البث المباشر

رجل ذو ألف عام (1)

الثلاثاء 19 مايو 2026 - 10:59 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الأولى- في الماضي غير البعيد، لم تكن السماء مجرد مشهد جميل وممتع، بل لعبت نجومها دورًا مهمًا في تحديد مصير البشر وأفعالهم.

لا بد أنكم قضيتم ليالٍ طويلة تتأملون السماء، وتتأملون نجومها التي لا نهاية لها.

في الليالي الصافية، تكون للسماء مشهدًا بهيجًا، خلابًا، ومدهشًا، ونادرًا ولا يوجد مشهدًا يضاهي روعة وجمال هذا المنظر.

للأسف، في هذه الأيام، حرمنا سطوعُ الأضواء الكهربائية وتراكم الدخان والغبار في المدن الكبرى من منظر السماء الصافية.

إذا نظرتم إلى السماء في ليلة صحراوية أو عند سفح جبل، سترون آلافًا، بل ملايين، من النجوم الحمراء والصفراء والبيضاء تتلألأ من قريب ومن بعيد.

في الماضي غير البعيد، لم تكن السماء مجرد مشهد جميل وممتع، بل لعبت نجومها دورًا مهمًا في تحديد مصير البشر وأفعالهم. كان العمل الرئيسي والأهم لعلماء الفلك والمنجمين هو تحديد الأوقات الميمونة (الجيدة) وغير الميمونة (السيئة) حتى يعرف الناس متى يكون من المناسب أو غير المناسب بدء العمل.

يشير موقع النجوم في السماء وطريقة وضعها بجانب بعضها البعض إلى أي يوم وساعة من اليوم كانت غير مواتية وغير مناسبة، وأي وقت كان ميمونًا.

من بين جميع حالات النجوم، عرف علماء الفلك حالة كانت نادرة جدًا ونادر الحدوث. كانت تلك الحالة عندما تكون معظم النجوم الميمونة والمعروفة جميعًا في أفضل مواقعها في السماء معًا.

قال علماء الفلك أن مثل هذه الحالة يمكن أن تحدث مرة كل ألف عام. كان أتباع الزرادشتية في إيران يعتقدون أن هذه الحالة هي الحالة الأصلية لخلق السماء والأرض، حيث يكون كل شيء في أفضل صورة، وإذا تكررت مرة أخرى، في تلك اللحظات، فإن كل ما يحدث سيكون ميمونًا وينتهي بشكل جيد، وإذا ولد طفل في هذا الوقت، فإنه سيكون سعيدًا ومشهورًا..

لا نعلم عن مبدأ هذه الألف سنة، ولا نعلم إن كان قد وُلد في العالم أجمع في هذا الوقت المبارك شخصٌ واحد، أم أن كل منطقةٍ فيها شخصٌ واحد... لكننا نعلم أن إحدى هذه الألف سنة الميمونة والمباركة قد وقعت بالضبط في اليوم الثالث من شهر صفر سنة 370 هـ.

يومٌ كانت فيه الشمس والقمر والزهرة والمشتري والعديد من الأجرام السماوية الأخرى في أفضل مواقعها السماوية.

في مثل هذا اليوم وُلد طفلٌ في ركنٍ من شرق إيران، والآن، بعد أكثر من عشرة قرون، لم يُولد مثله بين عامة الناس، وقد أشاد جميع الشيوخ والعلماء، حتى أولئك الذين عارضوه، بذكائه وفطنته.

وُلِدَ سعيدًا، وعاشَ مُعظمَ حياتهِ بكرامةٍ واحترام، وماتَ في شهرةٍ واستقلال. وبالطبع، لا يزالُ اسمهُ وشهرتُه حاضرَين في عالمِنا اليوم، ليسَ فقط بينَ عامةِ الناس، بل أيضًا بينَ العلماءِ والمُفكِّرينَ والشيوخ.

بعد بضعة أشهر من ولادة هذا الطفل الجميل، أخذته والدته ذات يوم إلى فناء المنزل ليبصر ويرى العالم. كان وقت المساء والشمس تغرب، وقد خطف الطفل وعي أمه بنظراته وابتساماته التي تبعث الحياة. فجأة، تذكرت الأم صلاتها، فقد أحبت "ستارة" هذه الفريضة الدينية، وبدا أنها المرة الأولى التي تنسى فيها صلاتها منذ زمن طويل.

أسرعت بوضع طفلها الحبيب لينام على السجادة التي تجلس عليها، وبينما كانت تمشي الى الوراء لحوض الماء، كانت تسلي طفلها بتلويحاتها بيديها. عند الحوض، فكت سوارها الذهبي الثمين لتتوضأ، لكنها شعرت بالقلق من صوت غراب يقترب.

كان من الممكن أن يؤذي الغراب الأسود طفلها الصغير قبل أن تُنهي صلاتها؛ فالحذر من الحكمة. في حيرة من أمرها، وضعت "ستارة" غربالاً كانت في زاوية الفناء على الطفل، ونهضت للصلاة بذهنٍ مطمئن.

نظر الطفل حوله من تحت الغربال، يراقب طيران الغراب. حلّ ظلام الليل تدريجيًا، وظلّ نعيق الغراب يُسمع. عادت "ستارة" إلى حافة البركة تبحث عن سوارها، لكنها لم تجده. في تلك الليلة... واليوم التالي، بحثت ستارة عنه في المنزل، لكنها لم تجد أي أثر للسوار الذي تعلقت به بشدةن بدا وكأنه قد ذاب وولج في الأرض.

لم تنس "ستارة" هذه الحادثة وغموضها قط. كانت بين الحين والآخر تلقي نظرة خاطفة على كل زاوية، وتهز رأسها ندمًا وخيبة أمل، وهي تتمتم في سرها: "يا للأسف..."

كان إبن "ستارة" الذكي، يكبر ويزداد جمالًا وحلاوةً ويقظةً يومًا بعد يوم؛ كان يقف ويمشي ويفتح فمه تدريجيًا ويتكلم بلباقة. أذهل نموه السريع وذكاؤه وفهمه الفائق الجميع.

مرت ثلاث سنوات على فقدان سوار ستارة، حين صدح غرابٌ من سطح المنزل مجددًا. ذكّرها نعيق الغراب بسوارها المفقود مجددًا؛ فتنهدت وكررت في سرها: "يا للأسف... يا للأسف... لقد كان تذكارًا من أمي..."

الطفل الفضولي، الذي سمع هذه الكلمات من أمه مرارًا، سأل بصوت عذب وإصرار شديد: أمي، ما الأمر؟...

تنهدت ستارة، بأسف شديد، وأشارت إلى معصمها: "لا شيء... سواري... ضاع".

صرخ الطفل فرحًا، ولسانه معقود من الفرح، أشار إلى يد أمه وقال:

"نفس الحلقة الصفراء والحمراء التي كنت تلبسينها في يدك؟... أعرف مكانها."

سألت الأم في عجلة ودهشة: - كيف؟ أين رأيته؟... لقد فُقد منذ سنتين أو ثلاث سنوات؛ لا يا عزيزتي، لقد رأيت واحدة أخرى.

قال الطفل بحماس وتلعثم:

"أمي، أنا صادق، حاولتُ أن أُريكِ إياها مرارًا، لكنني لم أكن أعرف أسمها؛ يوم أخذها الغراب من بركة الماء "بمنقاره" ووضعها بين أغصان الشجرة؛ انهضي وانظري".

امتلأت عينا ستارة بدموع الفرح، وقلبها بآلاف ومضات الأمل. وبينما كانت تضم حبيبة قلبها إلى صدرها وتقبلها بشغف، قالت بصوتٍ متقطع:

متى؟...

أين رأيته؟

في أي يوم؟

لقد فقدت عقلي وذكائي، وارتبكت كثيراً.

انسل الطفل من بين ذراعي أمه بحركةٍ ملتوية، وأجاب:

لا أعرف أي يوم؟

لكن في ذلك اليوم، كانت السماء مظلمة ومليئة بالثقوب!

قالت الأم، التي بدت وكأنها تذكرت ذكريات ذلك اليوم للتو، بسعادة:

صدقت يا بني! أنت، كنت طفلاً في الشهر الرابع أو الخامس من عمره، رأيت هذا الغراب الوقح يسرق من تحت الغربال في ذلك اليوم، وتتذكره هكذا؟

نظر الابن إلى أمه بنظرةٍ ثاقبة، وأجاب بحزم: أمي، لم أرَ غربالًا ولا أعرف ما هو؟ ولكنني أتذكر جيداً أن السماء في ذلك المساء كانت مليئة بالثقوب.

هل تعتقدون أن القصة التي رويتها لكم كانت أسطورة أم حقيقة؟.

هل يُعقل أن يكون طفل في الشهر الرابع أو الخامس من عمره بهذه اليقظة والذكاء والذاكرة؟.

ربما اختلق الرواة هذه القصة وتناقلها السذج شفهيًا؟.

مهما يكن، فقد حُكيت هذه القصة عن شخص كانت طفولته وشبابه مليئة بالمفاجآت، ولهذا نقول نحن الإيرانيون:

"لا ينبغي للناس أن يقولوا شيئًا بسيطاً حتى يكون هناك أشياء ما".

هل كل هذا الذكاء والفطنة والحدة هو حقًا نتيجة حركة النجوم في السماء وترتيبها فيها؟.

هل تظنون أن سعادة الناس وشقائهم تحددها نجوم السماء؟ أم أن الأمر يتعلق بعمل الإنسان وجهده ومثابرته وحكمته وفكره أكثر من أي شيء آخر؟.

لعل معرفة قصة هذا الطفل الإيراني الشهير تكون إجابة لسؤالنا.

هذا الطفل ليس إلا حسين بن عبد الله بن سينا، المعروف بالشيخ الرئيس، أبو علي سينا، المفكر الإيراني الكبير في القرن الخامس الهجري.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة