قصة النبي سليمان وملكة سبأ- ٤

السبت 16 مارس 2019 - 18:45 بتوقيت طهران

الحلقة 16

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا الله والصلاة والسلام علی مبلغ وحيه محمد وآله الهداة الميامين. 
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومرحباً بكم في لقاء آخر من برنامج القصص الحق، ايها الاحبه نحط رحالنا في هذه الحلقة من البرنامج عند تكملة قصة نبي الله «سُلَيْمَانُ» مع بلقيس ملكة سباء والتي تحدثت عنها سورة النمل من الاية ٤۱ حتی الاية ٤٤.
فنرجو متابعتكم للبرنامج الذي يشمل علی المحطات التالية: 
بداية نشنف الاسماع بتلاوة مرتلة لهذه الايات المباركة، ثم نقف عند معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت فيها، نستمع الی الحوار الذي اجری مع خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية بشأن القصة، ثم نقدم لكم محطة الحكاية ونستمع الی تفاصيلها، ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة من هدي الائمة (عليه السلام) ورواية مروية عن ائمة اهل البيت (عليه السلام) بشأن الحكاية، وختاماً مع عرض موجز للدروس والعبر التي جاءت في هذه الحكاية.

*******

نواجه في هذه الآيات مشهداً آخر، ممّا جرى بين سلمان وملكة سبأ فسُلَيْمَانُ النبي (عليه السلام) من أجل أن يختبر عقل ملكة سبأ ودرايتها، ويهىء الجوّ لإيمانها بالله، يأمر بتغير عرشها وبالرغم من أن المجيء بعرشها من سبأ الى الشام كان كافياً كي لا تعرف عرشها ببساطة ولكن مع ذلك فإنّ «سُلَيْمَانُ» أمر أن يوجدوا تغييرات فيه، من قبيل تبديل بعض علاماته، أو تغيير ألوانه ومواضع مجوهراته، بهذا الامر يبدأ هذا القسم من الايات لينتهي الی تسليم ملكة سباء وايمانها بالله تعالی. 

*******

من هدي الآيات

تقول الآية المباركة «قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا»: تنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف، وهناك تفسير ان لجملة«أَتَهْتَدِي» فقال بعضهم: المراد منها معرفة عَرْشَهَا. 
وقال الاخر المراد من هذه الجملة أنّها هل تَهْتَدِي إلى الله برؤية المعجزة، أو لا؟ 
وعلى أي حال، فإنّ ملكة سبأ أجابت جواباً دقيقاً و(قالت كأنّه هو) فلو قالت: يشبه، لأخطأت ولو قالت: هو نفسه، لخالفت الإحتياط، لأنّ مجيء عرشها إلى أرض «سُلَيْمَانُ» لم يكن مسألة ممكنة بالطرق الإعتيادية، إلاّ أن تكون معجزةً.
وقد جاء في التواريخ أن ملكة سبأ كانت قد أودعت عرشها الثمين في مكان محفوظ، وفي قصر مخصوص فيه غرفة عليها حرس كثير ومع كل ذلك فإنّ ملكة سبأ استطاعت أن تعرف عرشها رغم كل ما حصل له من تغييرات.
أجل، إنّها ودعت ماضيها برؤية هذه العلائم المنيرة، وخَطت نحو مرحلة جديدة من الحياة المملوءة بنور الإيمان واليقين.
وفي آخر آية من الآيات محل البحث في هذا اللقاء يجري الكلام عن مشهد آخر من هذه القصّة، وهو دخول ملكة سبأ قصر«سُلَيْمَانُ» الخاص.
وكان «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) قد أمر أن تصنع إحدى ساحات قصوره من قوارير، وأن يجري الماء من تحتها.
فلمّا وصلت مَلكة سبأ إلى ذلك المكان «قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ» فلما رأته ظنته نهراً جارياً فرفعت ثوبها لتمر وسط الماء وهي متعجبة عن سبب وجود هذا الماء الجاري، وكما يقول القرآن: «فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا».
ـ «صَّرْحَ» معناه الفضاء الواسع، وقد يأتي بمعنى البناء العالي والقصر، وفي الآية المشار إليها آنفاً معناه ساحة القصر أي فضاءه الواسع ظاهراً.
ـ «اللُجَّةً» في الاصل مأخوذة من اللجاج، ومعناه الشدّة، ثمّ أطلق على ذهاب الصوت وإيابه في الحنجرة تعبير «لُجَّةً»، أمّا الأمواج المتلاطمة في البحر فتسمى «لُجَّةً» وهي هنا في الآية بهذا المعنى الأخير.
إلاّ أنّ «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) التفت إليها وقال: «إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ». فلا حاجة الى الكشف عن ساقيك فلا يمس الماء قدميك «المُّمَرَّدٌ» معناه الصافي. و«قَوَارِيرَ» جمع قارورة وهي الزجاجة.
ولذلك حين رأت مَلكة سبأ هذا المشهد الرائع: «قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
فكانها تقول: قد كنت في ما مضى أسجد للشمس وأعبد الأصنام، وكنت غارقة في الزينة والتجميل، وكنت أتصور أنّي أعلى الناس في الدنيا.
أمّا الآن فإنّني أفهم أنّني ضعيفة جدّاً وهذه الزخارف والزبارج لا تروي ظمأ الإنسان ولا تبلّ غليل روحه. فأتيت اليك مسلمة يا ربي مع «سُلَيْمَانُ» نادمة عن سالف عمري، خاضعة لك. 
الطريف هنا أنّها تقول: أسلمت مع «سُلَيْمَانُ»، فتستعمل كلمة (مع) ليتجلّى أن الجميع إخوة في السبيل إلى الله! لا كما يعتاده الجبابرة إذ يتسلط بعضهم على رقاب بعض، وترى جماعة أسيرة في قبضة آخر فهنا لا يوجد غالب ومغلوب، بل الجميع ـ بعد قبول الحق ـ في صف واحد.

*******

اسئلة الخبير

اذ نقف بازاء تتمة حكاية نبي الله «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) مع ملكة سباء التي جاءت في سورة النمل، نستضيف في هذه المحطة من البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية في الحوزة العلمية من قم المقدسة ونكمل معه قصة النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام):
المحاور: فضيلة السيد ما هدف النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) من اختبار عقل ودراية ملكة سبأ وذكائها؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً سؤال مهم جداً في قصة «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) وملكة سبأ، اراد «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) وهو الحكيم ان يحقق اكبر نتائج بأقل خسائر، هذا هو الحكيم، التقى حكيمان في الحقيقة في قصة«سُلَيْمَانُ» وملكة سبأ، هي حكيمة كانت لأن الملأ لوحها لها بخيار المعركة «نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ، قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ»، انظر هنا هي لجأت الى خيار السلم وعدم الحرب، ثانياً حاولت اختبار قوة «سُلَيْمَانُ» وطبيعة هذه القوة هل هي قوة طبيعية ارضية كما هو شأن الملوك الارضيين او انها قوة سماوية يعني نبوية، انظر هي اختبرت وهو اختبر كذلك يعني «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) اختبر عقلها حينما قال «هَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ» هذا تعبير رائع عن حكمة ملكة سبأ، لم تنفي ولم تثبت، لم تقل انه هو، «هَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ» يعني هي شبهت ولم تنفي ولم تثبت وهذا طبعاً يعبر عن مدى عقلها الراحج، هذه المرأة التي كانت تحكم «إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ» ولهذا كانت الهدية، هي اختبرت «سُلَيْمَانُ» بالهدية و«سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) اختبرها واختبر عقلها ووجدها المرأة العاقلة التي حينما عرفت الحق اسلمت وخضعت للحق وهذا طبعاً الملك العادل، الملك الحكيم حينما يرى الحق يذعن للحق اما الملك الذي يركب رأسه حينما يرى الحق طبعاً هذا لا يمكن ان يتنازل عن كل هذا العرش «وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ» كما يصف الهدهد ومع ذلك حينما رأت بأن «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) ليس ملكاً عادياً كما هي تقول «إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً» طبعاً هؤلاء الملوك الارضيون ولكنها رأت«سُلَيْمَانُ» حينما قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ يعني حسبته لجة، «قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، سبحان الله في هذه القصة التقى حكيمان، عاقلان، «سُلَيْمَانُ» النبي (عليه السلام) وملكة سبأ تلك المرأة العاقلة الحكيمة التي بحيث آمنت مع «سُلَيْمَانُ» مع حفظ كل كيانها وعرشها ولو كانت امرأة اخرى او كان رجلاً آخر كما مزق كسرى مثلاً حينما بعث النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاب لكسرى، ماذا عمل كسرى؟ مزق رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، هنا يظهر الانسان الحكيم من الانسان غير الحكيم فحينما جاء المراسل وعاد الى الرسول وقال ماذا فعل كسرى برسالتي؟ 
قال مزقها فقال النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مزق كسرى ملكه او في رواية اخرى مزق الله ملكه فعلاً رجل قد يكون ليس حكيماً بينما هذه المرأة الحكيمة رغم انها كانت تعبد الشمس من دون الله ولكنها كانت تعيش الحكمة فأختارت افضل طريق بكامل عزها ودولتها.
المحاور: طيب فضيلة السيد لم بنى النبي «سُلَيْمَانُ» ذلك البناء الفائق والصرح الممرد والبساط الممهد، ألم يكن الانسب ان يكون كما هو المألوف يعني كسائر الانبياء؟
السيد عبد السلام زين العابدين: احسنت يعني هذا السؤال جميل جداً كذلك يعني القرآن الكريم اخ مصطفى يعني يطرح الانبياء بطرحين، الطرح المستضعف وطرح النبي كدولة يعني يريد ان يقول لنا القرآن الكريم ان الانبيائ ليسوا فقط يعيشون الاستضعاف، لا هناك انبياء قد حققوا دولة كبرى عظمى بحيث هذه الدولة تقيم العدل في المجتمع يعني لانفهم النبوة فقط دعوة مستضعفة ومطاردة يعني يطاردها الطغاة، تحت سياط الجلادين، النبوة صحيح تبدأ بدعوة ولكنها تنتهي بدولة ولهذا من مهمات الانبياء الاساسية هو تشكيل الدولة القوية القادرة المقتدرة، لايظن بعض الناس، مع الاسف يظن ان الدولة بعيدة عن النبوة بينما المرجع الشهيد محمد باقر الصدر في كتيباته "الاسلام يقود الحياة" يقول: )الدولة اسسها الله عزوجل على ايدي الانبياء)ولهذا كل الانبياء سعوا الى تكوين الدولة القادرة المقتدرة لأقامة العدل في الارض، هذه نعمة، نعمة القوة وضرورة تسخير هذه النعمة وهذه القوة في اقامة العدل في شرق الارض وغربها كما كان ذِي الْقَرْنَيْنِ، القرآن الكريم يطرح ذِي الْقَرْنَيْنِ بأنه ذلك الانسان«وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا» كما كان رسول الله (صلى الله عليه وأله) يعني عاش مرحلتين، مرحلة الدعوة المستضعفة في مكة ومرحلة الدولة المقتدرة في المدينة بعد الهجرة ولهذا نجد ان الدولة واقامة الدولة وانشاء الدولة هي مهمة نبوية كبرى ولهذا نحن ندعو وعلمنا ائمة اهل البيت ان ندعو يومياً ليلياً في شهر رمضان: «اللهم انا نرغب اليك في دولة كريمة» انظر الانسان له رغبات كثيرة، رغبات ان يتخرج من الجامعة، ان يتزوج، ان يكون له اطفال، هناك آلاف الرغبات الشخصية للانسان والمشروعة ولكن ادعية اهل البيت تعلمنا دعاءاً رائعاً يمتد امتداداً كبيراً يقول: «اللهم انا نرغب اليك في دولة كريمة تعز بها الاسلام واهله وتذل بها النفاق واهله وتجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك والقادة الى سبيلك» هذا القرآن اراد ان يركز في قضية داوود و«سُلَيْمَانُ»، اراد ان يطرح النبي صاحب الدولة القوية المقتدرة ليؤكد هذه الفكرة، فكرة سعي الانبياء لبناء الدولة القوية القادرة المقتدرة. 
ما هدف النبي «سُلَيْمَانُ»(عليه السلام) من اختبار عقل (ودراية) ملكة سبأ وذكائها؟ 
النبي «سُلَيْمَانُ» نبيّ كبير، فلم كان لديه هذا البناء الفائق والتزيّن الرائق والصَرْحٌ مُّمَرَّدٌ والبساط الممهّد الم يكن الأنسب أن يكون له بساط مألوف كسائر الأنبياء؟ 

*******

قصة النبي سُلَيْمَانُ وملكة سبأ

تأمل «سُلَيْمَانُ» عرش الملكة طويلاً ثم أمر بتغييره، أمر بإجراء بعض التعديلات عليه، ليمتحن بلقيس حين تأتي، ويرى هل تهتدي إلى عرشها أم تكون من الذين لا يهتدون. كما أمر «سُلَيْمَانُ» ببناء قصر يستقبل فيه بلقيس. واختار مكاناً رائعاً على البحر وأمر ببناء القصر بحيث يقع معظمه على مياه البحر، وأمر أن تصنع أرضية القصر من زجاج شديد الصلابة، وعظيم الشفافية في نفس الوقت، لكي يسير السائر في أرض القصر ويتأمل تحته الأسماك الملونة وهي تسبح، ويرى أعشاب البحر وهي تتحرك. تم بناء القصر، ومن فرط نقاء الزجاج الذي صنعت منه أرض حجراته، لم يكن يبدو أن هناك زجاجاً. تلاشت أرضية القصر في البحر وصارت ستاراً زجاجياً خفياً فوقه. 
اصطحب «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) بلقيس إلى العرش، نظرت إليه فرأته كعرشها تماماً وليس كعرشها تماماً، إذا كان عرشها فكيف سبقها في المجيء؟ وإذا لم يكن عرشها فكيف أمكن تقليده بهذه الدقة؟ 
قال «سُلَيْمَانُ» وهو يراها تتأمل العرش: «أَهَكَذَا عَرْشُكِ».
قالت بلقيس بعد حيرة قصيرة: «كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ». أدركت بلقيس أن هذا هو عرشها، لقد سبقها إلى المجيء، وأنكرت فيه أجزاء وهي لم تزل تقطع الطريق لسُلَيْمَانُ، أي قدرة يملكها هذا النبي الملك «سُلَيْمَانُ»؟! انبهرت بلقيس بما شاهدته من إيمان «سُلَيْمَانُ» وصلاته لله، مثلما انبهرت بما رأته من تقدمه في الصناعات والفنون والعلوم وأدهشها أكثر هذا الاتصال العميق بين إسلام «سُلَيْمَانُ» وعلمه وحكمته. 
انتهى الأمر واهتزت داخل عقلها آلاف الأشياء. رأت عقيدة قومها تتهاوى هنا أمام «سُلَيْمَانُ»، وأدركت أن الشمس التي يعبدها قومها ليست غير مخلوق خلقه الله تعالى وسخره لعباده، وانكسفت الشمس للمرة الأولى في قلبها، أضاء القلب نور جديد لا يغرب مثلما تغرب الشمس. ثم قيل لبلقيس ادخلي القصر. فلما نظرت لم تر الزجاج، ورأت المياه، وحسبت أنها ستخوض البحر، «وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا» حتى لا يبتل رداؤها. نبهها «سُلَيْمَانُ» قائلاً: «إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ»، إنه زجاج ناعم لا يظهر من فرط نعومته، اختارت بلقيس هذه اللحظة لإعلان إسلامها. اعترفت بظلمها لنفسها وأسلمت «مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». وتبعها قومها على الإسلام. فأدركت أنها تواجه أعظم ملوك الأرض، وأحد أنبياء الله الكرام. 

*******

من هدي الائمة (عليهم السَّلام)

في هذه المحطة من برنامج القصص الحق لدينا وقفة بأزاء رواية نقلت في بحار الانوار بشأن حكاية النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) نذكرها لكم:
سئل الامام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) عن «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) أكان محتاجاً الى علم آصف بن برخيا؟ فقال (عليه السلام) للراوي وهو يحيى بن اكثم اكتب يا اخي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سألت عن قول الله تعالى في كتابه: قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ فهو آصف بن برخيا ولم يعجز «سُلَيْمَانُ» عن معرفة ما عرفه آصف، لكنه أحبّ ان يعرف أمته من الانس والجن انه الحجة من بعده، وذلك من علم «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) أودعه آصف بأمر الله، ففهمه الله ذلك لئلا يختلف في امامته ودلالته، كما فهم «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) في حياة داوود (عليه السلام) ليتعرّف امامته ونبوته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق.

*******

دروس وعبر

ما ورد عن سيرة «سُلَيْمَانُ» وحالاته التي تحدثنا عنها في الحلقات الماضية، يكشف عن مسائل كثيرة، تناولنا قسماً منها في تلك الحلقات ونشير إلى القسم الآخر إشارة عابرة ضمن هذا اللقاء: 
• إنّ هذه القصّة تبدأ بالحديث عن موهبة (العلم الوافر) التي وهبها الله لسُلَيْمَانُ بن داود، وتنتهي بالتسليم لأمر الله، وذلك لان التوحيد أساسه العلم. 
• هذه القصّة تدل على أن غياب طائر أحياناً (في تحليقة استثنائية) قد يغير مسير تأريخ أُمّة، ويجرها من الفساد إلى الصلاح، ومن الشرك إلى الإيمان وهذا مثل عن بيان قدرة الله، ومثل من حكومة الحق.
• إنّ هذه القصّة تكشف عن أن نور التوحيد يمكن أن يشرق في جميع القلوب. 
• ينبغي من أجل لفت نظر الإنسان إلى القيمة الواقعية له وهدايته نحو الله، أن يُدمّر غروره وكبرياؤه أو لا ليُماط عن وجهه ستار الظلام، كما فعل «سُلَيْمَانُ»، فدمر غرور مَلكة سبأ وذلك بإحضار عرشها، وادخالها الصرح الممرد الذي حسبته لجة.
• إنّ الهدف النهائي في حكومة الأنبياء ليس التوسع في رقعة الأرض، بل الهدف هو ما قرآناه في آخر آية من الآيات التي تناولناها في هذا اللقاء، وهو أن يعترف الظالم بذنبه، وأن يسلم لربّ العالمين، ولذلك فإن القرآن ختم القصّة المذكورة بهذه النقطه هي إنّ روح الإيمان هي التسليم. 
• قد يكون بعض الناس مع ما لديه من قدرة عظيمة لا ترقى إليه قدرة الآخرين، محتاجاً إلى موجود ضعيف كالطائر مثلاً، لا إلى علمه فحسب، بل قد يستعين بعلمه أيضاً، وقد تحقـّره نملة بما هي عليه من ضعف.
• إنّ نزول هذه الآيات في مكة حيث كان المسلمون تحت نير العدو، وكانت الأبواب موصدة بوجوههم، هذا النّزول كان له مفهومه الخاص. وهو تقوية معنويات المسلمين وتسلية قلوبهم، واحياء أملهم بلطف الله ورحمته والإنتصارات المقبلة.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم