البث المباشر

بين الإيرانيين (1)

الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 14:12 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الأولى- إيران موطنٌ لإحدى أقدم الحضارات في العالم. وإنّ افتتان العالم بإيران ليس بالأمر الجديد. فلقرون، انبهر العالم ببلدٍ مختلفٍ تمامًا عن غيره من بلدان العالم.

جاء في القصص القديمة، أن أناسا لم يروا فيلًا من قبل صادفو هذا الحيوان لأول مرة في غرفة مظلمة. فلمسوا في ذلك الظلام الفيل بأيديهم للتعرف عليه. وصفه أحدهم بلمس خرطومه بأنه ميزاب؛ ووصفه آخر بأذنه بأنه مروحة يدوية؛ ولمس آخر ساقه واصفا إياه بعمود متين؛ ووصفه آخر بعد لمس ظهره بأنه سرير.

حوالي عام 300 قبل الميلاد، وصف الفيلسوف والمؤرخ اليوناني هيرودوت إيران بأنها "أرض المعابد الجميلة والقصور الباذخة، ومهد الفن والسجاد المنسوج يدويًا، والقطط الجميلة ذات الفراء، والمنمنمات، والحدائق الغنّاء".

أمضى الفيلسوف وعالم الرياضيات اليوناني القديم فيثاغورس اثنين وعشرين عامًا من حياته يسافر ويزور بلدانًا مختلفة. وصل إلى إيران بعد وفاة أول ملوك الأخمينيين كوروش الكبير.

يذكر أرض إيران بدهشة، لأنه وفقًا لفيثاغورس، كتب الإيرانيون وصية كوروش بورق من ذهب على قطعة قماش منسوج من الذهب. كتب فيها: "بما أنني قد رحلت عن هذا العالم، فلا تزيّنوا جسدي المتبرد بالذهب والفضة، بل ادفنوه بسرعة..."

يذكر التاجر الفينيسي العظيم ماركو بولو، إيران في مذكراته عن رحلاته، ويصف مدنها الكبيرة والقديمة. أسواقٌ واسعة، وأقمشةٌ حريرية، ومباني ​​من الطوب ، ومصداتُ رياحٍ شاهقة، وقنواتٌ مائيةٌ زاخرة، وأشجارٌ معمرةٌ عمرها ثمانمائة عام.

بعد الغزو المغولي دخل ابن بطوطة، أحدُ أعظم الرحالة في التاريخ، إيران ووجد جزءًا من مدينة أصفهان التاريخية الكبيرة مهدماً. ومع ذلك، وصفها بأنها مدينةٌ كبيرةٌ وجيدة. وعندما أقام في مدرسة الإمام الشوشتري، وصف نظامها وطعامها اللذيذ بأنه لا مثيل له.

العديد من السياح الحاليين الذين يسافرون إلى إيران يعتبرونها "أرضًا ذات جمالٍ طبيعيٍّ أصيل، وموطنًا للعديد من أنواع النباتات والحيوانات، وبالطبع، منتجًا بارزًا للنفط والغاز".

لكن بالنسبة للكثيرين، وخاصةً في الدول الغربية، لا تزال إيران غريبةً وغامضة، ولكل سائحٍ تطأ قدمه هذه الأرض العجيبة، يجد مفهومًا فريدًا ومختلفًا. تمامًا مثل قصة الفيل في الظلام؛ لأن قلة من المسافرين تمكنوا من رؤية ولمس كل عظمة وجمال وعجائب أرض إيران الرائعة، وأحيانًا يعجزون عن وصف كل هذه العجائب والجمال.

أحد الأشخاص الذين سافروا إلى إيران في الفترة المعاصرة وبعد الثورة الإسلامية، أي في الثمانينيات الميلادية، هي "صوفيا كوتلاكي" من اليونان. صوفيا، التي درست اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة أثينا وحصلت على درجة الدكتوراه في اللغات من جامعة كارديف بإنجلترا، سافرت إلى إيران في فبراير 1989 (م).

كان وصول صوفيا إلى إيران بعد سبعة أشهر من انتهاء الحرب الإيرانية العراقية. فُرضت هذه الحرب على إيران بعد 19 شهرًا بالضبط من انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بعد غزو العراق لغرب وجنوب إيران وقد استمرت الحرب ثماني سنوات.

كانت صوفيا تعمل في شركة إيرانية مقرها لندن، ودُعيت من خلال هذه الشركة لحضور احتفال الذكرى العاشرة لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٨٩. نشرت نتائج رحلاتها إلى إيران في كتاب بعنوان "بين الإيرانيين"، عرّفت فيه بثقافة الإيرانيين وعاداتهم.

في هذه السلسلة من البودكاست، نسعي لتعريف إيران من خلال عيون صوفيا كوتلاكي.

فأهلاً بكم في الحلقة الأولى من بودكاست "بين الإيرانيين".

عندما زرتُ إيران لأول مرة (أواخر ثمانينيات القرن الماضي)، شعرتُ وكأنني دخلتُ عالمًا آخر. بالطبع، التقيتُ بإيرانيين قبل هذه الرحلة بسنوات، بل وتزوجتُ رجلاً إيرانيًا، لكنني لم أرَ هذا البلد عن قرب قط.

عندما وصلتُ إلى الفندق، كان أهل زوجي ينتظرونني بفارغ الصبر، لكنهم انتظروا حتى أسجل دخولي إلى غرفتي وأطلب من المرشد السياحي الإذن بقضاء الليلة في منزل أقاربي الإيرانيين.

وُلد زوجي، حسين، في مدينة الري، إحدى أقدم مناطق محافظة طهران. وقد ذُكرت مدينة الري في العديد من مذكرات الرحلات الشهيرة. كما يقع في مدينة الري مقام الشاه عبد العظيم، أحد المعالم التاريخية والدينية في إيران. يضم هذا المقام في الواقع ضريح السيد عبد العظيم الحسني، العالم والمحدث الشيعي البارز، من نسل الإمام الحسن (عليه السلام)، ثاني أئمة المسلمين.

قبل وصولي إلى إيران، شرحت لي صديقة أن هذا المقام مزارٌ، وأن النساء الإيرانيات يرتدين حجابًا أسود في مقامها احترامًا له. أخرجتُ الحجاب الأسود الذي استعرته من صديقتي في لندن من حقيبتي فور وصولي إلى الري. كنتُ متحمسةً لارتداء الحجاب كما الطفلة؛ كانت حقيبة في يدي و اليد الأخرى مليئة بالهدايا، ففتقدتُ يداً أخرى للإمساك بحجابي! كان المشي بالحجاب صعبًا للغاية، وربما ظهرت عرجاء امام حماي وأخت زوجي عندما خرجتُ من المصعد.

كان الحاج ناصر آهنكر، والد زوجي، أقصر وأمتن من حسين، وابتسامته الساحرة كانت على وجهه دوما . أما منصورة، أخت زوجي، فكانت في مثل عمري؛ معلمة في مدرسة ابتدائية بعيون جميلتين وحاجبين بنيين.

عندما وصلنا إلى منزل والدي زوجي، كنتُ أعلم أنه يجب عليّ خلع حذائي قبل دخول المنزل وأمام الباب. كنتُ حريصة جدًا على التصرف كأهل المنزل وعدم القيام بأي شيء خاطئ يُسبب الإزعاج لأي شخص. ولأنهم كانوا سيستقبلون ضيوفًا، ولم أكن أعلم أنه في الثقافة والعادات الإيرانية، لايليق عدم ارتداء الجوارب أمام الضيوف أو الغرباء، فكنت أخلع جواربي. لكن الحمد لله، أدركتُ ذلك بسرعة وارتديتُ جواربي قبل وصول الضيوف.

هناك أمرٌ مثيرٌ للاهتمام حول المنازل الإيرانية أودُّ إخباركم به. منذ مئات السنين، كانت المنازل في إيران تحتوي على دورات مياه. في المنازل القديمة، كانت هذه المراحيض تقع في الفناء، وهو أبعد نقطة في المنزل. في هذه المنازل، كان الفناء هو الحد الفاصل بين المنزل والحمام. على جميع أفراد المنزل استخدام زوجٍ خاصٍّ من النعال للذهاب إلى هذا المكان، وعادةً ما تكون مغسولةً ونظيفةً وتُسند على باب الحمام.

بالإضافة إلى النعال المخصصة لدورات المياه، لكل فرد من أفراد الأسرة نعاله الخاصة. بعد الخروج من دورة المياه، يرتدي كل فرد نعاله الخاصة للمشي في الفناء، ويجب عليه خلعها قبل دخول المنزل. وبالطبع، لا يحتاج الضيوف إلى إذن المالك لاستخدام نعال أفراد الأسرة، لذا لا داعي لإحضار نعالكم الخاصة.

في المنازل الجديدة، التي غالبًا ما تكون شققًا وليس بها فناء، يُبنى المرحاض الإيراني داخل المنزل، وتُوضع نعاله داخل المرحاض أيضًا ولا تُخرج. بهذه الطريقة، تبقى المنازل الإيرانية نظيفة ومرتبة دائمًا. وبما أن الإيرانيين كانوا يبنون دورات المياه في أقصى أجزاء المنزل سابقًا، فإن دورات المياه اليوم في بعض الشقق تقع بالقرب من مدخل المنزل، وغالبًا ما تكون داخل الحمام. كما يجب العلم أنه لا ينبغي ارتداء نعال المرحاض في أي مكان آخر من المنزل تحت أي ظرف من الظروف.

هناك نقطة جديرة بالإضافة إلى كلام السيدة كوتلاكي هنا، وهي أنه في إيران، منذ العصر الأخميني على الأقل، حوالي 550 عاما قبل الميلاد، كانت هناك مراحيض تُعرف باسم "الآبريزكاه". كانت المراحيض في إيران القديمة تشبه كرسيًا حجريًا أو منصة، وفي وسط هذه المنصة كان يوجد نظام تصريف ومجاري، يشبه إلى حد ما مراحيض اليوم، وهو أقل ضررًا بالصحة البدنية.

ولكن عندما ننتقل إلى التاريخ، نصل إلى الغزو المغولي، الذي يكون عليه شكل المراحيض الإيرانية اليوم.

لنعد إلى وصف السيدة كوتلاكي للثقافة والعادات الإيرانية. توضح السيدة كوتلاكي:

"في إيران، يجب أن تكون مستعدًا دائمًا لخلع حذائك، خاصةً عند دخول منزلك. أحد أسباب خلع الإيرانيين لأحذيتهم في الخارج هو أنهم لا يحبون دخول تلوث الشوارع إلى منازلهم. يجب الحفاظ على نظافة سجاد المنزل، لأن أهل البيت ينامون عليه، ويأكلون عليه، والأهم من ذلك، يصلون عليه".

أحب هذه العادة لديهم، لأنها تُقلل من حاجة المنزل للتنظيف. في إيران، حتى أفقر الناس يحافظون على نظافة منازلهم. في معظم المنازل الإيرانية، توجد أريكة واحدة على الأقل في كل منزل. إلى جانب الجزء المخصص لاستقبال الضيوف، يوجد في المنازل الإيرانية جزء أكثر خصوصية يُسمى "القاعة"، وهي غرفة واسعة نسبيًا للتجمعات العائلية الحميمة. في هذا الجزء من المنزل، عادةً ما توجد أريكة مريحة. في الماضي، كانت الأريكة في إيران علامة على الثراء، أما الآن، فيستخدمها جميع الإيرانيين.

إذا كان الإيرانيون ودودين مع ضيوفهم، فقد يدعونهم إلى غرفة الإستقبال لأنهم يجدون استقبالهم بتلك الأرائك الملكية والرسمية مملًا.

ومن الأمور المثيرة للاهتمام التي تعلمتها أن الإيرانيين يهتمون دائمًا بأفضل ما يقدمونه لضيوفهم. على سبيل المثال، إذا كان المنزل لا يتسع إلا لأريكة واحدة تتسع لسبعة أشخاص، فهذه الأريكة مخصصة للضيوف. إذا كان المنزل يتسع لأريكتين، فإن الأريكة الملكية الفاخرة مخصصة للضيوف، والأريكة المريحة مخصصة لأفراد العائلة.

يُعد احترام كبار السن والضيوف أمرًا بالغ الأهمية لدى الإيرانيين، فيجلس الشباب والمضيفون أمامهم باحترام دون أن يمدوا أرجلهم. ومع ذلك، عند وجودك في المنزل مع عائلتك أو المقربين، يُسمح لك بالاتكاء على الأريكة أو الجلوس براحة على الأرض، حتى في حضور من هم أكبر منك سنًا.

أما في المناسبات الرسمية، كحفلات الخطوبة، فإن الأدب يقتضي الانتباه إلى طريقة الجلوس والوقوف باستقامة. وهذا يُظهر أهمية مراعاة الأدب في حضور الآخرين.

إذا أردتُ أن أتحدث عن تقسيم العمل في العائلات الإيرانية، لقلتُ:

"إذا كان منزل الرجل الإنجليزي هو قصره، فإن المنزل الإيراني هو ملكٌ لسيدة المنزل. وعندما تكبر سيدة المنزل قليلًا، يُساعد جميع أفراد الأسرة سيدة المنزل المسنة في الأعمال المنزلية اليومية. يقوم أبناء العائلة بالتسوق اليومي، كالخبز الطازج والزبادي والخضراوات. وتساعد البنات في الأعمال المنزلية، كتنظيف المائدة وغسل الأطباق وترتيبها. كما يتحمل الرجال مسؤوليات جسيمة، كغسل السجاد وتنظيف النوافذ والجدران".

سبق أن تحدثت عن الفناء في المنازل الإيرانية. ولكن يجب أن أضيف أن الفناء، بالنسبة للإيرانيين، جزء من المنزل، وله أهمية كبيرة، ويحافظون على نظافته وترتيبه، تمامًا كما هو الحال مع المنزل. وخاصةً في العصور القديمة، عندما كانت معظم المنازل عبارة عن فلل وباحات، كان السكان يؤدون العديد من أعمالهم المنزلية في الفناء.

ومن المثير للاهتمام معرفة أن الإيرانيين كانوا يغسلون السجاد، ويحضرون الطعام للاحتفالات والمناسبات في الفناء، بل كانوا يجلسون معًا في الفناء أو ينامون تحت أقمشة مشبكة لتجنب دخول البعوض في فصل الصيف، وهو أمر ممتع للغاية. في المنازل القديمة والتقليدية، كانت الغرف تقع حول الفناء، كما هو الحال في منازل أثينا القديمة.

في هذه المنازل، كان لحوض الماء في وسط الفناء تأثيرٌ خاص، وفي الماضي، قبل صناعة الأنابيب، كان الإيرانيون يستخدمون مياه الأحواض للغسيل. أما اليوم، ومع وجود الأنابيب في المباني، فقد فقدت مياه الأحواض أهميتها، إلا أن الحوض لا زال مرتبطا بروح الإيرانيين. فهم يعتبرونها رمزًا لنقاء قلب العائلة ورمزًا للسلام.

يصعب على كبار السن، وخاصةً من عاشوا حياتهم كلها في منازل واسعة ذات أحواض جميلة، أن يتخيلوا العيش في شقة صغيرة بدون حوض من الماء.

أيها الأكارم وصلنا إلى نهاية الحلقة الأولى من سلسلة بودكاست "بين الإيرانيين".

في الحلقة القادمة، سنتحدث أكثر عن البيوت الإيرانية.

نشكركم جزيل الشكر على دعمكم

وفي أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة