قصة نبي الله هود (عليه السلام) ۳

الأحد 17 مارس 2019 - 09:25 بتوقيت طهران

الحلقة 47

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة على محمد وآل الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أحبة الايمان ورحمة الله وبركاته. يشرفنا ويسعدنا أن نلقاكم عبر هذه المائدة السماوية التي من الله بها علينا، برنامج القصص الحق حيث نكمل الحديث عن حياة نبي الله هود (ع) التي ذكرها القرآن الكريم في سورة هود من الآية ٥۸ حتى ٦۰ فاهلاً بكم الى المحطات التالية. ايها الاحبة بعد المقدمة نستمع الى تلاوة لهذه الايات ثم نتعرف واياكم على اهم مفرداتها ومداليل عباراتها ثم نستمع الى اجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال حول اسم "الجبار" – بعد ذلك ندعوتم لمتابعة محطة القصة ثم نستفير بهدي الائمة (ع) عن طبيعة قوم عاد واخيراً مع باقة من الدروس المستقاة من هذه الحكاية القرانية. فأهلاً بكم ومرحباً.

*******

 

المقدمة


هذه الآيات هي التي تتحدث عن قصّة قوم عاد ونبيّهم هود_عليه السلام_ وهي تشير إلى ان الله تعالى نجى نبيه ومن امن معه من العقاب الأليم الذي لحق بالمعاندين لعدم اخضاعهم لله تعالى وطاعة رسولهم هود _عليه السلام_، ثم تتحدث عن اللعنة الدنيوية والاخروية. تعالوا معا نشنف الاسماع بتلاوة هذه الايات لنعود ونتحدث عن شرح مبسط للمفردات والمعانى التى تحملها الايات.

*******

 

التلاوة


"ولَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً والَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنّا ونَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذاب غَليظ ٥۸ وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنيد ٥۹ وأُتْبِعُوا في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعاد قَوْمِ هُود ٦۰"

*******

 

المفردات


تقول الآية ٥۸ من سورة هود: "وَ لَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً والَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنّا ونَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذاب غَليظ" لتكرار كلمة"نَجَّيْنا" في الآية مرّتين، أقوال مختلفة للمفسّرين، ف" نَجَّيْنا" الأولى تعني خلاصهم من عذاب الدنيا و"نَجَّيْنا" الثّانية تعني نجاتهم في المرحلة المقبلة من عذاب الآخرة، وينسجم هذا التعبير مع وصف العذاب بالغلظة أيضاً. ويشير بعض المفسرين إلى مسألة لطيفة هنا، وهي أنّ الكلام لما كان على رحمة الله فمن غير المناسب أن تتكرر كلمة العذاب مباشرة، فأين الرحمة من العذاب؟ لذلك تكررت كلمة "نَجَّيْنا" لتفصل بين الرحمة والعذاب دون أن ينقص شيء من التأكيد على العذاب. وهناك تناسب ينبغي ملاحظته أيضاً، وهو أنّ قوم عاد كما سيأتي بيان حالهم إن شاء الله ورد ذكرهم في سورة القمر، والحاقة، وكانوا قوماً ذوي اجسام طوال، فشبّهت أجسامهم بالنخل، ولهذا السبب كانت لديهم عمارات عالية عظيمة، بحيث نقرأ في تاريخ ما قبل الإسلام أن العرب كانوا يَنسبون البناءات الضخمة والعالية إلى عاد ويقولون مثلا: " هذا البناء عاديٌ " لذلك كان عذابهم مناسباً لهم لا في العالم الآخر بل في هذه الدنيا كان عذابهم خشناً وعقابهم صارماً. ثمّ تلخّص الآيات ذنوب قوم عاد في ثلاثة مواضيع: الأوّل: بسبب إنكارهم لآيات الله وعنادهم لم يتركوا دليلا واضحاً وسنداً بيّناً على صدق نبوة نبيّهم إلاّ جحدوه "وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ".والثّاني: إنّهم من الناحية العملية لم يتّبعوا أنبياء الله "وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ" وإنّما جاءت الرسل بصيغة الجمع، إمّا لأن جميع دعوات الأنبياء هي نحو حقيقة واحدة وهي "التوحيد وفروعه" فإنكار دعوة نبي واحد يُعدّ إنكاراً لجميع الأنبياء، أو أن هوداً دعاهم للإيمان بنبوة الأنبياء السابقين أيضاً، وكانوا ينكرون ذلك. والثّالث من الذنوب: إنهم تركوا طاعة الله ومالوا لكل جَبّار عنيد"واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنيد". فأيّ ذنب أعظم من هذه الذنوب: ترك الإيمان، ومخالفة الأنبياء، والخضوع لطاعة كل جَبّار عنيد. و"الجَبّار" يطلق على من يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع أمر العقل، وبتعبير آخر هو من يُجبر سواه على إتباعه ويريد أن يغطي نقصه بادعاء العظمة والتكبر الظاهري. و "العَنِيدٍ" هو من يخالف الحق والحقيقة أكثر ممّا ينبغي، ولا يرضخ للحق أبداً. هاتان الصفتان تتجلّيان في الطواغيت والمستكبرين في كل عصر وزمان، الذين لا يستمعون لكلام الحق أبداً ويعمدون إلى من يخالفهم بانزال أشد انواع العقاب به بلا رحمة وفي الآية الأخيرة التي تنتهي بها قصّة "هود" وقومه "عاد" بيان لنتيجة أعمالهم السيئة والباطلة حيث تقول الآية: "وأُتْبِعُوا في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً" وبعد الموت لايبقى إلاّ خزيهم والصيت السيء"ويَوْمَ الْقِيامَةِ" يقال لهم "أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعاد قَوْمِ هُود". وكان يكفي تعريف هذه الجماعة بلفظ "عَاد" ولكن بعد ذكر عاد جاء لفظ "قَوْمِ هُود" أيضاً لتؤكّد عليهم أوّلا، ولتشير الى أنّهم القوم الذين آذوا نبيّهم الناصح لهم ثانياً، ولذلك فقد أبعدهم الله عن رحمته. يرد سؤال اذا كان الجَبّار يعكي المعنى الذي ذكرناه وهو الذي يضرب ويدمر من منطلق الغضب ويتبع امر العقل فلماذا ذكرت هذه الصفة لله عزوجل كما في سورة الحشر في الاية الثالثة والعشرين وفي سائر المصادر الاسلامية، مستمعينا مستمعاتنا للاجابة عن هذا التساؤل يتفضل سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية في المحطة التالية بالاجابة عنه، اذن نتابع معاً

*******


زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً هذه الكلمات كلمات "الجَبّار" قد تطلق على الله عزوجل وتطلق على غيره من الطغاة والظالمين، هنا اختلف علماء اللغة والمفسرون حول اصل كلمة جَبّار ، هناك رأي يقول الجَبّار من الاجبار والقهر يعني لامن الجبر لأن جبر بينما اجبر يعني قهر وحينما يجبر خلقه الله عزوجل يجبر خلقه على ما اراد من امر ونهي يعني مشتقة من اجبر لامن جبر فالله قاهر على ما اراد بخلقه طبعاً الله عزوجل لايقهر الا بحكمة ومصلحة على مستوى التكوين وعلى مستوى التشريع لأنه رب العالمين "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" الله رب العالمين هناك ربوبية تكوينية خلقنا بهذه الصورة، الله الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هداه هذا جبر تكويني وطبعاً جبر تكويني يكون بأعلى درجات الحكمة وهناك جبر تشريعي يعني اعطى الله عزوجل لنا الشرائع والاوامر والنواهي وعلينا ان نطبق هذه الاوامر وان كان الانسان يملك حريته ولكن سيعاقب اذا عصى وسيثاب اذا اطاع اذن هو من هذه الناحية الجَبّار يعني من الاجبار القهر سوى على مستوى التكوين او على مستوى التشريع وقلنا هذا يختلف عن الانسان، الانسان يجبر بمصلحة ذاتيه، بحماقة لأن الطاغية جَبّار كذلك فيريد ان يستعلي " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ" فأن فرق بين ان نقول الله جَبّار يعني يجبر الخلق ويقهرهم على مستوى التكوين ومستوى التشريع وهو اجبار بحكمة ومصلحة للانسان نفسه هذا الرأي الاول، الرأي الثاني يقول الجَبّار الذي لاينال ومنه الجَبّار النخل يعني الطويل الذي لاينال بأهتضام فالله جَبّار لاينال وهناك رأي اخر ربما هو الاقرب الجَبّار يعني المصلح الغني، الجَبّار من جبر الكسير وجبر العظم وجبر المصيبة يعني نقول جبره يعني اغناه بعد فقر، جيرت فاقته يعني اذا اغنيته "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" ولهذا قال بعض اللغويين وجائز ان يكون الجَبّار في صفة الله تعالى من جبره الفقر بالغنى وهو تبارك وتعالى جابر كل كسير وفقير وهو جابر دينه الذي ارتضاه ولهذا العلامة الطباطبائي يحتمل الرأي الاول واالرأي الثالث، يقول هكذا نص العلامة الطباطبائي " الجَبّار مبالغة من جبر الكسر" هذا المعنى الثالث طبعاً "او الذي تنفذ ارادته ويجبر على ما يشاء" " وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ" هذا هو المعنى الاول يعني المعنى الاول هو من الاجبار والقهر ولكن بحكمة ومصلحة والمعنى الثالث هو الجَبّار بمعنى المصلح الغني من جبر العظم، نحن نسميه الجبيرة المكسور حينما يسد له خشب ليصلح الكسر ولهذا الله جابر العظم الكسير اما الطاغية حينما يكون جَبّار اً طبعاً حتى بمعنى الجبر لايمكن ان يكون جَبّار اً هو يدعي انه جَبّار الطاغية ولهذا حينما نستمعل جَبّار للطغاة "وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" بينما تستعمل لله عزوجل، ذكرتم في سورة الحشر الاية الثالثة والعشرون "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ" يعني الذي يأخذ هذه الصفات من دون الله عزوجل ولايستمدها من الله هذا مشرك، المؤمن عزيز لأن الله عزيز، المؤمن متكبر لأن الله متكبر فيما يستوجب التكبر، التكبر على المتكبر عبادة ولهذا هذه الصفات تستمد من الله عزوجل وتكوت صفات خير لكن حينما تكون من دون الله عزوجل فتكون صفات شر عند الانسان.

*******


عند تلاوة الاية المباركة "وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنيد" يَرِدُ سؤال: إذا كان الجَبّار يعطي المعنى الذى ذكرناه وهو الذي يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع أمر العقل، فلماذا ذُكرت هذه الصفة لله، كما في سورة الحشر الآية ۲۳ وسائر المصادر الإسلامية؟

*******

 

القصة "هلاك عاد"


وهكذا أعلن هود لهم براءته منهم ومن آلهتهم. وتوكل على الله الذي خلقه، وأدرك أن العذاب واقع بمن كفر من قومه. هذا قانون من قوانين الحياة. يعذب الله الذين كفروا، مهما كانوا أقوياء أو أغنياء أو جبابرة أو عمالقة. انتظر هود وانتظر قومه وعد الله. وبدأ الجفاف في الأرض. لم تعد السماء تمطر. وهرع قوم هود إليه. ما هذا الجفاف يا هود؟ قال هود: إن الله غاضب عليكم، ولو آمنتم فسوف يرضى الله عنكم ويرسل المطر فيزيدكم قوة إلى قوتكم. وسخر قوم هود منه وزادوا في العناد والسخرية والكفر. وزاد الجفاف، واصفرت الأشجار الخضراء ومات الزرع. وجاء يوم فإذا سحاب عظيم يملأ السماء. وفرح قوم هود وخرجوا من بيوتهم يقولون: "هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا". تغير الجو فجأة. من الجفاف الشديد والحر إلى البرد الشديد القارس. بدأت الرياح تهب. ارتعش كل شيء، ارتعشت الأشجار والنباتات والرجال والنساء والخيام. واستمرت الريح. ليلة بعد ليلة، ويوما بعد يوم. كل ساعة كانت برودتها تزداد. وبدأ قوم هود يفرون، أسرعوا إلى الخيام واختبئوا داخلها، اشتد هبوب الرياح واقتلعت الخيام، واختبئوا تحت الأغطية، فاشتد هبوب الرياح وتطايرت الأغطية. كانت الرياح تمزق الملابس وتمزق الجلد وتنفذ من فتحات الجسم وتدمره. لا تكاد الريح تمس شيئا إلا قتلته ودمرته، وجعلته كالرميم. استمرت الرياح مسلطة عليهم سبع ليال وثمانية أيام لم تر الدنيا مثلها قط. ثم توقفت الريح بإذن ربها. لم يعد باقيا ممن كفر من قوم هود إلا ما يبقى من النخل الميت. مجرد غلاف خارجي لا تكاد تضع يدك عليه حتى يتطاير ذرات في الهواء. نجا هود ومن آمن معه.. وهلك الجبابرة.. وهذه نهاية عادلة لمن يتحدى الله ويستكبر عن عبادته.

*******

 

من هدى الائمة _عليه السلام_


ورد العلامة الطباطبائى فى الميزان رواية عن اهل البيت _عليهم السلام_: أن عادا كانت بلادهم في البادية، وكان لهم زرع ونخيل كثيرة، ولهم أعمار طويلة وأجساد طويلة فعبدوا الأصنام، وبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه فكفت عنهم السماء سبع سنين حتى قحطوا.

*******

 

دروس وعبر


* كما راينا فى الايات انها قبل أن تذكر عقاب الظلمة والكافرين ومجازاتهم، تبين نجاة المؤمنين وخلاصهم، لئلا يُتصور أنّ العذاب الإلهي إذا نزل يحرق الأخضر واليابس معاً لأنّ الله عادل وحكيم وحاشاه أن يعذب ولو رجلاً مؤمناً بين جماعة كفرة يستحقون العذاب والعقاب. * النقطة الاخرى هى رحمة الله التى تنقل هؤلاء الأشخاص قبل نزول العذاب إلى محل آمن كما رأينا من قبل في قصّة نوح أنّه قبل شروع الطوفان كانت سفينة النجاة قد اُعدّت للمؤمنين، وقبل أن ينزل العذاب على قوم لوط ويدمّر مدنهم خرج لوط وعدد معدود من أصحابه من المدينة ليلا بأمر الله. *يشير قوله تعالى "وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ" الى ان الايمان بالانبياء لوحده لايكفي بل المطلوب التبعية والمعية معهم. * من اللطيف ذكره ان الله عند ما يجرى الحديث عن الرحمة فيقول " رحمة منا" ولكن عند الحديث عن العذاب فيقول " عذاب غليظ" ولم يقل عذاب منا.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم