في أجواء المولد النبوي.. لنولد كأمة موحدة

الإثنين 18 أكتوبر 2021 - 16:50 بتوقيت طهران
في أجواء المولد النبوي.. لنولد كأمة موحدة

خطاب العلامة السيد محمد حسين فضل الله (رحمه الله) في ندوة الشام الأسبوعية، فكر وثقافة بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بتاريخ 13 ربيع الأوّل 1420هـ / 1999/6/26.

 

لا نزال في ذكرى مولد رسول الله(ص) ننفتح على النبوّة في حركة الزّمن كلّه من بعد رسول الله(ص)، ونعيش آفاقها الواسعة الَّتي تريد للإنسان أن يرتفع، ويسمو، ويصفو، وينمو، وينطلق من أجل أن يحوّل الحياة كلّها إلى حياة تتنفَّس الرّوح والرّيحان، وتحيا قيم الحقّ والعدل، والقيم الَّتي يكتشف فيها الإنسان إنسانيّته، فهي نبوّة تختصر نفسها في أن تؤنسن الإنسان، وتعمّق له إحساسه بإنسانيّته في عقله، فيكون عقله إنسانيّاً في حركة الفكر، وفي قلبه، فيكون إنسانيّاً في حركة العاطفة، وتفتح له إنسانيّته في حركته، لتكون حركةً في خطّ الوصول إلى أهدافه الكبرى في الدّنيا والآخرة.

الانفتاح على الواقع كلّه

في مولد النّبيّ(ص)، نريد أن نولد كأمَّة، حتى تنفتح على مواقعها كلّها، لتتحسَّس مسؤوليّتها في قضاياها الحيويّة، ولتكون كما أرادها الله، خير أمَّة أخرجت للنَّاس. فالمسألة لا تتصل بقوميَّة الأمَّة، ولا بعدد أفرادها، لكنَّها تتّصل برسالتها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.

وإذا فهمنا أنَّ المعروف هو كلّ عمل يرضاه الله ويحبّه، ويرفع مستوى الإنسان، والمنكر هو كلّ عمل لا يرضاه الله ولا يحبّه، وينزل بمستوى الإنسان، عرفنا معنى أن تكون الأمّة خير أمّة أخرجت للناس، لأنَّ الأمّة الَّتي تحمل الرّسالة للإنسان كلّه وللحياة كلّها، ولا تحدّد حركتها في دائرة ضيّقة، هي أمّة لا بدّ من أن تكون خير الأمم.

ونحتاج إلى ولادة جديدة، لأنّنا نعيش موتاً في السّياسة، وموتاً في الاقتصاد، وموتاً في الاجتماع، وموتاً في الأمن، فنحن المستضعفون الَّذين يعملون على أن يعمّقوا استضعافهم، ويعملون على أساس أن ينظّروا لهزائمهم، وأن يعملوا على أن لا يكونوا أقوياء، لأنهم يخافون ذلك، فالقوّة مكلفة، أمّا الضّعف، فقد يخلق عذراً من منطلق: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}..ولكنَّ القوَّة تتحدَّاك لتقول لك، إنَّ عليك أن تواجه الأقوياء، وإنَّ عليك أن تضرب الأقوياء في مواقع ضعفهم أوّلاً، ثم تكتسب من ذلك قوّة جديدة، لتضربهم في مواقع قوّتهم ثانياً.. ونعني بالأقوياء المستكبرين، أمَّا الأقوياء الطيّبون، فإنّك تتعاون معهم على أساس تعاون القويّ مع القويّ.

لقد فقدنا ـ أيّها الأحبّة ـ أمام تاريخ التخلّف كلّه، وحركة الجهل فينا، الكثير من الإحساس بحاجاتنا إلى أن نكون شيئاً حيويّاً في الكون، وأصبح جزءاً من واقعنا الَّذي نعيش فيه، أن جعلنا الجهل مقدَّساً، وبذلك رجمنا العلم بالحجارة، لأنّه يقف ضدَّ ما سمّيناه المقدّسات، وجعلنا التخلّف حضارة، ولذلك، رجمنا الحضارة بكلمات الكفر والضَّلال وما إلى ذلك، وبهذا، نكون قد قلبنا المفاهيم، فأصبح الإنسان يعيش سجين ذاته، ولا ينفتح على الآخر والواقع كلّه.

الصادق الأمين

لذلك، جاء رسول الله(ص) إلى ذلك الواقع الغارق في الضَّلال، ليخرجه من الظّلمات إلى النّور، وهذا ما ذكره الله تعالى في (سورة الجمعة): {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}. فلقد كان الضَّلال في المفاهيم، وفي العقيدة، وفي العبادة، وفي العلاقات، وفي المفردات الأخرى الَّتي كان يعيشها النّاس في الجاهليّة.

وجاء رسول الله(ص) بعد أربعين سنة من ولادته، وبعد أن أكمل الله له عقله وقلبه وروحه ووعيه، وجعله الإنسان المعصوم الَّذي يحمل الرّسالة بعمقها وحيويّتها وإنسانيّتها وحكمتها وامتدادها كلّه، في عقله وقلبه وروحه... جاء(ص) إلى النبوَّة إنساناً تتمثّل فيه معاني الإنسان كلّها، وبدأ الله سبحانه وتعالى بعد ما بعثه رسولاً، يعلّمه التّفاصيل، فلقد ألهمه أوّلاً الخطوط العامَّة، وربّاه على معنى الرّوح في امتداداته إلى الله والنّاس والحياة، فكان روحاً تتجسَّد.

وكان(ص) الصّادق الأمين، وكان الناس يرون فيه الصّدق كأفضل ما يكون الصّدق، والأمانة كأفضل ما تكون الأمانة، حتى غلب ذلك على اسمه، فكانوا يقولون جاء الصَّادق الأمين. والسّؤال الَّذي يطرح هنا: لماذا أراد الله له أن يكون صدقاً كلّه، وأمانة كلّه، لأنَّ الصّدق والأمانة تجمعان الرّسالة كلّها، فالصّدق يمثّل الانفتاح على الحقّ، لأنَّ الكذب باطل، ومن هنا، فمن يكون صادقاً، لا يمكن أن يكذب على الله، ولا على النّاس، ولا على الحياة.

ولذلك، كان(ص) صادق العقل، فلا يتحرّك عقله إلا في مواضع الصّدق، وكان صادق القلب، فلا ينفتح إلا على صدق العاطفة المعمّقة الّتي ترتكز على أساس، وكان صادق الموقف والكلمة. وفي ذلك كلّه، كان صادق الدّعوة والرّسالة.

أمّا الأمانة، فأن يكون الرَّسول أميناً، يعني أن يكون أميناً على رسالة الله، وعلى مسؤوليَّته في الدّعوة إلى الله، وفي رعاية شؤون النّاس وأمورهم كلّها، وأن يكون أميناً على الحياة كلّها.

وخلاصة التَّشريع الإسلاميّ، هي أنَّ الله أراد في كلّ حكم شرعيّ، أن يمثّل الإنسان الأمانة على نفسه، فلا يبتعد عمّا يصلحها، ولا يقترب بها مما يفسدها، وأن يكون أميناً على الناس، فلا يحكم عليهم إلا بالعدل، ولا يتحرّك معهم إلا بالحقّ، وأن يكون أميناً على الحياة ليرفعها، وليفتح آفاقها على كلّ خير.

القرآن: الكتاب المعجزة

ولقد عرَّفنا الله تعالى في كتابه الكريم، أنَّ النبيّ(ص) كان لا يعرف التّفاصيل، كما في قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}. فأنت ـ أيّها الرّسول ـ لم تقرأ كتاباً لتكون ثقافتك من الكتاب، ولم تكتب كتاباً لتنقل ما تريده من هذا المصدر وذاك المرجع، بل جئت بأعظم ما قرأه النّاس من كتاب، وبأوسع ما عرفوه من شريعة، ولذلك، كانت معجزة النّبي(ص) الأولى هي الإسلام والرّسالة الَّتي امتلأ بها عقله وقلبه، وتحركت في حياته كلّها، وقد كان الأمّيّ لا عن جهل، بل عن حكمة إلهيّة في ذلك.

وقال الله تعالى عنه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ} في تفاصيله كلّها، {وَلَا الْإِيمَانُ} بمفرداته كلّها، {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

وكان(ص) يخاطب قومه، وهم الشّهود على تاريخه كلّه، فيقول: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ}، فقد تلوته عليكم، لأنَّ الله شاء ذلك، بما أوحى به إليَّ، وقد عرفتموه، لأنَّ الله أراد أن يدريكم به، والشَّاهد هنا: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ}، ولم تسمعوا مني آية، ولم تعرفوا مني مضمونها، لأنَّ الله تعالى لم يأذن بذلك، ولم يكن قد عرّفني بذلك بعد، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

ونستطيع ـ أيها الأحبّة ـ أن نستدلّ تأريخاً بهذه الآيات الّتي تلاها الرّسول(ص)، على النّاس الّذين عايشوه، ولم يرتفع منهم صوت واحد ليقول: لقد رأيناك تكتب. ولذلك، فإنّ هناك حجة تأريخيّة على مضمون هذه الآيات، إضافةً إلى حجّة ما نعتقده من أنَّ القرآن هو كلام الله الّذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه.

ولذلك، سقطت كلمتهم الَّتي ذكرها القرآن: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. وقولهم في القرآن: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}. لقد سقطت كلماتهم تلك، لأنهم كانوا يعرفون أنَّ هذه المقولة أو تلك، لا تنطلق من واقع تأريخيّ، لأنَّ تأريخ الرّسول قبل البعثة، كان خلاف ما يقولون.

التدرج بالرسالة تثبيت للفؤاد

وانطلق النّبيّ(ص) بالرّسالة، ويمكننا أن نفهم من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، أنّه(ص) كان يجمع هذه الأدوار كلّها منذ أوّل يوم بعث فيه، ولكنَّ الله أراد أن يثبّت فؤاده، بأن يواكب حركته في الدّعوة والتّحدّيات والحرب والسّلم والتّعليم والتّقنين، على حسب ما كانت تحتاجه الرّسالة من كلّ هذا التدرّج الّذي ينطلق من طبيعة الأمور، لأنَّ بعضها يتوقَّف على ما يسبقه من أمور أخرى، ولهذا، نزل القرآن نجوماً. ولعلَّ عظمة القرآن ـ أيّها الأحبَّة ـ أنّه كان الكتاب الإلهيّ الحركيّ الّذي واكب الحركة الإسلاميّة موقفاً بموقف، ومنعطفاً بمنعطف، ومشكلةً بمشكلة.

فلقد كان المسلمون يعيشون مشكلةً ما، وتتفاعل فيهم، ويريدون من الرّسول(ص) أن يحلّها، وكان(ص) يريد أن يركِّز فيهم معنى الرَّسول الّذي يتبع الله في وحيه، فيقول: إني أنتظر أمر ربي! وتنزل الآية الَّتي تعالج المشكلة الَّتي تفاعلت، ويروح النّاس يبحثون عن حلّها، حتى تتعمَّق في نفوسهم.

ورأينا أيضاً، كيف أنَّ القرآن يلاحق المسلمين عندما يدخلون حرباً، كما في (معركة بدر)، وكيف يتحدَّث عن نقاط ضعف المسلمين، ومن هم المسلمون يومذاك؟ إنَّهم البدريّون. {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.

الحديث عن نقاط الضَّعف

وهذه هي عظمة الإسلام، وعظمة القيادة الإسلاميَّة، أنها لا تخاف الحديث عن نقاط الضَّعف في مجتمعها، وبذلك، استطاعت أن تجعل المجتمع ينفتح على نقاط ضعفه، من أجل أن يصلح هذه النّقاط، بينما نرى أنَّ مشكلتنا على مستوى العالم الإسلاميّ، والأنظمة، والقيادات السياسيّة والاجتماعيّة والأمنيّة، أنّنا غالباً ما نخفي نقاط ضعفنا، ولا نريد أن نعترف بها، وبذلك، تتراكم نقاط الضَّعف لتأكل نقاط القوَّة، ويصبح الواقع كلّه نقاط ضعف. وكذلك هي عظمة المسلمين ـ كما علَّمهم القرآن ـ في أن يتحدَّثوا عن نقاط ضعفهم، ثم عن نقاط قوَّتهم، كما نستوحي ذلك من (غزوة أحد)، حيث تتحدَّث (سورة آل عمران) في الكثير من آياتها عن الحالة الّتي انتصر فيها المسلمون، والأخرى التي انهزموا فيها، وأشارت صراحةً إلى نقاط الضَّعف التي عاشها المسلمون في "أحد"، ووجَّهتهم إلى الابتعاد عن هذه النّقطة وتلك. وكذا الأمر عندما نقرأ (سورة الأحزاب)، حيث نجد أنَّها تحدَّثت بصراحة تامّة عن هذا الزلزال الذي عاشه المسلمون: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً}.

وفي المحصّلة، فإنَّ القرآن كان ينزل ليعطي المؤمنين الصّورة عن واقعهم، بما فيه من نقاط الضّعف ونقاط القوّة، ليوجّههم بعد ذلك كيف يستقيمون، وكيف يعدلون، وكيف ينفتحون على القوّة، وما ناظر ذلك. وهذا ما يجب أن ندرسه في القرآن الكريم، حتى نتعلَّم من ذلك، ولا سيّما ونحن نعيش الأزمات تلو الأزمات، والتحدّيات تلو التحدّيات، ونتحرّك في أرض سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وأمنيّة تهتزّ تحت أقدامنا، فنحن بحاجة إلى أن نكون المجتمع الّذي يستهدي القرآن في الاعتراف بنقاط ضعفه بشجاعة، والانفتاح على نقاط قوّته بواقعيّة.

محاسبة القيادات

كما أنَّ علينا ـ أيّها الأحبَّة ـ أن نتعلّم كيف نحاسب القيادات على أعمالها كلّها، فالقائد لا يملك نفسه في أيِّ موقع من مواقع القيادة، سواء كانت القيادة دينيّة، أو سياسيّة، أو اجتماعيّة، أو أمنيّة، فالقيادة مسؤولة أمام النّاس الّذين تقودهم، بعد أن تكون مسؤولةً أمام الله تعالى، ومن حقّ الناس أن يسألوها عن تصرّفاتها ومواقفها كلّها، فهي ـ أي القيادة ـ ليست امتيازاً شخصيّاً للقائد، ولا تشريفاً له، ولا موقعاً اجتماعيّاً ينفتح به، ولكنّها مسؤولة أمام النّاس، وعليه أن يقدِّم حسابه للناس. ونتعلّم ذلك من الآيات والأحاديث الّتي تريدنا أن نتحدَّث بصراحة مع القيادة، أية قيادة، صغيرةً كانت أو كبيرة، والله تعالى يحدِّثنا كيف أنَّ بعض القيادات تخدع الناس في البداية، فإذا وصلت إلى ما تريد من خلال التفاف الناس حولها، نسيت ذلك كلّه، {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ}. إنَّ الطاغية يقول: من أنتم حتى تقولوا لي اتّق الله، فأنا الَّذي أعظ الناس، فكيف تعظونني؟!

إنَّ كثيراً من القادة يرى نفسه فوق أن يوعظ، وأعظم من أن ينصح، أو يناقَش، أو يحاوَر، لأنّه يعتبر أنَّ كلمته هي الكلمة العليا الَّتي لا كلمة فوقها، {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.

تدبر القرآن ومعانيه

أيّها الأحبّة، هذا هو الخطّ الّذي انطلق به رسول الله(ص)، وعلينا كمسلمين أن نؤمن بالله وكتابه ورسوله، وأن نقرأ القرآن قراءةً حركيّة، ولا أقصد الحركيّة الحزبيّة، وإنما نقرأه في حركة الواقع، لأنه كان يتحرّك في شوارع مكّة وشوارع المدينة، وفي بدر وأحد وحنين والأحزاب، وكان يلاحق المسلمين في واقعهم، بل حتى في القضايا الخاصَّة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}، وكان يرصد كلّ شيء، ونحن نعرف أنَّ القرآن ليس كتاباً يتحدَّث عن تأريخ محصور في منطقة معيَّنة، بل إنه كان يتحدَّث عن نماذج لا بدَّ لنا من أن ننفتح من خلالها على ما يماثلها في الواقع، لأنَّ القرآن هو كتاب الحياة، وليس كتاب مرحلة معيّنة، وهذا ما جاء عن الإمام الباقر(ع): " إنّ القرآن حيّ لا يموت ، والآية حيّة لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الآية، لمات القرآن ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين... إنّ القرآن حيّ لم يمت، وإنّه يجري كما يجري اللّيل والنّهار، وكما يجري الشّمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوَّلنا". فكما تتجدَّد الليالي والأيام، وحركة الشمس والقمر في انفتاحهما على الأرض والناس، كذلك، يتجدَّد القرآن، فنستطيع أن نأخذ من نموذج أهل بدر كلّ ما يماثله في مدى التأريخ، وهكذا الأمر في درس أحد وحنين والأحزاب، وسواها من غزوات النبيّ(ص) وعلاقاته وقضائه وغير ذلك.

وكما قلت في البداية، فنحن بحاجةٍ إلى ولادةٍ جديدة، لأنَّ الإسلام مات في نفوسنا، وأصبح شيئاً تقليديّاً، وأصبحنا نتحرك بفعل العادة، فنعتاد الصَّلاة، فنصلّي من دون روح، ونعتاد الصّوم، فنصوم من دون تقوى، ونعتاد الحجّ من دون انفتاح على معانيه، ومات القرآن فينا، بحيث أصبحنا نقرأه للبركة وللثّواب، ولا نقرأه للوعي، والله يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. افتح قلبك، والقلب في المفهوم القرآني هو المنطقة الداخليّة من جسم الإنسان؛ هو عقلك وقلبك وإحساسك وشعورك، وعندما تقرأ القرآن، افتح ذلك كلّه، ليكن عقلك مفتوحاً، وقلبك مفتوحاً، وإحساسك مفتوحاً، ووعيك للحياة وللواقع مفتوحاً، حتى تفهم القرآن، وأن لا تقرأ مجرَّد كلمات، بل علينا أن نتدبّره ونعمل به، وأن نتفاءل به في حركة الحياة ووعي الواقع ومواجهة التّحدّيات.

أساليب مواجهة الضَّلال

أيّها الأحبَّة، ولد النّبيّ(ص) في مرحلة كان الضَّلال فيها يغمر الواقع كلّه، ونحن الآن نعيش في عصرٍ ينفتح فيه الضَّلال المثقَّف، والكفر المثقّف، والاستكبار المثقَّف، على الواقع، ليحارب الإسلام والمسلمين في ثقافتهم، لذلك، نحتاج إلى إيمان مثقَّف، وحركة مثقَّفة، ووعي مثقّف، ونحتاج إلى أن نواجه الثّقافة بثقافة، والقوَّة بقوّة، والخطّة بخطّة، فكم نحن في العدد!؟ نحن نمثّل الآن أكثر من خمس العالم كمسلمين، ولكن اليهود الذين لا يزيد عددهم عن عشرين مليوناً في العالم، استطاعوا أن يهزموا المليار مسلم ونيّفاً، لأنهم استنفروا قوّتهم كلّها، فأصبح الكيان الصّهيونيّ قضيّة كلّ يهودي. أمّا المسلمون، فقد ابتعدوا عن كلّ معنى فلسطين، وعندما بدأ الزّمن يتقدَّم في مداه في التّأريخ، ويتأخَّر في مداه في القضايا، أصبحت القضيَّة ليست أن (نحرّر) فلسطين، بل كيف (نتحرَّر) من فلسطين.

ولذلك، نجد أنَّ الكثيرين من هؤلاء الَّذين يجلسون على قلب العالم الإسلاميّ، ويجثمون على صدر الأمَّة الإسلاميَّة، ممن وظَّفهم المستكبرون من أجل أن يحرسوا مصالحهم، يلهثون ويلهثون، حتى يأتي شخص صهيونيّ، ليتحدّث بطريقة دبلوماسيّة، ويذبحنا بطريقة حضاريّة. فالمشكلة بين رئيس صهيونيّ يذهب، وآخر يأتي، هي أنَّ ذاك يذبحنا على الطَّريقة البدويَّة، وهذا يذبحنا على الطّريقة العصريّة. ولقد قلت إنَّ الفرق بين مسؤول ومسؤول، هو الفرق بين سرطان الرئة وسرطان المعدة، أيّهما تختار؟! تلك هي القضيَّة.. ولقد كان اليهود في زمن الرَّسول(ص): {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}. وكان المسلمون في ذلك الزّمن مصداقاً للآية: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}. وانقلبت الصّورة اليوم، فأصبحنا تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتّى، وأقطارنا شتّى، وأحزابنا شتّى، ومذاهبنا شتّى، وأهواؤنا شتّى، وإلى آخر القائمة من هذه (الشتّى)، بينما اليهود، أصبحوا أشدّاء علينا، رحماء بينهم، والله يُجري النَّصر والهزيمة على حسب سننه، لأنّه تعالى أقام الكون على سنن في نظام الكون وفي الإنسان.

المعنى الحقيقي للمولد

أيّها الأحبَّة، أصبحنا نفكّر كأفراد، ولا نفكّر كأمّة، ونعمل على أن يقول كلّ واحد منا: اللّهمّ استر عليّ وعلى عياليّ، ومالنا والدّخول بين السّلاطين.. والله تعالى يقول: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. ويقول: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. ونحن بحاجة إلى أن نصبر على كثير من البلاء السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ والاجتماعيّ، أن نصبر صبر العاملين الذين يخطّطون، ويحاولون أن ينفّذوا الخطّة على مراحل.

القوم يخطّطون، وعلينا أن نخطّط، والقوم يفكّرون، وعلينا أن نفكّر، وأن نعيش كأمّة تهتمّ بقضاياها كلّها: "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه، فليس بمسلم".

أيّها الأحبَّة، في مولد الرسول(ص)، علينا أن نولد كأمة، حتى نستطيع أن نقف بين الأمم في العالم، وذلك هو معنى ذكرى المولد، فهو ليس أهازيج، ولا أناشيد، ولا موالد فقط. إنّنا ـ للأسف ـ مشغولون بالسَّطح، فيما العمق يفترس واقعنا كلّه.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم