البث المباشر

"اكتشف إيران".. سيستان وبلوشستان (2)

الأحد 14 يونيو 2026 - 15:26 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثانية- نريد في هذه الحلقة أن نكشف النقاب عن جمال سيستان وبلوشستان، المرتبط بطبيعتها السخية ومواردها الغنية.

سيستان وبلوشستان أرضٌ تقع في قلب الصحراء الجافة وحرارتها، وتضم كنزًا دفينًا من الجبال والمياه، والأراضي الرطبة والغابات، والمناجم والحدائق الغنّاء؛ جغرافيةٌ تستعرض من هيرمند وهامون إلى تفتان وتشابهار، وجهًا إيرانيًا متعدد الألوان، وشعبًا كادحا ومضيافًا، ترتبط حياته بشمس هذه الأرض ومائها وترابها.

أصدقائي الأعزاء، أهلًا بكم في بودكاست "اكتشف إيران"؛

حيث نسافر في كل حلقة خطوة بخطوة إلى قلب أرض إيران الشاسعة، ونكتشف معًا جمالها وتاريخها وثقافتها وإمكانياتها الاقتصادية والاستثمارية.

في الحلقة السابقة، اصطحبناكم في رحلة عبر التاريخ وتحدثنا عن التاريخ العريق والموقع الأسطوري لمحافظة سيستان وبلوشستان؛ وجذورها المتشابكة مع التاريخ والأساطير الإيرانية.

أرضٌ ذُكرت مرارًا في كتاب الشاهنامة للفردوسي. ولكن هذا ليس سوى جانب واحد من روائع هذه المحافظة.

اليوم، نريد أن نكشف النقاب عن جمال سيستان وبلوشستان، المرتبط بطبيعتها السخية ومواردها الغنية. من صحاريها الصامتة إلى أنهارها الغامضة، ومن شواطئ بحر عُمان البكر إلى الأراضي الرطبة النابضة بالحياة وحيوية الطبيعة؛ أرضٌ تُبرز قسوة الطبيعة وعنفها، وتفتح يدها السخية للكرم.

انضموا إلينا لاستكشاف طبيعية سيستان وبلوشستان في هذا الجزء من الرحلة، ولنعرف لماذا تعتبر هذه الأرض، رغم تحدياتها، كنزًا ثمينًا لإيران والعالم.

تعد الموارد الطبيعية كنوزا فريدة رعتها الطبيعة دون أي تدخل بشري؛ من الماء والتربة إلى الغابات والمراعي، ومن الطيور والحيوانات البرية إلى عالم الحياة المائية المذهل، جميعها إرثٌ وهبته لنا الطبيعة. إذا استخدمنا هذه النعم استخدامًا صحيحًا وذكيًا، إذن ستستفيد منها الأجيال القادمة أيضًا. الموارد الطبيعية هي شرايين الحياة على الأرض، وهي الشرايين التي تغذي حياة البشر والكائنات الأخرى.

إذا زرتَ محافظة سيستان وبلوشستان وسافرتَ إلى هذه المنطقة، فستدرك سريعًا أن هذه الأرض ليست مجرد نقطة على خريطة إيران؛ إنها عالمٌ من الألوان والجمال والعجائب بطبيعتها الفريدة والمتميزة؛ جبالٌ تبهر العين وأنهارٌ تزأر في وديانها المتعرجة، مما يخلق الرخاء والزراعة حولها. لكن الأهم من ذلك، أن أهل هذه الأرض المضيافين، الطيبين، والمحبين، الذين يتمتعون بهذه المواهب، يبذلون جهدًا حثيثا في هذه الحقول والبساتين والمناجم والمصانع والمراكز التجارية والموانئ ويستمدون شغف الحياة من الشمس الساطعة والأرض الدافئة، ويخلقون البركات لحياتهم وحياة الآخرين.

بالنظر إلى خريطة محافظة سيستان وبلوشستان، ندرك أن تسميتها بـ "نيمروز" كان في محله تماما. فعندما يمر خط الزوال من هناك، يقسم العالم إلى قسمين متساويين. بمعنى آخر، عندما تشرق أشعة الشمس على الفتحة الموجودة في وسط مبنى مراصد سيستان، يمكن رؤية الشمس من اليابان شرقًا إلى جزر الكناري غربًا.

لذلك، كان "نيمروز" هو الاسم العلمي لهذه المنطقة من إيران. ويُقال إن أقدم مرصد معروف في أرض نيمروز أو سيستان كان في مدينة زابل، والتي كانت تُسمى " گنگ دژ ".

يتكون شمال المحافظة من ترسبات طينية لنهر هلمند، الذي يضم أكبر بحيرة مياه عذبة في العالم.

يُعد نهر هلمند، أو هلمند، أحد أهم الظواهر الطبيعية في المنطقة وأحد أكبر المجاري المائية في جنوب آسيا الوسطى، وهو المصدر الرئيسي للمياه في سيستان.

جبل خواجه هو المكان المرتفع الوحيد الذي يبرز في منطقة سيستان المسطحة، ويحظى بقدسية خاصة لدى السكان المحليين. يتلقى سهل سيستان الواقع في مناخ صحراوي، أقل من 65 ملم من الأمطار سنويًا، ويصل معدل التبخر إلى أكثر من 5000 ملم.

تتسبب هذه الظروف مجتمعةً في جفاف مادي شديد للبيئة، وفي السنوات التي ينخفض فيها تدفق مياه نهر هلمند، تنشأ حالات جفاف مدمرة. الرياح التي تستمر 120 يومًا، والتي تهب من أواخر الربيع إلى أواخر الصيف، مؤثرة في زيادة جفاف البيئة.

يتميز جنوب محافظة سيستان وبلوشستان الممتدة على امتداد شواطئ بحر عمان، بطبيعة جبلية. أما المناطق الجنوبية من المحافظة، فتتميز بمناخ مختلف بفضل قربها من بحر عمان وهبوب الرياح الموسمية. ومن أهم خصائص مناخ المنطقة ارتفاع متوسط درجات الحرارة وانخفاض التقلبات.

محافظة سيستان وبلوشستان بالرغم من أنها تعد من المناطق القاحلة وشبه القاحلة في إيران إلا أن متوسط هطول الأمطار السنوي فيها يبلغ إلى حوالي 110 ملم. ومن ناحية أخرى، يتزايد الطلب على المياه يومًا بعد يوم نتيجةً للنمو السكاني المتزايد في المدن.

تُعدّ أنهار بمپور، وباهو كالت، وكهير، وفنوج، وتهالب من الأنهار الأخرى في محافظة سيستان وبلوشستان. وفي الشريط الساحلي لهذه المحافظة، توجد ثلاثة خُلْجان هي خليج پزم ، وتشابهار، وگواتر والتي تُشكل جزءًا كبيرًا من سواحل المحافظة الجميلة. يتميز هذا الموطن القيّم بشاطئ رملي واسع، وهو أحد أهم أماكن وضع بيض السلاحف البحرية. كما يُعدّ من مناطق إحصاء الطيور في المحافظة.

بحيرة هامون والأراضي الرطبة الدولية في محافظة سيستان وبلوشستان جزء من محمية هامون للحياة البرية. تُعد هذه البحيرة ثالث أكبر بحيرة في إيران بعد بحيرة مازندران وبحيرة أرومية، وسابع أكبر الأهوار الدولية في العالم، وإحدى محميات المحيط الحيوي في إيران.

تبلغ مساحة بحيرة هامون عند ارتفاع منسوب المياه 5660 كيلومترًا مربعًا، منها 3820 كيلومترًا مربعًا تابعا لإيران والباقي لأفغانستان. ورد اسم بحيرة هامون في كتاب الأفستا باسم "كانس أويا"، وفي اللغة البهلوية باسم "كيانس"، وفي شاهنامه للفردوسي باسم "درياچه زره".

في الأدب والأساطير الإيرانية القديمة، تحتل بحيرة هامون، إلى جانب نهر هيرمند، مكانة خاصة في معرفة ظروف آخر الزمان لدى أتباع الديانة الزرادشتية.

لسوء الحظ، تعاني بحيرة هامون منذ فترة طويلة من أزمة نقص المياه، وقد تسبب جفاف أجزاء كبيرة منها في مشاكل بيئية واجتماعية واقتصادية متنوعة في المنطقة.

تُعد قمة تفتان، التي يبلغ ارتفاعها حوالي 3941 مترًا، إحدى الجبال البركانية وجزءًا من الطبيعة الخلابة لمحافظة سيستان وبلوشستان. ومن الجدير بالذكر أن تفتان، باعتبارها أعلى قمة في محافظة سيستان وبلوشستان، مُدرجة ضمن قائمة قمم سيمرغ. يُعد مشروع "جبال سيمرغ في إيران" الوطني مشروعًا لتسلق الجبال يهدف إلى التعريف بأعلى قمة في كل محافظة من محافظات البلاد الـ 31 وتسلقها.

لا يوفر هذا المشروع فرصة قيّمة لمتسلقي الجبال المحليين والأجانب للتعرف على أعلى قمة في إيران فحسب، بل يُعد أيضًا برنامجًا تنمويًا في مجال الرياضة والسياحة الجبلية. وتُعد قمة تفتان، بمناظرها الفريدة وطبيعتها الخلابة، أحد أهم معالم هذه الخطة الوطنية.

على الرغم من ارتفاعه، تُغطي جبل تفتان طبقة ثلجية لفترات قصيرة من العام نظرًا لموقعه في منطقة ذات مناخ حار وجاف.

تمتد قمم هذا الجبل على مساحة 12 كيلومترًا، ويضم أربع قمم وثلاث فوهات بركانية. تُعرف القمة البركانية الشهيرة لجبل تفتان باسم "جبل چهل تن"، والمعروف أيضًا باسم جبل "زيارت". ويعود اسم "جبل چهل تن" إلى أسطورة قديمة تحكي عن تيه أربعين شخصا من أهل السلوك والعرفان على هذا الجبل.

تشتهر قمة "جبل چهل تن"، باعتبارها القمة الرئيسية، بنشاطها البركاني. تُضفي أبخرة الكبريت المتصاعدة من هذه الفوهات منظرًا خلابًا، ويمكن الشعور برائحة الكبريت النفاذة بوضوح بالقرب من القمة.

يُضفي انبعاث هذه الأبخرة، خاصةً في الصباح البارد، على الجبل مظهرًا غامضًا ويجعل تسلق هذه القمة تجربة فريدة من نوعها.

على سفوح جبل تفتان، تنتشر ينابيع ساخنة عديدة تُستخدم لعلاج أمراض الجلد والمفاصل بفضل خصائصها العلاجية واحتوائها على المعادن ومركبات الكبريت. ورغم أن الكثيرين يقصدون هذه المنطقة للعلاج وتخفيف آلامهم، إلا أن هذه الينابيع، ببخارها المتصاعد نحو السماء، تُضفي على البيئة المحيطة بها سحرًا خاصًا، وتُعتبر من أهم معالم الجذب السياحي لهذا الجبل.

كما جذبت المناطق البكر والأنواع النادرة والفريدة في محافظة سيستان وبلوشستان اهتمام علماء الحيوانات وعشاق الطبيعة. فقد تم رصد وتحديد مئات الأنواع الحيوانية في هذه المحافظة، بما في ذلك 340 نوعًا من الطيور، و64 نوعًا من الثدييات، وحوالي 110 أنواع من الزواحف والبرمائيات، إلى جانب مئات الأنواع من أسماك المياه العذبة والمالحة.

اليوم تُعدّ أنواعٌ حيوانيةٌ مثل الدب الأسود الآسيوي، والنمر الفارسي، وقط الرمال، والسنجاب البلوشي، والكبش والنعجة، والماعز، إلى جانب الثدييات البحرية والطيور مثل النسر، والصقر، والبجع و قيق الأرض الفارسيّ ، وزواحف مثل التمساح الإيراني قصير الأنف (غاندو)، والسلاحف البرية والمائية، بالإضافة إلى سلحفاة البنغال، من بين الحيوانات المحلية في هذه المحافظة.

تحظى موائل أنواع الحيوانات والنباتات في هذه المحافظة بحماية دائمة من قِبل دعاة حماية البيئة، وذلك من خلال 11 منطقة محمية. وبذلك، تُعتبر حوالي 73% من إجمالي مساحة سيستان وبلوشستان منطقةً محمية.

يوجد في سيستان وبلوشستان أكثر من 1200 نوعٍ نباتي، منها حوالي 70 نوعًا ذات قيمة طبية وصناعية، بما في ذلك شجرة الغاف، والكنار، وشجرة الفستق، واللوز، الأثل والزيت.

تُعرف سيستان وبلوشستان أيضًا بتنوع المناجم والمعادن كمعادن الذهب والنحاس والأنتيمون والمنغنيز والتيتانيوم وعشرات الأنواع الأخرى، بالإضافة إلى أحجار البناء، وخاصة الغرانيت، الأمرالذي يعزز مكانة المحافظة من حيث مواردها الطبيعية ويدعوا إلى استمرار اكتشاف مناجم جديدة فيها.

إن وقوع محافظة سيستان وبلوشستان في الحزام المعدني العالمي الممتد من يوغوسلافيا إلى باكستان، ووجود مناجم معدنية غنية فيها وامتلاكها حصة كبيرة من هذه المناجم، هو جانب من إمكانيات ومواهب هذه المحافظة.

ومن الجدير بالذكر أن أكبر قاعدة إنتاج لشتلات الفاكهة الاستوائية في جنوب شرق إيران تقع في سيستان وبلوشستان، والتي تُصدر فائض حاجتها المحلية إلى محافظات أخرى وإلى الخارج أيضًا.

التمر والموز والحمضيات والمانجو والبابايا والجوافة والزعرور والفستق والعنب الأحمر من الفواكه الاستوائية وشبه الاستوائية في محافظة سيستان وبلوشستان.

من حيث النمو والتطور الاقتصادي تعد سيستان وبلوشستان من إحدى المناطق النامية في إيران. إذ تنقسم الصناعات في المحافظة إلى فئتين: الصناعات الميكانيكية والصناعات اليدوية، وتشمل الصناعات الميكانيكية في المحافظة الصناعات الغذائية والنسيجية والملابس والكيميائية، بالإضافة إلى الصناعات المعدنية والمسابك وتصنيع الأجهزة المنزلية وتصنيع خزانات المياه.

تتمتع هذه المحافظة بقدرة عالية على التقدم في مجال التجارة مع مناطق أخرى من العالم وذلك بفضل موقعها المجاور لباكستان وأفغانستان، ووجود ميناء (جابهار) الميناء الإيراني البحري الوحيد.

تُعد منطقة جابهار الاقتصادية للتجارة الحرة من أهم المراكز الاقتصادية على الساحل الإيراني. وقد أتاح وجود المياه العميقة والمنحدرات الطبيعية في خليج جابهار مساحة مناسبة لبناء مرسى بعمق كبير مع إحداثيات مناسبة لرسو السفن الكبيرة العابرة للمحيطات.

يقع هذا الميناء على شواطئ بحر مكران والمحيط الهندي. ميناء الشهيد بهشتي، الواقع بالقرب من المدينة، هو الميناء البحري الوحيد في إيران، بسعة تزيد عن ثمانية ملايين ونصف مليون طن من البضائع سنويًا، حيث يمكن للسفن العابرة للمحيطات الرسو فيه. حاليًا، يتم استيراد أكثر من 60% من السلع الأساسية في إيران، وخاصة الحبوب والبذور الزيتية عبر هذا الميناء.

نظرًا لموقع ميناء تشابهار الاستراتيجي فهو يتمتع بأهمية بالغة، كونه أقرب طريق للوصول إلى المياه المفتوحة للدول غير الساحلية في آسيا الوسطى مثل تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان. ومن بين الاستثمارات التي شهدها هذا الميناء إنشاء مرسى وزيادة سعة تحميل السفن العابرة للمحيطات، وإنشاء خط سكة حديد تشابهار مزدوج المسار إلى آسيا الوسطى، وتحويل الطريق السريع 95 إلى طريق سريع بستة مسارات، وإنشاء مطار تشابهار الدولي.

بالإضافة إلى موقعه التجاري، يتمتع تشابهار بالعديد من المعالم التاريخية والطبيعية والسياحية. مناخ هذه المدينة ومحيطها ربيعي ومعتدل في جميع فصول السنة، ولذلك تُسمى تشابهار بمعنى المدينة التي لها أربعة فصول من الربيع. وبالطبع، تُعتبر تشابهار أيضًا من المراكز العلمية والتعليمية في سيستان وبلوشستان، وقد أُنشئت فيها عشرات المراكز التعليمية العليا، ويدرس فيها آلاف الطلاب الجامعيين.

آخر ما سنتناوله في هذه الحلقة عن جمال وروعة جغرافية سيستان وبلوشستان هو غابات حرّا أو ما يسمى بغابات المانغروف التي تنتشر في ثماني مناطق محمية على الساحل الجنوبي لإيران، وفي الخليج الفارسي وبحر عُمان. تُعدّ هذه الغابات الخلابة موطنًا للعديد من الطيور والحيوانات البحرية.

يتميز هذا النوع من الغابات بإمكانية مواصلة العيش حتى في المياه المالحة؛ لكن غابات المانغروف أكثر روعةً، فعندما ترتفع مياه البحر، تغمرها المياه تمامًا وتظهر كجزيرة عند انخفاض المد.

تقع أجزاء من غابات المانغروف في محافظة سيستان وبلوشستان على بُعد 15 كيلومترًا من مدينة تشابهار. نمت هذه الغابات الجميلة في قلب المياه وبالقرب من خليج تشابهار، مما سيجعل الزائر ضيفًا على العديد من هذه المناظر الخلابة.

تتكون غابات المانغروف من أشجار قصيرة قادرة على العيش في المياه المالحة والمناطق الاستوائية. تتميز أشجار المانغروف بكفاءتها المذهلة في تصفية المياه، وامتصاص جميع العناصر الغذائية والمعادن التي تحتاجها، وطرح الباقي. إن تكيف هذه الأشجار مع المياه المالحة يجعلها نباتات استثنائية. فهي قادرة على طرح الملح وتحلية المياه المالحة، وبالتالي الحصول على الماء والعناصر الغذائية والمعادن التي تحتاجها.

علاوة على ذلك، تغمر المياه أشجار المانغروف عند ارتفاع المد، فلا تظهر منها سوى قممها، بينما تظهر عند انخفاض المد كجزر خضراء خلابة. يلعب المد والجزر دورًا رئيسيًا في حياة أشجار المانغروف، إذ يوفر لها معظم العناصر الغذائية التي تحتاجها من البحر.

تتشكل غابات المانغروف على طول الساحل الجنوبي لإيران، من بندر عباس إلى تشابهار، في جميع الخلجان الصغيرة التي يوجد فيها نهر ويتدفق فيضان كبير إلى البحر. تزهر هذه الأشجار في أوائل الصيف، وتملأ أزهارها الصفراء ذات الرائحة اللطيفة الهواء بالانتعاش. بعد فترة وجيزة، تتحول هذه الأزهار إلى ثمار لوزية الشكل متميزة؛ تتجذر بذرة هذه الثمرة في النبات الأم، ثم تنفصل عنه بعد نموها إلى الحجم المناسب.

إذا كانت الظروف مناسبة لهذه البذرة، تنمو هناك، وإذا لم تكن البيئة مناسبة، تنتقل هذه البذرة إلى مكان آخر مع المد والجزر؛ وهي طريقة تكاثر فريدة تجعل أشجار المانغروف فريدة من نوعها بين نباتات العالم.

يتميز النظام البيئي لغابات المانغروف بقيمته الاستثنائية، لدرجة أن بعض هذه الغابات في إيران تُعرف باسم محميات المحيط الحيوي. وقد أدرج الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة 22 استخدامًا مختلفًا لغابات المانغروف. تعمل هذه الغابات على تثبيت الرواسب، وتكوين الجزر، وتطوير الشواطئ. بالإضافة إلى ذلك، يقلل تراكم الرواسب من طاقة الأمواج، ويحد من تآكل السواحل والتربة.

يقضي جزء كبير من الحياة المائية في الخليج الفارسي وسواحل بحر عُمان فترة تكاثرها في هذه المناطق. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم شجيرات المانغروف ونظرًا لقيمتها الغذائية العالية كعلف للماشية، وإن كان هذا الواقع هدد حياة تلك الشجيرات على مدى السنوات الماضية. تُعد هذه الغابات مهمة لسكان المنطقة الأصليين لتوفير الحطب. كما تُعد أشجار المانغروف مصدرًا بالغ الأهمية للصناعات الدوائية.

تُعتبر غابات المانغروف ملاذًا آمنًا للعديد من الطيور المهاجرة. تُسمى هذه الشجيرات "حرّاء" في بندر عباس، و"تمر" في بلوشستان، و"تول" في بعض المناطق الأخرى، و"شورى" باللغة العربية.

لزيارة غابات المانغروف، يُفضل أن يكون لدى الزائر خريطة وموقع دقيق، مع أن أفضل دليل لزيارة هذه الغابات هو سكان المنطقة المحليون. لن يكون لدى الزائر وقت محدد لزيارة غابات المانغروف، ولكن من الأفضل ألا تفوته مشاهدة شروق الشمس وغروبها، لأن الضوء والمد والجزر سيمنح الزائر منظرًا طبيعيًا خلابًا.

أصدقائنا المستمعين وصلنا إلى نهاية حلقة أخرى من بودكاست "اكتشف إيران". كما رأينا فإن سيستان وبلوشستان ليست مجرد منطقة جغرافية على خريطة إيران؛ بل هي أرض تتشابك فيها الطبيعة والتاريخ والثقافة والحياة بشكل فريد. من هامون إلى قمة تفتان البركانية، ومن الصحاري الشاسعة إلى غابات المانغروف البحرية، كلٌّ منها يروي قصةً مستمرةً في هذه الأرض منذ قرون.

سيستان وبلوشستان، بشعبها الكادح والمضياف ، وجغرافيتها المتنوعة، ومواردها القيّمة، ليست جزءًا من تراث إيران فحسب، بل هي أيضًا جزء من التراث العالمي. تراثٌ يجب تقديره والاعتراف به وتعريف الأجيال القادمة عليه.

في الحلقة القادمة، سنعرج على موضوع التركيبة السكانية وتنوع الأعراق والأديان واللغات في محافظة سيستان وبلوشستان، وسنواصل معًا استكشاف جوانب إيران الأقل شهرة.

شكرًا لانضمامكم إلينا في هذه الرحلة.

إلى اللقاء

بإذنه تعالى.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة