البث المباشر

إيران وجنوب لبنان.. مصير واحد في المواجهة والردع

الأربعاء 24 يونيو 2026 - 14:26 بتوقيت طهران
إيران وجنوب لبنان.. مصير واحد في المواجهة والردع

تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال حرب الاثنى عشر يوما والحرب الممتدة من رمضان أن تفشل مشروع الشرق الذي يراد صناعته على مقاس نتنياهو وحولت اللهجة عالية النبرة حول القضاء على البرنامج النووي وتغيير النظام والسيطرة على مضيق هرمز التي يرددها ترامب إلى استجداء للقبول بالمفاوضات.

لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ والرصاص وما تحدثه من ضغط على الدول لصناعة نصر، فثمة حروب صامتة تُقتل فيها الأمم ببطء وتسقط دول وتعلي شأن أخرى، كحصار يُجف العروق، رواية تُزوَّر فتُسقط الضمائر، واستنزاف يُرهق الأرواح.

مثل هذه الحروب أثرها يبقى حتى حين تتحول الصواريخ إلى رماد خاصة على من يفتقد الولاء للأرض التي ينتمي إليها لكنها تفشل مع يتشرب مع حليب أمه حب الوطن وهذا ما حدث بالضبط مع ايران وشعبها وظهر جليا في مواجهتهم الكيان الصهيوني وأمريكا والتي أثبتت إن القلاع المحصنة تسقط أمام الإرادة الصلبة.

فهذه المواجهة لم تكن وليدة يوم 13 يوليو 2025 التي أعلن فيها الكيان الصهيوني حربه على ايران، بل هي امتداد لعداء طويل جذوره تعود لثورة 1979 التي أنهت الوصاية الأمريكية على إيران وأسست لعقيدة دينية مأخذوة من قول الله سبحانه وتعالى «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا»، تحولت في الخطاب الإيراني إلى إطار عقائدي يفسر العداء، لا يبرره فقط، ويقوم على ثلاث ركائز، رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، اعتبار تحرير فلسطين هدفاً استراتيجياً، ودعم حركات المقاومة كامتداد لأمن إيران القومي.

هذا التموضع جعل إيران خارج المنظومة الإقليمية التي تشكلت بعد أوسلو، وحولها إلى خصم بنيوي. من هنا جاء الحصار الاقتصادي والعقوبات كأداة لثنيها، لكن النتيجة كانت عكسية، تحول الحصار إلى حافز للاكتفاء الذاتي في كافة المجالات الاقتصادية و العسكرية والصاروخية والنووية السلمية، وبناء شبكة حلفاء تمتد من لبنان إلى اليمن والعراق وفلسطين، لذلك، أي قراءة للصراع الحالي تختزله في "الملف النووي" تتجاهل أن الهدف الحقيقي هو تفكيك نموذج دولة ترفض الانصياع وتقدم مشروعاً مضاداً للهيمنة الأمريكية في المنطقة،

إلا إن إيران تمكنت خلال حرب الاثنى عشر يوما والحرب الممتدة من رمضان أن تكسر هذه الهيمنة وتفشل مشروع الشرق الذي يراد صناعته على مقاس نتنياهو وحولت اللهجة عالية النبرة حول القضاء على البرنامج النووي وتغيير النظام والسيطرة على مضيق هرمز التي يرددها ترامب إلى استجداء للقبول بالمفاوضات وتحت شروط إيران التي ربطتها بوقف كامل للحرب وعلى كل الجبهات المشتعلة وهنا المقصود جنوب لبنان، في ظل تكرار الكيان الصهيوني الاعتداء عليه.

بالتالي ومع استمرار قصف الكيان لجنوب لبنان السؤال لم يعد "هل سترد إيران؟" بل "ما مستوى الرد الذي يعيد التوازن دون أن يفتح باب الحرب الشاملة؟" والإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل جنوب لبنان، ومستقبل المفاوضات، وربما ملامح المنطقة للسنوات القادمة، فجنوب لبنان اليوم هو الاختبار الحقيقي لوقف إطلاق النار ومصداقية الرعاة فالوضع الراهن في جنوب لبنان ليس منفصلاً عن هذا السياق. توقيع مذكرة التفاهم كان يفترض أن يوقف التصعيد ويعيد ترتيب قواعد الاشتباك. لكن استمرار الخروق يكشف شيئين.

أولاً: أن الطرف المنتهك يريد إبقاء الجبهة مفتوحة بوتيرة منخفضة لاستنزاف حزب الله وإيصال رسالة ردع لإيران دون الانزلاق لحرب شاملة.

وثانياً يكشف ان آليات الضمان والرقابة ضعيفة أو منقوصة، مما يفرغ الاتفاق من محتواه ويعيد إنتاج أزمة الثقة.

هنا تتحول المسألة من خرق ميداني إلى اختبار سياسي لإيران، هل تقبل أن يُكسر الاتفاق دون ثمن، أم ترد بما يحفظ معادلة الردع؟.

فأي رد إيراني سيُقرأ في سياقين متزامنين، الوضع الميداني في لبنان، ومسار مفاوضات جنيف الجاري لمدة 60 يوماً.

الخيارات المطروحة كلها وحسب تحليل الخبراء العسكريين والسياسيين تحمل ربحاً وخسارة:

أ/التصعيد الاقتصادي عبر مضيق هرمز وهو الورقة الأقوى لأنها تضرب الاقتصاد العالمي في مقتل، تهديد الملاحة أو إغلاق جزئي يرفع أسعار النفط فوراً ويضغط على واشنطن وحلفائها، قد ربما تكون كلفتها عالية، مواجهة بحرية محتملة مع الأسطول الخامس، تبرير دولي لعقوبات إضافية، وتضرر صادرات إيران نفسها غير أن إيران قد سبق واتخذتها كخطوة أولى وليس فقط كرسالة ردع وفشلت به خطة الكيان الصهيوني لتمزيق وحدة الساحات التي دائما مايسعى لتفكيكها،

ب/ كسر المسار الدبلوماسي، والانسحاب من جنيف أو تعليق المشاركة رسالة سياسية مفادها أن التفاوض بلا ضمانات او تحت تهديدات يطلقها ترامب لا معنى له. وايران هنا تفضح هشاشة الاتفاقات وتكسب تعاطفاً وتأييدا ليس فقط داخل المحور وحلفائه بل على مستوى العالم المتضرر من هذه الحرب .

ج/ تدويل الملف مجلس الأمن واجتماع دولي، تحريك الملف دبلوماسياً يهدف لتوثيق الانتهاكات وكسب إدانة أخلاقية وسياسية لكن في الواقع أن حق الفيتو يحد من النتائج العملية، لكن الفائدة تكمن في التسجيل القانوني والإعلامي، وتحميل الطرف المنتهك كلفة سياسية، هذا الخيار منخفض الكلفة يتناسب مع مرحلة جس النبض.

د/ الرد الميداني المضبوط ، الرد عبر حلفاء إيران في لبنان برد محدود يحافظ على قواعد الاشتباك القديمة، رد على خرق بخرق مماثل، دون توسيع الجبهة. هذا الخيار يحقق هدفين، يفشل أي محاولة لتفكيك وحدة الساحات ويزيد من مستوى الثقة بايران وقوتها ويجنب نشوب حرب إقليمية لا تريدها أي جهة حالياً. لكنه يحتاج ضبطاً عالياً حتى لا ينفلت.

لذلك، الرد الإيراني المتوقع لن يكون أحادياً. الأرجح مسار مركب: تصعيد إعلامي ودبلوماسي الآن، مع إبقاء الخيارات العسكرية والمضيقية كأوراق ضغط معلنة، وانتظار ما ستؤول إليه جنيف قبل اتخاذ خطوة لا رجعة فيها.

وفي النهاية لن يكون إلا ما تريده ايران التي أثبتت و لاتزال أن النصر لا يصنعه الخائفون من تهديدات جوفاء أو من بارود الصواريخ إنما يصنعه الصبر وسياسة النفس الطويل وهذا ما يجعل وسيجعل إيران تعود بانتصارات علي بن أبي طالب مادامت تقاتل باسم ذو الفقار ويجعل الكيان الصهيوني وأمريكا يعودان بهزيمة وخيبة مرحب.
 

مهر

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة