إيران لم تنهَر ولم تستسلم، بينما الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان صعوبة في تحقيق أهدافهما السياسية.
تحولت الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ بداياتها إلى اختبار استثنائي لطبيعة القوة والقدرة على الصمود في عصر يزداد فيه تعقيد الصراعات الدولية بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والتقنيات العسكرية، ولم تعد المعركة مجرد مواجهة تقليدية تُقاس بعدد الضربات أو حجم الخسائر، بل أصبحت مقياسًا لفهم كيفية إدارة الدول الصراعات، وتحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي، أو على الأقل السيطرة على نتائج الحرب.
ومنذ انطلاق العمليات، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات الجوية المكثفة، والاغتيالات المستهدفة للقيادات البارزة، والضغط العسكري المتواصل سيكون كافيًا لإجبار إيران على الانخراط سريعًا في اتفاق تفاوضي أو القبول بشروط سياسية أمريكية إسرائيلية.
ومع ذلك، أظهرت تقارير نيوزويك، وواشنطن بوست، وتلغراف، ونيويورك تايمز أن الواقع كان أكثر تعقيدًا من هذه التوقعات، وأن إيران لم تُظهر أي ميول للتراجع السريع، بل عملت على رفع كلفة الحرب على خصومها، وتحويل الصمود إلى مكسب معنوي وسياسي.
مضيق هرمز: قلب الصراع الاستراتيجي
يبرز مضيق هرمز كعامل استراتيجي أساسي، ليس فقط كمسار ملاحي لنقل النفط، بل كأداة ضغط يمكنها التأثير في الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، وتحويل النزاع العسكري إلى لعبة معقدة من التكلفة الاقتصادية والسياسية. فعلى الرغم من تهديد السفن التجارية وعمليات التفتيش، لم تتوقف الحركة التجارية بشكل كامل، ما منح طهران مساحة للمناورة والسيطرة على تداعيات الحرب على المستوى الإقليمي والدولي.
كما أوردت واشنطن بوست أن هذا الضغط لم يُستغل لكسر إرادة النظام الإيراني، بل أتاح له توسيع نطاق المناورة، ورفع تكلفة الحرب على الخصوم، وتحويل الضربات العسكرية إلى فرصة لتقوية الموقف التفاوضي والسياسي لطهران، وهو ما انعكس في الاستخدام الذكي للصواريخ والطائرات المسيّرة اليومية ضد مواقع إسرائيلية وأمريكية، وفق نيوزويك، ووفق ما أشار إليه المراسل العسكري جيانلوكا دي فيو في صحيفة "La Repubblica "الإيطالية عن استمرار اختراق الذخائر العنقودية للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية ونقص مخزون صواريخ Arrow 3.
الفشل في التقدير العسكري والسياسي
رغم الضربات، واستهداف القيادات، لم تتحقق أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل المعلنة أو المتوقعة: لم يتم إسقاط النظام الإيراني، ولم تُفرض تسوية سياسية سريعة. بل على العكس، أظهرت إيران قدرة استثنائية على إعادة ترتيب حساباتها، واستغلال كل رد فعل لتعزيز موقفها الداخلي والخارجي، وفق نيوزويك وتلغراف.
أكد المسؤول العسكري الإسرائيلي أوفير أكونيس أن مجرد استمرار الدولة الإيرانية في العمل يعتبر "انتصارًا"، بالنظر إلى حجم إيران مقارنة بإسرائيل، إذ تبلغ مساحة إيران نحو 80 ضعف مساحة إسرائيل تقريبًا نصف حجم أوروبا، وتمتلك جهازًا أمنيًا ضخمًا ومؤسسات متماسكة. هذا يعكس حقيقة أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية لإحداث تغيير سياسي جذري عندما يكون الخصم ذا بنية مؤسساتية قوية ومتجذرة.
الرهان على الداخل الإيراني
من أكبر أخطاء التقدير الأمريكية والإسرائيلية، الاعتماد على احتمال أن تؤدي الضربات العسكرية إلى إشعال احتجاجات شعبية واسعة قد تفضي إلى انهيار النظام. الواقع كان مختلفًا تماماً.
كما أوردت تلغراف ونيويورك تايمز: القبضة الأمنية المحكمة، والذاكرة الوطنية المناهضة للتدخل الخارجي، والإدراك الشعبي للمخاطر، كلها عوامل حالت دون انفجار شعبي يؤدي إلى تغيير سياسي. أدى هذا الوضع إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع الإيراني، حيث أصبح الخطر الخارجي عامل توحيد، لا تفكيك، وهو ما يفسر استمرار دعم قطاعات واسعة من الشعب للنظام حتى في مواجهة الضربات الجوية والاغتيالات.
الغموض الأمريكي والتباين في الرؤية
على الجانب الأمريكي، بدا التذبذب واضحًا في تصريحات الرئيس دونالد ترمب حول أهداف الحرب، ونشر القوات البرية، وإمكانية إنهاء الصراع، وكذلك المفاوضات مع إيران، وفق تقارير أكسيوس. هذا التذبذب زاد من غموض تعريف النصر، وجعل الاستراتيجية الأمريكية تبدو مشتتة وغير متسقة، مع الاعتماد على التفوق العسكري كأداة ضغط أساسية دون وجود خطة سياسية واضحة. درس البيت الأبيض عدة سيناريوهات عسكرية، من بينها السيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، أو إرسال تعزيزات بحرية لضمان مرور ناقلات النفط.
إيران نجحت في الصمود، ورفع تكلفة الحرب، والتحكم في نقاط استراتيجية مثل مضيق هرمز، وحققت مكسبا معنويا وسياسيا، وفق نيوزويك وواشنطن بوست.
هذا الواقع كشف عن حدود القوة العسكرية حين تغيب الرؤية السياسية الشاملة، وهو ما أشار إليه فيل كلاي في نيويورك تايمز وباتريك كوكبيرن في آي بيبر، حيث شددوا على أن التفوق العسكري وحده لا يترجم بالضرورة إلى مكسب سياسي ملموس، وأن الاستعراض العسكري أصبح بديلاً عن الاستراتيجية الحقيقية.
الرد الإيراني المستمر
أكدت طهران استمرار القدرة على الرد، وضمان المرور الآمن في الخليج الفارسي، واستخدام كل الوسائل المتاحة لحماية مصالحها الوطنية، بما في ذلك الهجمات على منشآت عسكرية إسرائيلية وأمريكية، وهو ما يوضح جدية إيران في إدارة الحرب وفق مبدأ الردع المتوازن.
الدروس المستخلصة
أظهرت الحرب على إيران أن الحسم العسكري وحده لا يكفي لتغيير واقع سياسي متماسك، وأن مجرد الصمود وإدارة النقاط الاستراتيجية يمكن أن يحوّل القوة إلى نفوذ سياسي. إيران لم تنهَر ولم تستسلم، بينما الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان صعوبة في تحقيق أهدافهما السياسية.
مضيق هرمز أصبح رمزاً للقدرة على التحكم في المسار الاستراتيجي، وأظهرت الحرب أن إدارة التعقيد، والصبر، والتحكم في الجغرافيا، قد تكون أكثر أهمية من أي هجوم صاروخي أو ضربات جوية.
بعبارة أخرى، العالم يشهد تحوًلا في مفهوم القوة: لم يعد النصر يُقاس بعدد القتلى أو تدمير المنشآت فقط، بل بالقدرة على فرض شروط التحكم، ورفع تكلفة النزاع على الخصم، وهو درس مهم لكل الصراعات المعاصرة.