البث المباشر

اختراع الشعب اليهودي (5)

الخميس 8 يناير 2026 - 11:42 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الخامسة- سنتحدث في هذه الحلقة عن كيفية تحول الكتاب المقدس إلى نص وطني إثر الطريقة التي اعتمدتها الحكومة الإسرائيلية .

في هذه الحلقة من البودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، سنتحدث عن كيفية تحول الكتاب المقدس إلى نص وطني إثر الطريقة التي اعتمدتها الحكومة الإسرائيلية وكيف حاولت الصهيونية، التي كانت حركة قومية عرقية منذ البداية، خلق هوية عرقية لليهود من خلال خطوات مثل العبرنة، واختراع القومية الوهمية، وتزوير التاريخ، وما إلى ذلك.

مرحباً..

أنتم تستمعون إلى الحلقة الخامسة من مراجعتنا لكتاب "اختراع الشعب اليهودي" لمؤلفه شلومو ساند، الأستاذ في جامعة تل أبيب.

ما دفعنا لإعادة قراءة هذا الكتاب لكم هو أن هذا الكتاب يتحدي كل الأسس والمزاعم التاريخية للصهاينة في إنشاء دولة وهمية في فلسطين المحتلة. إن عدوان الكيان الصهيوني على غزة وإبادته للفلسطينيين لفت انتباه الرأي العام العالمي إلى التاريخ المزيف لإسرائيل.

على مدى العقود القليلة الماضية، حاول الصهاينة تبرير احتلال الشعب الفلسطيني وارتكاب المجازر بحقه من خلال تحريف التاريخ وتصويره كضحية.

إن عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وبعد 17 عاماً من الحصار والمقاطعة الظالمة على قطاع غزة والرد الإسرائيلي الانتقامي على هذه العملية، كل ذلك كشف للرأي العام العالمي حقيقة نشوء إسرائيل وكذب وخداع الصهاينة في احتلال فلسطين. في هذه المرحلة الحرجة، يجدر بنا أن نعيد قراءة كتاب "اختراع الشعب اليهودي" الذي كتبه أحد أساتذة جامعة تل أبيب.

قام الصهاينة بتحريف رواية نقلها بعض أساتذة التاريخ اليهود في الجامعات الأوروبية والأمريكية لصالح إسرائيل وذلك بهدف إضفاء الشرعية على احتلال فلسطين وإبادة الفلسطينيين.

وفي هذه الأثناء، كشف بعض علماء اليهود عن حقيقة هذا التاريخ المزيف لإسرائيل. شلومو ساند ، هو أستاذ مادة التاريخ في جامعة تل أبيب، وأحد هؤلاء المؤرخين. بحسب رأيه، فإن "الشعب اليهودي" هو مفهوم تجريدي وأسطوري ليس له أي خلفية تاريخية أو دليل على مر التاريخ (باستثناء الفترة الحالية).

وبحسب ساند، فإن "كل النخب الفكرية" في السنوات الأولى من تشكيل دولة إسرائيل شاركت في تنمية الثالوث (الكتاب المقدس، والأمة، والأرض). ومن بين الأمثلة على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لتعزيز الخطاب المطلوب:

"إجبار الموظفين الحكوميين على تغيير أسمائهم إلى أسماء عبرية، و هو أمر عادة ما يتم اختيارها من الكتاب المقدس، أو تسمية جميع المستوطنات الجديدة تقريبًا بأسماء عبرية قديمة".

إن تفسير شلومو ساند لهذه الإجراءات هو لتحقيق هدفين : الأول هو إزالة الأسماء العربية المحلية والثاني هو الخلاص من "المنفى" الطويل والذي انتهى بإنشاء دولة إسرائيل.

مع استمرار المنهج الذي اتخذه الكيان الصهيوني، أصبح الكتاب المقدس نصًا وطنيًا. الخطوة التي يقول ساند فيها إن الحكومة لم تنتظر النخب الأكاديمية والرسمية للقيام بها. أما الخطوة التالية فهي القيام بالعَبرَنَة التي انتشرت في الأنظمة التعليمية المبنية على التركيز على الأبطال القوميين في تاريخ الشعب.

وفي هذا السياق، اقترح مؤلف كتاب "اختراع الشعب اليهودي" قراءة كتاب موشيه ديان "العيش مع الكتاب المقدس"، والذي يمكن أن يساعدنا على فهم كيفية استخدام التاريخ القديم لتشكيل الجيل الأول من اليهود الفلسطينيين أيديولوجيا.

إن ما فعله موشيه ديان في كتابه "العيش مع الكتاب المقدس" يمكن تلخيصه بهذه الكلمات: "ربط استيعاب القومية الوهمية المصطنعة بالأهداف السياسية للمجتمع المنفي".

القائد السابق لهيئة الأركان العامة لقوات الدفاع الإسرائيلية موشيه ديان، والذي كان لفترة من الزمن وزيراً للدفاع ثم وزيرا للخارجية في إسرائيل، عندما يقوم بوصف رحلات إبراهيم وإسحاق ويعقوب، يجعل فيما بينها قصصا عن طفولته وشبابه، كما يشرح فتح كنعان بوصف مثير.

وفيما يتعلق بمنهج صنع الأبطال، يمكننا أن نستشهد أيضاً بقصة انتصار داود الصغير على عملاق مثل جالوت، والتي أصبحت رمزاً لكل حروب إسرائيل مع العرب.

في معرض إشارته إلى تزوير النتائج الأثرية في إسرائيل يقول شلومو ساند، إن موشيه ديان لم يكن سوى عالم آثار غير محترف في مهنته. وجاء في كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، عن تغيير النتائج للأبحاث الأثرية يقول:

"كشفت حفريات (يغائيل يادين) في الخمسينيات والستينيات، مثل اكتشافات أولبرايت، عن نتائج تتفق مع النص المقدس فقط". ويقول ساند إن بعض الأشخاص قاموا بتكملة أجزاء هذه الخطة بالكثير من الأدلة الإضافية وعرضوها على الجمهور.

إن الإشارة إلى كتاب "أطلس الكتاب المقدس" ليوحانان أهروني، الذي صدر عام 1964، هو مثال آخر على تزوير النتائج الأثرية لتاريخ الشعب اليهودي. ويعتقد شلومو ساند أن جميع محتويات هذا الكتاب يتوافق بشكل كامل مع الاكتشافات الأثرية خارج الكتاب المقدس. و يضيف مؤلف كتاب اختراع الشعب اليهودي:

"لا داعي للقول إن هذا الأطلس لم يظهر الحدود الضيقة لدولة إسرائيل وقت نشره، بل أظهر فقط حدود المملكتين العظيمتين لداود وسليمان وتحركات الأبطال الإسرائيليين المختلفين في المعركة".

في الصفحة ١٨٨ من كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، يلفت شلومو ساند إلى التزويرات التاريخية التي قام بها المؤرخون الصهاينة قائلا:

"في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهو زمن الخروج المزعوم، كان الفراعنة لا يزالون يحكمون كنعان بقوتهم. هل يعني هذا أن موسى قاد العبيد المحررين إلى مصر؟ وفقًا لرواية الكتاب المقدس، فقد بلغ عدد أفراد الشعب الذين قادهم في التيه لمدة أربعين عامًا ٦٠٠ ألف محارب، سافروا مع زوجاتهم وأطفالهم، أي ما يقارب ثلاثة ملايين شخص.

وبغض النظر عن استحالة تيه مثل هذا العدد في الصحراء لهذه الفترة الطويلة، فإن حدثًا بهذا الحجم كان سيترك وراءه نقوشًا أو علامات أثرية. دوّن المصريون القدماء كل حدث بدقة متناهية، وهناك وثائق وفيرة عن الحياة السياسية والعسكرية لهذه المملكة. بل إن هناك أدلة على غزو مجموعات بدوية لهذه المنطقة.

"ومع ذلك، لا يوجد أي ذكر لبني إسرائيل الذين عاشوا في مصر، أو تمردوا عليها. أو هاجروا منها."

تدحض كتابات شلومو ساند العديد من المواد الكاذبة والمختلقة للمؤرخين وعلماء الآثار الصهاينة. ومن المثير للاهتمام أن صاحب هذا النهج ومؤسسه هي مجموعة أخرى من المؤرخين اليهود الذين سعوا إلى معرفة الأسباب الحقيقية للأحداث التاريخية. ومن بينهم بنيامين مازار، الذي كان أحد مؤسسي علم الآثار القومي اليهودي في أواخر الستينيات، أو توماس إل. تومسون، وهو أميركي أدرج ساند اسمه ضمن مجموعة الباحثين الشجعان غير الإسرائيليين.

في واقع الأمر، فإن الأسئلة التي أثارها هؤلاء المؤرخون كشفت عن هشاشة القصص الملفقة عن التاريخ المزيف للشعب اليهودي. يواصل شلومو ساند في كتابه، الحديث عن قضايا يمكن وصفها تصيدا لأخطاء الأعمال الفنية اليهودية (أو بالأحرى الإسرائيلية) المهمة، مثل فيلم الرسوم المتحركة بعنوان"الأمير اليهودي" أو أفلام أخرى تم إنتاجها حول موضوع "خروج اليهود من مصر"، وما إلى ذلك.

يشير شلومو ساند إلى جزء آخر من قضايا تاريخ اليهود الملفقة قائلا:

«في صحراء سيناء لم يُعثر على أي دليل على الهجرة الكبيرة للشعب في الفترة المذكورة في الكتاب المقدس، ولم يُكتشف بعد مكان جبل سيناء الشهير المذكور في الكتاب المقدس.» و«هذه الأسطورة تم وصفها بتفاصيل مزركشة في كتاب يوشع كواحد من النماذج الأولية للإبادة الجماعية، والتي لم تحدث أبدا.» ، «فتح كنعان الشهير كان ثاني أسطورة انهارت في الصراعات الأثرية الحديثة.»، «إذا كان المصريون يحكمون هذا البلد في زمن الفتح المفترض لبني إسرائيل، فكيف لم يُذكر ذلك حتى في وثيقة مصرية واحدة؟.

علاوة على ذلك، لماذا لا يشير الكتاب المقدس إلى وجود المصريين في هذا البلد؟» الحركات القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا أدت إلى تشكيل حركة قومية واستعمارية لليهود والصهاينة، الذين قاموا بعد ذلك بإجراء تغييرات في الكتاب المقدس وتاريخ الدين اليهودي لتحقيق أهدافهم الأخرى.

إن كتاب العهد القديم المهم الذي كتبه العديد من المؤلفين، وبعد ذلك قام آخرون بتصحيحه على مر السنين، هو كتاب مليء بالتناقضات. نقطة مهمة أخرى يذكرها شلومو ساند في هذا الموضوع تتعلق بكتاب إستير.

يقول إن زمن كتابة هذا الكتاب غير محدد في الكتاب المقدس. وفقاً لساند فإن الصهاينة، لا يمكنهم أبداً التكيف مع هذه الحقيقة المزعجة، وهي أنه لم يكن هناك ثقافة تُدعى ثقافة قوم اليهود، بل كانت هناك فقط ثقافة اليديش Yiddish)) التي تشبه ثقافة جيرانهم أكثر بكثير من تشابهها مع المجتمعات اليهودية في أوروبا الغربية أو شمال أوروبا.

من وجهة نظر مؤلف كتاب "اختراع قوم اليهود"، فإن غياب الأبحاث الاجتماعية واللغوية والإثنوغرافية حول نمط الحياة قديما في المستوطنات البولندية والليتوانية ليس مصادفة.

لقد نشأت فكرة الصهيونية في أوروبا الوسطى والشرقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، في الأراضي الواقعة بين فيينا وأوديسا. هذه الفكرة (كما يعبر شلومو ساند إنتشرت بطريقة متزعزعة على هامش القومية الألمانية وبلغت الأسواق الثقافية النشطة للجالية اليديشي.

يعتقد ساند أن الصهيونية، رغم كونها هامشية، إلا أنها كانت جزءًا من آخر موجة من اليقظة الوطنية في أوروبا، وتزامنت مع ظهور أيديولوجيات أخرى تشكل الهوية في هذه القارة. كما يعتقد أن المؤسسين الأيديولوجيين للصهيونية كانوا ينتمون بشكل أو بآخر إلى الثقافة الألمانية.

بشكل عام، فإن الرسالة الرئيسة لشلومو ساند حول الصهيونية والحكومة اليهودية ترتبط بالحديث عن ثقافة متميزة وليس عن دين؛ الثقافة التي هيأت المجال لنمو النزعة الوطنية لدى اليهود، وبالتالي الصهيونية.

كتابة التاريخ الوطني التي قام بها المثقفون والمهتمون بالثقافة اليهودية (الصهيونية) لم تكن بهدف اكتشاف الحضارات القديمة والبحث عن المكانة الأصلية لأتباع موسى (عليه السلام). بل كان الهدف الرئيسي، وكما يعبر شلومو ساند، هو بناء هوية جماعية وتعزيز الوضع السياسي الحالي.

في هذا السياق، يقول إنه كلما ابتعدنا عن المعايير الدينية وركزنا أكثر على البحث في الأعمال اليومية المتنوعة، اكتشفنا أنه لم يكن هناك أبدًا عنصر قومي غير ديني مشترك بين المؤمنين اليهود في آسيا وأفريقيا وأوروبا. لقد كانت المجتمع اليهودي في العالم دائمًا ثقافة دينية كبيرة.

فعلى الرغم من أنها كانت تتكون من عناصر متنوعة، إلا أنها لم تكن أمة غريبة أو مشردة. خلاصة القول هي أنه "لم يكن هناك أبدًا في تاريخنا أمة-عرق ملعون تم طردها من الأرض المقدسة بسبب قتل المسيح وسكنت بين الأمم الأخرى دون توجيه دعوة إليها."

أحد تحليلات شلومو ساند المثيرة للاهتمام حول النهج القومي للصهيونية هو الإشارة إلى استغلال الكراهية القديمة والضغينة التي يكنها المسيحيون تجاه اليهود (قاتلي المسيح حسب اعتقاد المسيحيين).

يقول:

'إنه في الأراضي التي كانت القومية المدنية والسياسية هي السائدة فيها، كان من الممكن الحد من الكراهية القديمة التي كانت جزءًا من التراث المسيحي ودمج اليهود المطرودين ضمن الهوية الجديدة".

في هذا السياق، كان الدستور الأمريكي، والثورة الفرنسية، وقوانين بريطانيا العظمى تتقبل ذلك بشكل مناسب، مما وفر أساسًا قويًا لنمو الاتجاهات الشاملة التي حققت موقعًا متفوقًا في الساحة العامة من خلال النضال التدريجي. ونتيجة لذلك، أصبح اليهود في هذه البلدان ودول أخرى جزءًا لا يتجزأ من الأمة.

كانت الصهيونية منذ البداية حركة قومية محورية حول العرق، إذ أحاطت الشعب التاريخي الذي اخترعته بسياج قوي ومنعت أي انضمام مدني تطوعي إلى الأمة التي بدأت الصهيونية في تصميمها.

أحد المحاور المهمة في فكر الصهيونية هو موضوع النفي. تشكلت أسطورة نفي اليهود حول التقليد الذي كان لدى المسيحيين عن أتباع موسى (عليه السلام). يقول ساند إن الاستئصال والنفي هما مفهومان متجذران في التقليد اليهودي بكل أشكاله.

كانت الديانة اليهودية تنظر إلى الماضي من منظور التشرد والاستئصال والعودة، وساعدت هذه الذكرى الأدبية الدينية في تشكيل المشاعر الدينية اليهودية في العصور اللاحقة. يجب أن نلاحظ أنه تم استخدام مصطلح "الذكرى الأدبية" وليس "الذكرى التاريخية" أو "الذكرى الدينية".

في الفصل الثالث من كتابه، يصل شلومو ساند إلى نتيجة أن أسطورة الاستئصال والنفي قد رعتها التقليد المسيحي. يعتبر هذا الباحث الإسرائيلي أن المصدر الوحيد لمناقشة النفي هو ما كتبه المؤرخ "فلافيوس يوسيفوس" عن ثورة المتعصبين في عام 66 ميلادي، ويشير إلى المبالغات الموجودة في روايته. تحدث يوسيفوس أو يوسف فلافي عن مقتل 1.1 مليون شخص في أورشليم و أسر 97 ألف شخص، بينما يقول شلومو زند إن التقديرات الحذرة تشير إلى أن أورشليم ربما كانت تحتوي في ذلك الوقت على سكان يتراوح عددهم بين 60 إلى 70 ألف شخص.

وفي سياق توضيحه لهذه النقطة، أشار إلى الوثائق التاريخية للرومان، قائلاً:

"في الوثائق العديدة للرومان لا يوجد أي إشارة إلى نفي اليهود."

وفقًا لهذا الأستاذ الإسرائيلي، في القرن الثامن الميلادي، كانت أراضي كنعان بالكامل مخصصة لمملكة إسرائيل القوية ومملكة يهوذا الصغيرة. لم تكن الحكومة القديمة والتاريخية لليهود أبداً مملكة كبيرة ومهيبة.

حسنًا، أصدقائي الأعزاء، إذا كنتم تستمعون إلى هذا الجزء، فهذا يعني أنكم قد استمعتم إلى الحلقة الخامسة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، حيث شرحنا كيف أن الكتاب المقدس، مع النهج الذي اتخذته حكومة إسرائيل، تحول إلى نص وطني، وكيف أن الصهيونية، التي كانت منذ البداية حركة قومية محورية حول العرق، حاولت من خلال إجراءات مثل العبرنة، وإبداع القومية الوهمية، وتزوير التاريخ، وغيرها، أن تبني قومية لليهود.

نأمل أن تكونوا قد استمتعتم بهذه الحلقة، كما سنكون سعداء إذا رافقتمونا في الحلقات القادمة، وإذا أعجبتكم الحلقة، شاركوها مع أصدقائكم.

سنكون معكم مرة أخرى خلال أسبوع، وسنتحدث معكم أكثر عن كيفية اختراع قوم يهود.

شكرًا جزيلاً لمرافقتكم

إلى اللقاء!.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة