للعثور على الإجابة، دعونا نبدأ بالنظر إلى الإطار الذي رسمه القائد الشهيد للسياسة الخارجية.
كان قد أكد آية الله السيد علي خامنئي الشهيد، مراراً وتكراراً أن السياسة الخارجية يجب أن ترتكز على ثلاثة مبادئ أساسية:
“العزة، الحكمة، والمصلحة”.
هذه المبادئ الثلاثة تُعد في الواقع خارطة الطريق التي تفسر لنا موقفه تجاه الولايات المتحدة.
المبدأ الأول هو “العزة”، وهو يرتبط مباشرة بفهم طبيعة السلوك السياسي الأمريكي. فمن وجهة نظر آية الله خامنئي الشهيد، تُعرف استراتيجية واشنطن بأنها قائمة على “التوسع العدواني”.
من أبرز الأمثلة في العصر الحديث هو “الاتفاق النووي” والملف النووي الإيراني؛ حيث نفذت إيران جميع التزاماتها، وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام طهران 15 مرة.
لكن أمريكا انسحبت من الاتفاق بشكل أحادي في عام 2018.
في فكر آية الله خامنئي الشهيد، تعني العزة عدم الرضوخ لعلاقة يمكن فيها للطرف الآخر أن يتجاهل التزاماته في أي لحظة.
المبدأ الثاني هو “الحكمة”، وهو مرتبط بشخصيته الثورية وقراءته التاريخية العميقة. فبصفته شخصا كان في قلب النضال لسنوات طويلة، فقد قرأ ولاحظ جيداً النموذج المتكرر للسلوك الأمريكي في التعامل مع الشعوب.
بدءاً من انقلاب 28 مرداد (1953) ضد حكومة مصدق الوطنية في إيران، وصولاً إلى الانقلاب ضد “بينوشيه” في تشيلي، وعشرات الحالات الأخرى، فضلاً عن دعم أمريكا للديكتاتوريات حول العالم.
وفي هذا المنظور، تُعرف أمريكا بأنها قوة خادعة.
بالنسبة لآية الله خامنئي الشهيد، فإن مبدأ الحكمة يقتضي الاستفادة من تجارب الماضي وعدم الانخداع بالوعود الجديدة.
المبدأ الثالث هو “المصلحة”، الذي يُدرك بمراقبة مصير حلفاء أمريكا؛ فكان قد لاحظ قائد الثورة الإيرانية الشهيد كيف تفرض واشنطن هيمنتها حتى على أصدقائها كالحلفاء العرب، الدول الأوروبية، والقوى الآسيوية، وتحولهم إلى كيانات فاقدة للإرادة، وبمعنى أدق، “موظفين” لديها.
دول تشتري أسلحة بمليارات الدولارات، لكنها لا تملك صلاحية اتخاذ القرار بشأن مصالحها الوطنية. وبالنسبة للقائد الشهيد، تكمن مصلحة الأمة المستقلة في تجنب مثل هذا المصير.
وفي نهاية المطاف، ربما تكون الطبقة الأعمق في هذا التوجه هي القراءة القرآنية لآية الله خامنئي الشهيد لطبيعة القوة الأمريكية؛ فهو يصف هذه الدولة بدقة بأنها في مقام “الطاغوت”؛ تلك القوة التي يرسمها القرآن والتي تهدف إلى استعباد الآخرين.
في هذا التحليل، تمثل أمريكا “فرعونا عصريا” لا يبحث عن شريك متساو، بل يسعى وراء شعوب مطيعة ومسلوبة الإرادة.
17. وهكذا، لا يمكن توقع المصالحة مع أمريكا من شخص يحمل هذا التصور.
وقد كان للقائد الشهيد قول شهير:
“لا طائل من التفاوض مع أمريكا؛ والسبب: التجربة”.