وترى طهران أن الهدف الأساسي للخصوم هو إرغامها على التراجع عن شروطها ومبادئها عبر التلويح المستمر بالحرب، معتبرة أن الثبات والمقاومة أصبحا الخيار الوحيد لضمان أمنها ومنع انهيار توازن الردع في المنطقة.
تعتبر إيران أن سياسة التهديد بالحرب التي ينتهجها خصومها تهدف بالدرجة الأولى إلى ترهيبها ودفعها نحو التراجع الجزئي أو الكامل عن شروطها التي تصفها بـ «المنطقية» لإنهاء الصراع.
ووفق هذا التصور، فإن جوهر المواجهة لا يكمن فقط في وقوع الحرب بحد ذاتها، بل في كيفية تعامل إيران مع هذا التهديد ومدى قدرتها على الصمود أمام الضغوط النفسية والسياسية الناتجة عنه.
وترى طهران أن الحروب التي فُرضت عليها خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، كانت تهدف إلى كسر إرادتها وإجبارها على التخلي عن ثوابتها السياسية والاستراتيجية. إلا أن القراءة الإيرانية تعتبر أن الخصوم، رغم قدراتهم العسكرية الكبيرة، لم يتمكنوا من تحقيق تفوق حاسم على الأرض، وأن سلاح “التهديد بالحرب” كان في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من الحرب نفسها، خصوصًا في الملفات السياسية الكبرى مثل الاتفاق النووي.
وتؤكد الرؤية الإيرانية أن استمرار التهديد بالحرب بات ضرورة للخصوم من أجل الحفاظ على هيبتهم الدولية ومكانتهم كقوى كبرى، إذ إن فشلهم في انتزاع تنازلات من طهران سيعني، بحسب هذا الطرح، تراجع قدرتهم على فرض النفوذ والسيطرة على حلفائهم وشركائهم الإقليميين. ومن هنا، تنظر إيران إلى التصعيد الحالي بوصفه محاولة أخيرة لمنع تآكل صورة القوة والردع لدى خصومها.
في المقابل، ترى القيادة الإيرانية أن أي تراجع عن المواقف المبدئية لن يؤدي إلى تجنب الحرب أو تقليل الخسائر، بل سيشجع على فرض مزيد من الضغوط مستقبلاً. ولذلك، تعتبر أن الثبات في مواجهة التهديدات يمثل خيارًا استراتيجيًا لا يتعلق فقط بالحفاظ على الحقوق السياسية والنووية، بل أيضًا بضمان بقاء النظام وتعزيز قدرة الردع على المدى الطويل.
وتصف طهران المرحلة الحالية بأنها مواجهة “وجودية”، معتبرة أن تجاوز بعض الخطوط الحمراء، مثل استهداف شخصيات قيادية بارزة، يعكس استعداد الخصوم للذهاب إلى أقصى درجات التصعيد. ومن هذا المنطلق، تؤكد أن الرد على ما تصفه بالتهديد الوجودي يجب أن يكون بمستوى مماثل من الصمود والمقاومة، بما يمنع الخصوم من تحقيق أهدافهم النهائية المتمثلة بإسقاط النظام أو إضعافه جذريًا.
وفي الجانب العسكري، تعتمد إيران بشكل متزايد على استراتيجيات الحرب غير المتكافئة لتعويض الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية بينها وبين خصومها. وتقوم هذه الاستراتيجية على استخدام أدوات أقل كلفة وأكثر قدرة على التأثير، سواء في الدفاع أو الهجوم، مع توسيع نطاق المعركة عبر إدخال عناصر جديدة إلى معادلات الصراع الإقليمي.
وتشير التقديرات الإيرانية إلى أن أي تصعيد عسكري مستقبلي قد يدفعها إلى استخدام خيارات أكثر حدة لم تلجأ إليها سابقًا، بما في ذلك تهديد مسارات اقتصادية حيوية في المنطقة أو استخدام أسلحة وتقنيات أكثر تطورًا، مع تجاوز القيود التي التزمت بها في المواجهات السابقة.
على الصعيد الداخلي، ترى طهران أن المعركة لا تقتصر على المؤسسة العسكرية وحدها، بل تشمل أيضًا الجبهتين التنفيذية والدبلوماسية. وتؤكد أن استمرار تماسك الدولة وصمود المجتمع يمثلان عنصرين حاسمين في منع الخصوم من استغلال الضغوط الاقتصادية والسياسية لتحقيق أهدافهم.
كما تعتبر أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك ضمن معادلة دقيقة تهدف إلى منع الخصوم من إيجاد أي ثغرة سياسية يمكن استثمارها لفرض مزيد من الضغوط، محذرة من أن أي إشارة إلى ضعف أو تراجع داخلي قد تُفسَّر بوصفها فرصة لتصعيد أكبر في المستقبل.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو إيران مقتنعة بأن معركتها الحالية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتتحول إلى صراع طويل الأمد على توازن القوى والردع والنفوذ في المنطقة، حيث تعتبر أن الصمود، لا التراجع، هو الطريق الوحيد لضمان أمنها ومكانتها في المرحلة المقبلة.
العالم