسر الألباب بسحرها وغموضها. على قمة مرتفع يكسوه السطح الأخضر الهادئ، تبرز المقبرة وتأخذ الزائر في رحلة عبر الزمن، إلى أعماق التاريخ وأسراره المجهولة.

وتضم هذه المقبرة قبورًا فريدة من نوعها، تتزين بأحجار قائمة تشبه الأعمدة الصخرية، يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار، ما زال عمرها الحقيقي لغزًا لم يُكشف بعد. هنا، حيث يلتقي الجمال الطبيعي بالغموض التاريخي، تحكي مقبرة النبي خالد قصصًا من الماضي تنتظر من يكتشفها.

يقع هذا المزار على قمة تلال "هزار دره" في قلب الصحراء التركمنية، حيث يبدو وكأن الزمن قد توقف. عندما تطأ قدمك هذه المرتفعات، تشعر وكأنك عدت إلى آلاف السنين الماضية، حيث تحمل حجارة هذه الأرض الصامتة أسرار تاريخها الحافل بالأحداث.

إذا وصلت إلى مقبرة خالد النبي، فلا تتعجل؛ توقف للحظة، اجلس، وأنصت إلى حفيف الريح وسكون الأرض. عندها ستدرك أنك قد سلكت الطريق الصحيح. هذا أحد أكثر الأماكن غموضًا في الصحراء التركمنية؛ مكان يروي بصمت وعمق ماضي هذه الأرض المضطرب.

تقع مقبرة خالد النبي أعلى نقطة في تلال الصحراء التركمانية، وتطل على منظر خلاب وواسع للسهول المحيطة. بالقرب من ضريح خالد النبي، يوجد ضريح يسمى "عالم بابا"، والذي، وفقًا للأساطير، هو والد زوجة خالد النبي وأحد شهداء الشريعة الإسلامية المجهولين؛ مبنى صغير ولكنه ذو مغزى، في قلب أرض مليئة بالغموض والمعتقدات.

من معالم الجذب الأخرى في گنبدكاووس مستنقع آلاگل ، وهو مساحة مائية تقع في قلب محافظة گلستان، وتشتهر بملوحتها، وتحظى بشعبية كبيرة بين سكان المنطقة التي تحمل الاسم نفسه. للوصول إلى هذا المستنقع الجميل، يكفي السفر حوالي 75 كيلومترًا من گنبدكاووس للوصول إلى أحد أجمل المعالم الطبيعية في شمال شرق إيران.

واللافت أن آلاگل ليس الوحيد؛ فقد تم تسجيل هذا المستنقع، إلى جانب مستنقعين آخرين هما آلماگل و آجي‌گل ، في قائمة الأراضي الرطبة الدولية لاتفاقية رامسر منذ عام 1975. ويخضع هذا المجمع، الذي تبلغ مساحته حوالي 1400 هكتار، تحت رعاية منظمة البيئة، ويُعتبر موطنًا قيّمًا للعديد من أنواع الحيوانات.

ومن أبرز ما يجذب الزوار إلى هذه الأراضي الرطبة الطيور المهاجرة التي تزورها في مختلف فصول السنة، ولا سيما طيور الفلامينغو المرحة التي تزور آلاگل مع بداية فصل الشتاء، لتخلق مشهدًا خلابًا على سطح الماء.

من بين هذه الأراضي الرطبة الثلاث، تبلغ مساحة بحيرة آلماگل حوالي 207 هكتارات ويتراوح عمقها بين متر واحد وثلاثة أمتار، و هي تتميز بخصائص فريدة. في اللغة التركمنية، تعني كلمة " آلماگل " "بحيرة التفاح"، وهو اسم يليق بجمالها وهدوئها. مياه آلماگل غنية بالعناصر الغذائية، وملوحتها أقل من ملوحة بحيرتي آلاگل و آجي‌گل، وذلك لقربها من نهر أترك الذي جعل مياهها أكثر حلاوة من غيرها من الأراضي الرطبة في المنطقة.

إلى جانب هذه الخصائص الطبيعية، تشتهر گنبدكاووس أيضاً بتعلقها الوثيق بالخيول. فالخيول، هذه المخلوقات النبيلة والمهيبة، تحتل مكانة خاصة في الثقافة التركمنية، ويشتهر التركمن بتربية أحد أنقى سلالات الخيول في العالم. لهذا السبب، يُعد مجمع گنبدكاووس للفروسية من أبرز المعالم التي لا ينبغي تفويتها في گنبدكاووس.

يضم هذا المجمع الشاسع مرافق متنوعة؛ من 120 هكتارًا من الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء إلى مضمار سباق خيل يمتد على مساحة 30 هكتارًا، ومواقف سيارات، وأجنحة وفلل، وإسطبلات صيفية وشتوية، ومكان لإقامة المسابقات، وحتى مسبح. إنه مكان جذاب لعشاق الخيل والفروسية، وللسياح الراغبين في التعرف عن كثب على جانب آخر من ثقافة وحياة سكان گنبدكاووس.

تستمر رحلتنا في گنبدكاووس ، وفي هذا المسار، نصل إلى معلم لا غنى عنه لكل مسافر؛ برج قابوس أو برج كاووس. صرح ضخم يعود تاريخه إلى القرن الرابع الهجري، ويُعرف اليوم بأنه أطول برج مبني بالكامل من الطوب في العالم. يقف هذا البرج المهيب شامخًا بجوار الحديقة الوطنية في گنبدكاووس ،ليخلق مشهدًا ساحرًا لا يُنسى.

بدأ تشييد هذا المبنى عام 397 هـ، الموافق 1006 م، بأمر من قابوس بن وشمگير رابع أمراء الدولة الزيارية. يُعد برج قابوس من أوائل الأمثلة على الطراز الرازي المعماري، ويقع ضمن مجموعة من المباني المماثلة، إلى جانب أبراج مقابر أخرى في منطقة طبرستان. ورغم عدم دفن أي جثث داخل هذا البرج، فقد ذُكرت وظيفته كمقبرة في المصادر التاريخية.

يبلغ ارتفاع البرج 52 مترًا من قاعدة المبنى، وهو مبني على تلة يبلغ ارتفاعها حوالي 15 مترًا، و هي تضم جزءًا من قاعدة البرج. صُمم البرج على شكل أسطوانة ذات عشرة رؤوس، والبساطة هي أبرز سماته الخارجية. العناصر الزخرفية الوحيدة في المبنى عبارة عن نقشين متطابقين مكتوبين بالخط العربي والكوفّي، يرويان بأسلوب متصل اسم مؤسس العمل وتاريخ بدء بناء البرج.

يعتبر المؤرخ البارز للفن الإسلامي ريتشارد إيتينغهاوزن(Richard Ettinghausen)، برج قابوس أكثر المقابر إثارة للاهتمام بين المباني القديمة في العالم الإسلامي. وقد وصفته اليونسكو كرمز للتبادل الثقافي بين عمارة القبائل البدوية في آسيا الوسطى وحضارة إيران القديمة.

يُعد برج قابوس مثالًا بارزًا ومبتكرًا للعمارة الإسلامية، التي يمكن ملاحظة تأثيرها في المباني الدينية في إيران والأناضول وآسيا الوسطى. يُعدّ هذا الصرح شاهدًا جليًا على عظمة وجلال الحضارة الزيرية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، وهي الفترة التي سيطرت فيها هذه الدولة على جزء كبير من المنطقة، ومهّدت فيها التطورات العلمية في العالم الإسلامي، لا سيما في الرياضيات والعلوم، الطريق لمثل هذه الإنجازات المعمارية.

يتناقص عرض البرج تدريجيًا كلما اتجهنا من القاعدة نحو الأعلى ، فيبدو كقضيب أسطواني ذي نتوءات عمودية على سطحه الخارجي. يبلغ سمك جدران المبنى حوالي ثلاثة أمتار، وتُشكّل عشرة شفرات قائمة المحيط َالخارجي للأسطوانة. بُني البرج بالكامل من طوب عالي الجودة، ويكتسب لونه الأصفر الزاهي مسحة ذهبية تحت أشعة الشمس. وقد بلغت دقة وجودة البناء مستوىً عاليًا، ما جعل المبنى صامدًا ومتينًا رغم مرور القرون، وتغيرات المناخ، وحتى الأضرار التي لحقت به، كالقصف من قِبل القوات الروسية.

وفي عالم الروايات والأساطير، نُسجت حول هذا الصرح المذهل قصص وحكايات متنوعة على مرّ العصور. إن كثرة هذه الأساطير تُظهر مدى استئثار برج گنبد قابوس بعقول الناس وخيالهم؛ وهو مبنى عظيم ومهم لدرجة أن القصص الغامضة قد رُويت عنه من جيل إلى جيل.

تحكي الرواية الأولى عن قناة خفية أسفل البرج، ممر سري قيل إنه يمتد إلى الأراضي الروسية. في عام ١٨٩٩ م، قامت القوات الروسية بالتنقيب في البرج لفترة طويلة بحجة البحث عن جثة باني البرج وتابوته، لكنهم لم يعثروا على أي أثر للجثة أو التابوت. يعتقد الكثيرون أن الدافع الرئيس وراء هذه الحفريات لم يكن العثور على جثة قابوس، بل الحصول على قطع أثرية وكنوز مخفية؛ إذ لم يُنشر حتى الآن أي تقرير علمي موثق عن نتائج تلك الحفريات. في ذلك الوقت، انتشرت شائعة بين الناس مفادها أن الخنادق المحفورة كانت ممرًا تحت الأرض إلى الحدود السوفيتية.

أما الأسطورة الثانية فتتحدث عن سرج ذهبي كان يُفترض وجوده في أعلى البرج. تشير الروايات إلى أنه في القرن الرابع عشر، وصل رجل إلى قمة البرج مستخدمًا حبلًا وأدوات بدائية للحصول على هذا السرج الذهبي؛ لكنه لم يعثر في النهاية على شيء، وبقيت هذه القصة مجرد شائعة.

أما الأسطورة الأخيرة، وربما الأكثر غموضًا، فتتعلق بتابوت كريستالي يُقال إنه كان معلقًا داخل البرج. ووفقًا لبعض الروايات وآراء الخبراء، كان يُوضع جثمان العظماء في توابيت زجاجية في العصر الجاهلي، ويُعلق من السقف، ليتمكن الناس من توديعهم، وليكون الجثمان في مأمن من الأعداء. تقول هذه الرواية إن جثمان شمس المعالي قابوس بن وشمگير وُضع في تابوت زجاجي وعُلق من السقف الداخلي للبرج بسلسلة.

بغض النظر عن هذه الروايات والأساطير، فالمؤكد هو المكانة التاريخية والعالمية لهذا الصرح. فقد سُجل برج گنبد قابوس في قائمة الآثار الوطنية الإيرانية منذ عام 1931، وأُدرج في قائمة اليونسكو كموقع للتراث العالمي منذ عام ٢٠١٢؛ وهو صرحٌ يجمع بين التاريخ والخيال.

أصدقائي، وصلنا إلى نهاية رحلتنا من اكتشف إيران.

آمل أن تكون هذه الحلقة من البودكاست قد نالت إعجابكم أيضًا.

في الختام، نود أن نضيف أن شمس المعالي قابوس بن وشمكير كان رابع ملوك آل الزيار، وقد ترك وراءه أثرين قيّمين: الأول هو كتاب قابوس نامه أي المشورة والثاني هو برج قابوس.

لقد كان ملكًا أدبيًا وشاعرًا فذًا، نظم الشعر بالفارسية والعربية، وكان خطه جميلًا، وكان خبيرًا في علم الفلك والعلوم الأخرى.

كتاب المشورة أو قابوس نامه هو كتابٌ في حِكم الدين والحياة، كُتب عام 475 هـ الموافق (1082 م). نجد في قابوس نامه انعكاسًا لنصائح وإرشادات إيران القديمة، وأهمية الكلام، وأهمية الحكمة، والتأكيد على الاعتدال. كتب المؤلف هذا الكتاب باسم ابنه گيلان‌ شاه في 44 فصلًا.

ينتهي هذا الجزء من رحلتنا بنصيحة من قابوسنامه:

تكلم بهدوء يا بني، وتعوّد على الكلام ببطء.

يا بني، لا تتلهف لمعرفة سرٍّ لا ينفعك ولا يخصّك.

يا بني، لا تُفشِ سرّك إلا لنفسك، وإن أفشيته فلا تُفشِ سرّه ثانيةً.

يا بني، لا تتكلم بفظاظة، فالكلام الفظّ بذرةٌ تنبت منها العداوة.

يا بني، إن أردت التكلم مع آخر فانظر أولًا هل لكلامك قيمة عنده . وإلا فتكلم بلطفٍ حتى يكون هناك مشترٍ.

إلى اللقاء.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة