قصة موسى في مدين

السبت 16 مارس 2019 - 19:01 بتوقيت طهران

الحلقة 24

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسَّلام على رسوله حبيبه رحمة للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
نحمد الله تعالى ان رزقنا اللقاء بكم حول نوره المبين وحبله الممدود من السماء الى الارض ونستنير معاً بهدي القصص القرآنية، في هذه الحلقه سنستمرّ في الحديث عن حياة نبي الله موسى (عليه السَّلام) والتي تحدّثت عنها الآيات الثالثة العشرون حتى الخامسة والعشرين من سورة القصص، وهي تتناول حكايته (عليه السَّلام) عندما دخل مدين.
بداية نقدّم لكم تلاوة مرتلة لهذه الآيات المباركة، ثم نتعرف على معانى المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في هذا الجزء من الحكاية.
ثم نستمع معاً الى الحوار القرآنيّ بشأن الآيات مع خبير البرنامج لننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونتابع تفاصيلها، ثم نغترف من معين علوم اهل البيت (عليه السَّلام) في فقرة (من هدي اهل البيت (عليه السَّلام)) ورواية عن الامام أبي جعفر الصادق (عليه السَّلام) واخيراً مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من القصة القرآنية.

*******

نواجه هنا مقطعاً آخر من قصّة النبي موسى (عليه السَّلام)، وهي قضيّة وروده (عليه السَّلام) إلى مدينة مدين، هذا الشابّ الطاهر الذي لا يغش أحداً أمضى عدّة أيّام في الطريق، الطريق التي لم يتعوّد المسير فيها من قبل أبداً، ولم يكن له بها معرفة، وكما يقول بعضهم: اضطرّ موسى إلى أن يمشي في هذا الطريق حافياً، وقيل: إنه قطع الطريق في ثمانية أيّام، حتى لقي ما لقي من النصب والتعب، وورمت قدماه من كثرة المشي.
وكان يقتات من نبات الأرض وأوراق الشجر دفعاً لجوعه، وليس له أمام مشاكل الطريق وأتعابه إلاّ قلبه المطمئنّ بلطف الله الذي خلصه من مخالب الفراعنة.
وبدأت معالم (مدين) تلوح له من بعيد شيئاً فشيئاً، وأخذ قلبه يهدأ ويأنس لإقترابه من المدينة.
يقول القرآن الكريم: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ».
«تَذُودَانِ» مشتقة من (ذود) ومعناها المنع، فهما إذاً كانتا «تَذُودَانِ» أغنامهما لئلا تختلط بالأغنام الأخرى، فحرّكة هذا المشهد وهو عبارة عن حفنة من الشبان الغلاظ يملأون أوعيتهم من الماء ويسقون الأغنام، ولا يفسحون المجال لأحد حتى يفرغوا من أمرهم. بينما هناك امرأتان تجلسان في زاوية بعيدة عنهم، وعليهم آثار العفة والشرف، جاء اليهما موسى (عليه السَّلام) ليسألهما عن سبب جلوسهما هناك، وقال: ما خطبكما، أي ما شأنكما وما شغلكما هنا ولم لا تتقدّمان وتسقيان الأغنام؟
شق على موسى (عليه السَّلام) ان يرى هذا الظلم، وهو يريد أن يدخل مدينة مدين، فلم يتحمّل ذلك كلّه، فهو المدافع عن المحرومين ومن أجلهم ضرب قصر فرعون ونعمته عرض الحائط وخرج من وطنه، فهو لا يستطيع أن يترك طريقته وسيرته وأن يسكت أمام الجائرين الذين لا ينصفون المظلوم، فقالت البنتان: إنهما تنتظران تفرّق الناس وأن يسقي هؤلاء الرعاة اغنامهم، «قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء».
«يُصْدِرَ» مأخوذ من مادّة (صدر) ومعناه الخروج، و«الرِّعَاء» جمع راع، وهو سائس الغنم ومن أجل أن لا يسأل موسى: أليس لكما أب؟ 
ولماذا رضي بإرسال بناته للسقي مكانه، أضافتا مكمّلتين كلامهما «وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ» فلا هو يستطيع أن يسقي الأغنام، وليس عندنا أخ يعينه على الأمر فلا حيلة لنا إلاّ أن نؤدي نحن هذا الدور.
فتأثر موسى (عليه السَّلام) من سماعه حديثهما بشدة. فأي اناس هؤلاء لا ينصفون المظلوم، ولا هَمَّ لهم غير أنفسهم.
فتقدّم واخذ الدلو وألقاها في البئر. 
يقال: إن هذه الدلو كان يجتمع عليها عدّة نفر ليخرجوها بعد امتلائها من الماء، إلا أنّ موسى (عليه السَّلام) استخرجها بقوته وشكيمته وهمّته بنفسه دون أن يعينه أحد (فسقى لهما) أغنامهما.
ويقال: انّ موسى (عليه السَّلام) حين اقترب من البئر لام الرّعاء.
قال: أيَّ أناس أنتم لا هَمَّ لكم إلا أنفسكم! وهاتان البنتان جالستان!؟ 
ففسحوا له المجال وقالوا له: هلمّ واملأ الدلو، وكانوا يعلمون أن هذه الدلو حين تمتليء لا يستخرجها إلاّ عشرة أنفار من البئر.
ولكنّ موسى (عليه السَّلام) بالرغم من تعب السير في الطريق والجوع ملأ الدلو وسحبها بنفسه وسقى أغنام المرأتان جميعها. «ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».
أجل، إنه متعب وجائع، ولا أحد يعرفه في هذه المدينة، فهو غريب، وفي الوقت ذاته كان مؤدّباً وإذا دعا الله فلا يقول: رَبِّ إِنِّيأريد كذا وكذا، بل يقول: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» أي إنه يكشف عن حاجته فحسب، ويترك الباقي الى لطف الله سبحانه.
وبدأ فصل جديد في حياة موسى (عليه السَّلام) عندما جاءته احدى البنتين تخطو بخطوات ملؤها الحياء والعفة ويظهر منها أنها تستحي من الكلام مع شابّ غريب «فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء» فلم تزد على أن «قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا».
فلمع في قلبه إشراق من الأمل، وكأنه أحسّ واقعة مهمّة تنتظره وسيواجه رجلاً كبيراً! رجلاً عارفاً بالحق وغير مستعدّ أن يترك أيّ عمل حتى لو كان ملء الدلو أن يجزيه عليه، هذا الرجل ينبغي أن يكون انساناً نموذجياً ورجلاً سماوياً وإلهيّاً، ربّاه. ما أروعها من فرصة.
أجل، لم يكن ذلك الشخص الكبير سوى شُعَيْبٌ النبيّ الذي كان يدعو الناس لسنين طوال نحو الله، كان مثلاً لمن يعرف الحق ويطلب الحق، واليوم إذ تعود بنتاه بسرعة يبحث عن السبب، وحين يعرف الأمر يقرر أن يؤدي ما عليه من الحق لهذا الشابّ كائناً من كان.
تحرك موسى (عليه السَّلام) ووصل منزل شُعَيْبٌ، وطبقاً لبعض الروايات، فإنّ البنت كانت تسير أمام موسى لتدلّه على الطريق، إلاّ أن الهواء كان يحرّك ثيابها ولكنّ موسى لما عنده من عفّة وحياء طلب منها أن تمشي خلفه وأن يسير أمامها، فإذا ما وصلا إلى (مفترق طرق تدلّه وتخبره من أيّ طريق يمضي إلى دار أبيها شعيب) دخل موسى (عليه السَّلام) منزل شُعَيْبٌ (عليه السَّلام)، المنزل الذي يسطع منه نور النبوّة وتشعّ فيه الروحانية من كل مكان وإذا شيخ وقور يجلس ناحية من المنزل يرحّب بقدوم موسى (عليه السَّلام).
يقول القرآن في هذا الصدد: «فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ومعنى ذلك أنّ شُعَيْبًايطمئن موسى قائلاً له: إن أرضنا بعيدة عن سيطرتهم وسطوتهم ولا تصل أيديهم إلينا، فلا تقلق ولا تشعر نفسك الوحشة، فأنت في مكان آمن ولا تفكر بالغربة، فكلّ شيء بلطف الله سيتيسّر لك.
فالتفت موسى إلى أنه وجد استاذاً عظيماً، تنبع من جوانبه عيون العلم والمعرفة والتقوى، وتغمر وجوده الروحانيّة ويمكن أن يروي ظمأه منه كما أحسّ شُعَيْبٌ أنه عثر على تلميذ جدير ولائق، وفيه استعداد لأن يتلقى علومه وينقل إليه تجارب العمر.
أجل، كما أن موسى شعر باللذة حين وجد أستاذاً عظيماً، كذلك أحسّ شُعَيْبٌ بالفرح والسرور حين عثر على تلميذ مثل موسى.

*******

اسئلة الخبير

نواصل لحضراتكم تقديم برنامج (القصص الحق) من اذاعة طهران بالانتقال الى الفقرة اللاحقة وهي (الحوار القرآني) الذي اجراه الزميل مصطفي رجاء مع خبير هذا اللقاء:
المحاور: نستضيف فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين خبير البرنامج واستاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة، فضيلة السيد كما ارحب بكم في هذه الحلقة أين كانت مدين حيث توجه اليها موسى (عليه السلام) بعد ان هرب من فرعون وحاشيته؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ» طبعاً مدين تقع في اطراف الشام، شرق خليج العقبة يعني شمال غرب الجزيرة العربية، بين خليج العقبة وسيناء قرب مؤتة ومؤتة تعرفون ان فيها قبر جعفر الطيار بن ابي طالب الذي استشهد (عليه السلام) في يوم مؤتة، آثار مدين موجودة الان بعضهم يقول تطلق مدين على مدينة معان، مدينة معان في الاردن قرب تبوك وتسمى مدين في التوراة مديان بين خليج العقبة وسيناء ومعان في جنوب الاردن على طريق الحجاز وكانت على ما يبدو من السياق طبعاً هي على البحر الاحمر وما يسمى ببحر القـُلزم يعني العلامة الطباطبائي (رضوان الله تعالى عليه) ينقل من بعض الكتب القديمة يقول كانت مدين على بحر القلزم او القُلزم ولكن يبدو الاصح في المعاجم القـُلزم، بحر القـُلزم هو البحر الاحمر وسمي القـُلزم من القلزمة يعني ابتلاع الشيء يعني كأنه كان متعارفاً على البحر الاحمر انه كان يبتلع بما فيه ربما لأنه ابتلع الطاغية فرعون وجنود فرعون وهو نفسه الذي ابتلع فرعون وليس النيل كما يقول البعض وانما البحر الاحمر فمدين تقع على البحر الاحمر ويبدو انها كانت خارج نطاق الطاغية فرعون لأن شُعَيْبٌ(عليه السلام) قد أمن موسى حينما تحدث بقصته فقال «نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» هذا يدل على ان مدين لم تكن في اجواء تابعة للطاغية فرعون ولهذا أمنه شُعَيْبٌ (عليه السلام) قال «نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ، وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ...» الآيات المباركة في سورة القصص.
المحاور: نعم فضيلة السيد ما هي قراءتكم للرأي القائل بأن الشخص الذي التقى به موسى (عليه السلام) لم يكن النبي شُعَيْبٌ(عليه السلام)؟
السيد عبد السلام زين العابدين: حقيقة يعني هذه قراءة ضعيفة يعني تفسير ضعيف لأن القرآن الكريم حينما يذكر مدين في كثير من الآيات المباركة هي مدين شُعَيْبٌ «وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا» كما في سورة الاعراف في الآية الخامسة والثمانين، سورة هود في الآية الرابعة والثمانين، العنكبوت السادسة والثلاثين كلها تدل «وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا» وهي أَصْحَابُ الأَيْكَةِ طبعاً«كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ» فحسب الظهور القرآني والسياق القرآني والسياق العام للايات المباركة ان مدين كان شُعَيْبٌ، شُعَيْبٌ النبي، بعضهم قال يعني شُعَيْبٌ ليس شُعَيْبٌ النبي، بعض الروايات تقول ان هذا شُعَيْبٌليس شُعَيْبٌ النبي انما هو ابن اخيه اسمه اثرون ولكن روايات ضعيفة يبدو الروايات الاصح والروايات الواردة عن اهل البيت (عليهم السلام) تؤكد ان البنات كانت بنات شُعَيْبٌ (عليه السلام)، كانتا بنتا شُعَيْبٌ (عليه السلام) وليستا من غير شُعَيْبٌ وربما الآيات والسياق يؤيد هذا المعنى وقلنا روايات اهل البيت تؤكد على ان شُعَيْبٌ (عليه السلام)، انظر اخ مصطفى اقرأ لك رواية في تفسير العياشي يقول قال الحلبي سؤل ابو عبد الله (عليه السلام) عن البيت، أكان يحج قبل ان يبعث النبي (صلى الله عليه وآله)؟ 
يعني الكعبة المشرفة، قال نعم وتصديقه في القرآن قول شُعَيْبٌ حين قال لموسى (عليهم السلام) حين تزوج "على ان تأجرني ثماني حجج" ولم يقل ثماني سنين يعني الامام الصادق (عليه السلام) يستشهد بهذه المقولة على ان "تأجرني ثماني حجج"، يقول قول شُعَيْبٌ(عليه السلام) فأذن روايات اهل البيت تؤكد على ان الذي كان هو شُعَيْبٌ وليس ابن اخ شُعَيْبٌ مثلاً او بعضهم يقولون من اصحاب شُعَيْبٌ النبي لأن شُعَيْبٌ قد لم يعمر بهذا العمر الطويل.

*******

قصة موسى (عليه السلام) في مدين

بعد أن خرج النبي موسى (عليه السَّلام) من مصر متوجّهاً الى مدين ظلّ يسير بنفسية المطارد حتى وصل الى مكان. كان هذا المكان هو مدين. جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابّهم وكان خائفاً طوال الوقت أن يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.
لم يكد موسى يصل الى مدين حتى ألقى بنفسه تحت شجرة واستراح نال منه الجوع والتعب، وسقطت نعله بعد أن ذابت من مشقة السير على الرمال والصخور والتراب. لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة. ولم تكن معه نقود لشراء طعام أو شراب. لاحظ موسى جماعة من الرّعاة يسقون غنمهم، ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم القوم، أحسّ موسى بما يشبه الإلهام أن الفتاتين في حاجة إلى المساعدة. تقدّم اليهما وسأل هل يستطيع أن يساعدهما في شيء؟
قالت إحداهما: نحن ننتظر أن ينتهي الرعاة من سقي غنمهم لنسقي.
سأل موسى: ولماذا لا تسقيان؟
قالت الأخرى: لا نستيطع أن نزاحم الرّجال.
اندهش موسى لأنهما ترعيان الغنم. المفروض أن يرعى الرجال الأغنام.
هذه مهمة شاقة ومتعبة وتحتاج الى اليقظة.
سأل موسى: لماذا ترعيان الغنم؟
فقالت واحدة منهما: أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا تساعده صحّته على الخروج كلّ يوم للّرعي.
فقال موسى: سأسقي لكما.
سار موسى نحو الماء. وسقى لهم الغنم مع بقية الرعاة وفي رواية أنّ الرعاة قد وضعوا على فم البئر بعد أن انتهوا منها صخرة ضخمة لا يستطيع أن يحرّكها غير عدد من الرجال. فرفع موسى الصخرة وحده. وسقى لهما الغنم وأعاد الصخرة إلى مكانها، وتركهما وعاد يجلس تحت ظلّ الشجرة. 
وتذكر لحظتها الله وناداه في قلبه: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».
عادت الفتاتان الى أبيهما الشيخ.
سأل الأب: عدتما اليوم سريعاً على غير العادة؟!
قالت إحداهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.
فقال الأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: «إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ» ليعطيك أجر ما سقيت لنا.
ذهبت واحدة من الفتاتين الى موسى، ووقفت أمامه وأبلغته رسالة أبيها.
فنهض موسى وبصره في الأرض. إنه لم يسق لهما الغنم ليأخذ منهنّ أجراً، وإنما ساعدهما لوجه الله، غير أنه أحسّ في داخله أنّ الله هو الذي يوجّه قدميه فنهض.
سارت البنت أمامه. هبّت الرياح فضربت ثوبها فخفض موسى بصره حياء وقال لها: سأسير أنا أمامك ونبّهيني أنت إلى الطريق، وصلا الى الشيخ. وكان الشيخ هو النبيّ شُعَيْبٌ (عليه السَّلام). 
قدّم له الشيخ الطعام وسأله: من أين قدمت وإلى أين ستذهب؟ 
حدثه موسى عن قصته. 
قال الشيخ: «لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ». 
هذه البلاد لا تتبع مصر ولن يصلوا اليك هنا.

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

عن أبي جعفر الصادق (عليه السَّلام) انه قال: 
كان فرعون يقتل أولاد بَنِي إِسْرَائِيلَ كلّ ما يلدون، ويربّي موسى ويكرمه ولا يعلم أنّ هلاكه على يده، فلما درج موسى كان يوماً عند فرعون فعطس موسى فقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» فأنكر فرعون ذلك عليه ولطمه، وقال: ما هذا الذي تقول؟
فوثب موسى على لحيته وكان طويل اللحية فهلبها أي قلعها، فهمّ فرعون بقتله.
فقالت امرأته: غلام حدث لا يدري ما يقول، وقد لطمته بلطمتك إيّاه.
فقال فرعون: بل يدري.
فقالت له: ضع بين يديك تمراً وجمران فإن ميّز بينهما فهو الذي تقول، فوضع بين يديه تمراً وجمراً.
فقال له: كل، فمدّ يده إلى التمر فجاء جبرئيل فصرفها إلى الجمر في فيه فاحترق لسانه فصاح وبكى.
فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك إنه لا يعقل؟
فعفي عنه.

*******

دروس وعبر

في هذا القسم من قصّة موسى (عليه السَّلام) دروس كثيرة توحي بالعبر. 
۱. إنّ أنبياء الله هم حماة المظلومين دائماً، فموسى سواء كان في مصر أو كان في مدين، كان يسيئوه أن يرى ظلماً وتجاوزاً على حقوق الآخرين، وكان ينهض لنصرة المظلوم ولم لا يكون كذلك، وأحد أهداف بعثة الأنبياء نصرة المظلوم.
۲. أداء عمل صغير لله له بركات كثيرة، فلم يفعل موسى سوى أنه جلب دلواً من الماء وسقى الأغنام للبنتين، ولم يكن له هدف سوى مرضاة الله الخالق سبحانه.
ولكن كم كان لهذا العمل الصغير من خير وبركة؟! لأنه صار سبباً لأن يصل إلى منزل شُعَيْبٌ نبيّ الله، وأن يتخلص من الغربة، وأن يجد مأوى يطمئن إليه، وصار من نصيبه الأكل الهنيء والثياب والزوجة الصالحة، وأهمّ من كلّ ذلك، إنه وصل إلى شُعَيْبٌ، ذلك الشيخ الكبير الذي يتمتع بضمير حيّ وله دين سماويّ، فعاش معه عشر سنين وأصبح مهيّاً لقيادة الأمة في ذلك الوقت.
۳. إنّ رجال الله لا يتركون أيّ عمل سدىً- وخاصّة ما يعمله المخلصون- دون أن يؤدّوا أجره ولهذا السبب فإنّ شُعَيْبًا حين بلغه ما قدّمه موسى (عليه السَّلام) من عمل- وهو شابّ لم يكن معروفاً هناك- لم يقرّ له بال حتى أرسل خلفه ليعطيه أجره.
٤. وهذه المسألة تثير الإنتباه، وهي أن موسى كان يذكر الله دائماً، ويطلب منه العون في كلّ أمر، ويوكل حلّ مشاكله إليه وحين سقى أغنام شُعَيْبٌ، «تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».
وهذا الدعاء الأخير- خاصة - الذي دعا به في وقت تحوط فيه الأزمات وهو في أشدّ الحاجات، دعا به وهو في غاية التأدّب والخشوع، ولم يسأل الله أن يحقق له ما يحتاج ، بل سأل المزيد، وقال: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».
٥. لا ينبغي التصوّر أنّ موسى (عليه السَّلام) إنما كان يذكر الله في الشدائد فحسب، فهو لم ينس ذكر الله حتى حين كان في نعمة ورفاهية من العيش، إذ كان يعيش في قصر فرعون.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم