قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ ۳

الأحد 17 مارس 2019 - 09:52 بتوقيت طهران

الحلقة 54

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على امين وحيه محمد المصطفى واله الهداه الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق. * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل حديثنا عن حكاية نبى الله ابراهيم _عليه السَّلام_ التي ذكرت في سورة الانعام من الاية الثمانون الى الثالثة والثمانين وهي تذكر قصة احتجاج قوم ابراهيم. • * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • * بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات. • ثم نتعرف على معاني مفرداتها والعبارات التي وردت في الايات. • نستمع الى فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين وهو يشرح قوله تعالى، "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ". • نستمع بعد ذلك الى سرد الجزء الثالث من حكاية ابراهيم _عليه السَّلام_. • و نغترف من معين رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) في ظل قوله تعالي"الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية. فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء.

*******

 

المقدمة


تعقيباً على ما جرى بحثه فى الحلقات السابقة بشأن استدلالات إبراهيم _عليه السلام_ التوحيدية، ودعوته لابيه آزر تشير هذه الآيات إلى ما دار بين إبراهيم والأقوام المشركة من عبدة الأصنام، ومنهم عمه آزر. فتابعونا ايها الاحبة وهذه التلاوة العطرة لاي الذكر المجيد....

*******

 

التلاوة


"وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (۸۰) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (۸۱) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (۸۲) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (۸۳)" 

*******

 

المفردات


"وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ" بمعنى ان قوم إبراهيم _عليه السلام_ اختاروا في محاجتهم إياه سبيل الخوف من الالهة فأرهبوه من قهرها وسخطها، فردّ عليهم إبراهيم _عليه السلام_ قائلا:"قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ" اي لماذا تجادلونني في الله الواحد الأحد وتخالفونني فيه، وهو الذي وهبني من الدلائل المنطقية الساطعة ما هداني به إلى طريق التوحيد. ثم اضاف قائلا: "وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ..." اي انه لايخشى أصنامهم التي لا حول لها ولا قوّة في إيصال أي أذى إليه فما من أحد ولا من شيء بقادر على أن يلحق به ضرراً إلاّ إذا شاء الله: "إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا" . ثم يبين أنّ ربّه على درجة من سعة العلم بحيث يسع علمه كلّ شيء:"وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا" وبعد ذلك يحرّك فيهم روح البحث والتفكير فيخاطبهم قائلا: "أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ" . فى الآية التّالية "وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا" . «السلطان» بمعنى التفوّق والإنتصار، ولمّا كان الدليل والبرهان من أسباب الفوز والإنتصار، فقد يوصفان بالسلطان أيضاً، كما هو الحال هنا، أي لا وجود لأي دليل على السماح بعبادتها وهذا ما لم يستطع إنكاره عابد صنم، لأنّ أمراً كهذا ينبغي أن يصدر عن طريق العقل والمنطق، أو عن طريق الوحي والنبوة، وعبادة الأصنام مفتقرة إلى كليهما اذن نجد إبراهيم يستخدم منطقاً استدلالياً آخر، فيقول لعبدة الأصنام: كيف يمكنني أن أخشى الأصنام ويستولي علي الخوف من تهديدكم، مع إنّي لا أرى فى أصنامكم أثراً للعقل والإدراك والشعور والقوة والعلم، أمّا أنتم فعلى الرغم من إيمانكم بوجود الله وإقراركم له بالعلم والقدرة، ومعرفتكم بأنّه لم يأمركم بعبادة هذه الأصنام، فانّكم لا تخافون غضبه. ويتساءل منهم "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" . فى الآية التّالية جواب يدلى به إبراهيم على سؤال كان هو قد ألقاه فى الآية السابقة يقول: إنّ المؤمنين الذين لم يمزجوا إيمانهم بظلم، هم الآمنون وهم المهتدون "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" .

*******


زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هنا "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا" هذه اشارة الى ما تقدم من استجوابه عليه السلام على وحدانيته تعالى بأفول القمر والكوكب والشمس واحتجاجه بذلك على قومه "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى" على قومه هنا يعني آتيناها ابراهيم حجة على قومه، دليلاً على قومه او على قومه متعلق بحجتنا يعني وتلك حجتنا على قومه آتيناها ابراهيم، على كل حال الاشارة بتلك وتلك حجتنا الى ما وقع به الاحتجاج من قوله "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً" بعضهم قال اشارة الى جميع ما تكلم به ابراهيم في محاجة قومه، اذن هناك اتجاهان في عالم التفسير، اتجاه يخصص الحجة هنا بما حصل من مناظرته مع قومه بخصوص الكوكب والقمر والشمس واتجاه اخر يعمم ليشمل الحجج الاخرى، حجة عدم الضر والنفع التي ذكرت في السياق "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا" ولكن في رواية اهل البيت، رواية الامام الرضا عليه السلام يبدو ان الاتجاه الاول هو الاقرب يعني ان "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا" مناظرة ابراهيم عليه السلام قومه في قضية الكوكب والنجم والشمس والقمر "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ" هذه الاية الخامسة والسبعون من سورة الانعام المباركة "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ{۷٦} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ{۷۷} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{۷۸} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ... " بعد ذلك تأتي هذه الاية " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ" هنا رواية الامام الرضا في مجلس المأمون تؤكد هذا المعنى"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ" اشارة الى استدلال ابراهيم على بطلان الوهية الكوكب والقمر والشمس هذه المناظرة الرائعة التي يقول فيها لااحب الافلين، لقد تحدثنا من باب النظر ومن باب المناظرة قلنا السياق يؤيد انها من باب المناظرة، من باب المحاكاة يعني هو يعرف ان الله هو الاله وهو الرب ولكنه اراد ان يهدي قومه بأسلوب الموافقة ثم المخالفة، هذا اسلوب جميل واسلوب رائع، الانسان حينما يوافق اولاً وبعد ذلك يخالف حتى يستطيع ان يغير الاخر "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ" اشارة الى هذه المناظرة الرائعة مع قومه في قضية الكوكب والقمر والشمس. اما قوله تعالى "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ" ما المقصود من حجتنا وكيف ان الله يسدد انبياءه _عليه السَّلام_ نستمع الى حديث سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ تفسير القران الكريم من مدينة قم المقدسة....

*******

 

القصة


القصة ابراهيم شرع إبراهيم يدعو إلى الله تعالى، ويأمر قومه بنبذ الأصنام، ولكن.. القوم لم يستجيبوا لإبراهيم دعوته وأصرّوا على الشرك "وَحَاجَّهُ" في ألوهيّة الأصنام.. قالوا: إن الأصنام هي الآلهة، واللازم علينا أن نعبدها. "قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ" وتدعوني إلى أن اترك الله "وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ" فإني لا أخاف من آلهتكم، وأي ضرر يمكن أن يضرّني به الصنم أو الكوكب والقمر والشمس؟ كلاّ! إنها لا تضر ولا تنفع "إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا" فانّ ربي هو الذي يضر وينفع، وأن أصنامكم لا تعلم شيئاً "وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً" يعلم كل شيء "أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ" ؟ ثم خوفهم إبراهيم من عذاب الله، قال: "وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ" وجعلتم له شريكاً كذباً، لكنّ القوم أصرّوا في العناد.. ولم ينفعهم كلام إبراهيم. ثم أخذ ينصحهم مرّة ثانيةً. "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ {۷۰}" "قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ{۷۱}" "قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ{۷۲}" قالوا: لا.. إنها أصنام من جماد لا تسمع دعوتنا. قال: هل "أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ" ؟ قالوا: لا.. إنها لا تتمكّن من جلب نفع أو دفع ضرر. قال: فكيف تعبدون ما لا يسمع.. ولا ينفع.. ولا يدفع؟ "قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ{۷٤}" وإنا نتبع آباءنا تقليداً لهم. "قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ{۷٥} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ{۷٦} فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ{۷۷}" إن الأصنام أعداء الإنسان، إنها توجب للإنسان شرّ الدنيا وشرّ الآخرة. أمّا الله تعالى فهو الذي يدبّر أمور الإنسان: "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ{۷۸} وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ{۷۹} وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ{۸۰} وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ{۸۱}" . ولكنّ القوم لم يقبلوا كلام إبراهيم، وركبوا رؤوسهم، ولم يؤثر فيهم نصحه ومنطقه.

*******


 

من هدى الائمة _عليه السلام_


  في الدر المنثور، في قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ" شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون أ لم تسمعوا ما قال العبد الصالح: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" ؟ إنما هو الشرك.

*******

 

دروس وعبر


*يظهر من الآية "وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً" أنّ إبراهيم _عليه السلام_ سعى لإتخاذ إجراء وقائي تجاه حوادث محتملة، فيؤكد أنّه إذا أصابه في هذا الصراع شيء ـ فرضاً ـ فلن يكون لذلك أي علاقة بالأصنام، بل يعود إلى إرادة الله، لأنّ الصنم الذي لا روح فيه ولا قدرة له على أن ينفع نفسه أو يضرّها، لا يتأتى له أن ينفع أو يضرّ غيره. *تؤكد الاية المباركة كيف "أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ" ان الانسان لا يحصل على الامن والاستقرار الا من خلال الاعتقاد بالوحدانية وعقيدة التوحيد. * واما قوله تعالى "مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً" فهو دلالة على ان العقائد الدينية يجب ان تبنى على اساس المنطق والبرهان ليحقق الانسان التفوّق والإنتصار على الباطل. * ان ابراهيم _عليه السَّلام_ يعلمنا من خلال هذا الحوار مع قومه انه يجب ان لا نسيئ الى معتقدات الاخرين حتى لو كانوا على باطل بل نناقشهم بالمنطق والبرهان وان نثير عواطفهم. وادراكاتهم كقوله _عليه السَّلام_ "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {۸۱}" 

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم