قصة اصحاب القرية

السبت 16 مارس 2019 - 17:03 بتوقيت طهران

الحلقة 8

الحمد لله رب العالمين الذي جعل كلامه بلسما وشفاء من كل داء ورحمة من كل بلاء ومخففا لكل عناء وفرحة لكل محزون وصلی الله علی حبيبه وحامل وحيه محمد وعترته الطاهرين.
يتجدد لقاءنا معكم ضمن حلقة اخری من برنامج القصص الحق اذ نتناول في هذه الحلقة من البرنامج حكاية اخری من حكايات القرآن الكريم الا وهي حكاية اصحاب القرية التي تحدثت عنها الايات ۱۳ حتی ۱۹ من سورة يس المباركة.
بدءاً تستمعون الی مقدمة عن اجواء الايات، بعد ذلك نتعرف معاً علی اهم مفرداتها والعبارات القرآنية التي وردت في الحكاية نتابع بعدما الحوار القرآني الذي اجری مع فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين بشأن هذه القصة القرآنية. لنا وقفة في تفاصيل الحكاية، ثم تستمعون الى رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآيات، واخيراَ نستخلص أهم الدروس المستفادة من هذه القصة القرآنية.

*******

المشهور بين المفسّرين أنّ المقصود من القرية المذكورة في الايات المشار اليها هي قرية «أنطاكية» إحدى مدن بلاد الشام وهي إحدى المدن الرومية المشهورة قديماً، كما أنّها اليوم ضمن منطقة نفوذ تركيا جغرافياً، وسنتعرض إلى تفصيل الحديث عنها في المحطات الآيتة إن شاء الله، والان لننصت خاشعين الی تلاوة بعض من هذه الايات المباركات. 
أنّ أهل تلك المدينة كانوا يعبدون الأصنام، وأنّ هؤلاء الرسل جاؤوا يدعونهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، وفيها مثل يحتوي على الانذار والتبشير ضرب الله سبحانه هذا المثل لعامة الناس ويشير فيه إلى الرسالة الالهية وما تستتبعه الدعوة الحقة من المغفرة والاجر الكريم لمن آمن بها واتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب، ومن العذاب الاليم لمن كفر وكذب بها فحق عليه القول، وفيها إشارة إلى وحدانيته تعالى ومعاد الناس إليه جميعاً. 
«وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلا» المثل هو حديث أو قصة تستخدم في الكلام لتقريب وتبسيط الفكرة حتی يتضح للمخاطب، بما ان قصة اصحاب القرية توضح ما تقدم في الايات السابقة من هذه القصة القرآنية بشان الوعد والوعيد أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يضربها مثلاً للناس. 
«إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ» مفردة فَعَزَّزْنَا مآخوذة من العزة بمعنى القوة والمنعة اي اننا أمددنا وقوّينا 
ويصبح مفهوم العبارة كالتالي اننا أرسلنا إليهم رسولين اثنين من رسلنا فكذبوهما أي الرسولين فقويناهما برسول ثالث. 
«فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ» يراد منها اننا رسل من جانب الله ارسلنا لندعوكم إلى توحيد الله وعبادته والسير على نهجه القويم وصراطه المستقيم. 
«قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا» انهم كانوا يرون أن البشر لا ينال النبوة والوحي، ويستدلون على ذلك بأنفسهم حيث كانوا لا يرون امكانية حصول ذلك في أنفسهم. 
«وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ» اي ان الله لم ينزل شيئاً مما تدّعونه من الوحي الذي تحملونه وتريدون أن تبلِّغونا إياه.
«إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ» يقصد من ذلك ان اهل القرية اتهموا الرسولين بمحاولة الحصول على مكانةٍ اجتماعيةٍ مميّزةٍ بينهم من خلال القداسة التي كانا يصفان بها موقعهما.
على كلّ حال، فإنّ هؤلاء الأنبياء لم ييأسوا جرّاء مخالفة هؤلاء القوم الضالّين ولم يضعفوا، وفي جوابهم «قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ» واكدوا قائلين ان مسؤوليتنا إبلاغ الرسالة الإلهية بشكل واضح وبيّن فحسب «وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ».
«قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ» بمعنی تشاءمنا بوجودكم بيننا.
«لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ».
«لَنَرْجُمَنَّكُمْ» اي نرميكم بالحجارة حتى ندميكم أو نقتلكم. 
«وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ» اي سنعذبكم بأساليب ووسائل أخرى مما يسبّب لكم الآلام الشديدة، ويعرّفكم نتائج مواجهتكم لمقدّسات الآخرين 
«قَالُوا طَائِرُكُمْ» ظاهر معناه أن الذي ينبغي أن تتشأموا به هو معكم وهو حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد ورغبتكم في الباطل الذي هو الشرك. 
لتفسيرعبارة «أَئِن ذُكِّرْتُم» ذهب جمع من المفسّرين إلى أنّها جملة مستقلّة وقالوا: إنّ معناها هو «هل أنّ الأنبياء إذا جاءوا وذكروكم وأنذروكم يكون جزاؤهم تهديدهم بالعذاب والعقوبة وتعتبرون وجودهم شؤماً عليكم؟ وما جلبوا لكم إلاّ النور والهداية والخير والبركة. فهل جواب مثل هذه الخدمة هو التهديد والكلام السيء؟!». 
وفي الختام قال الرسل لهؤلاء «بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ» اي إنّ مشكلتكم هي الإسراف والتجاوز، فإذا أنكرتم التوحيد وأشركتم فسبب ذلك هو الإسراف وتجاوز الحقّ، وإذا أصاب مجتمعكم المصير المشؤوم فبسبب ذلك الإسراف في المعاصي والتلوّث بالشهوات، وأخيراً ففي قبال الرغبة في العمل الصالح تهدّدون الهادفين إلى الخير بالموت، وهذا أيضاً بسبب التجاوز والإسراف. 

*******

اسئلة الخبير

ندعوكم الى استماع هذا الحوار القرآني مع السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية في الحوزة العلمية في شأن بعض التساؤلات حول الايات القرآنية لهذه الحلقة وهي حكاية اصحاب القرية في سورة ياسين المباركة:
المحاور: اهلاً ومرحباً بكم في هذه الفقرة من برنامج القصص الحق نستضيف خبير البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة، فضيلة السيد ونحن في قصة اصحاب القرية في عبارة «وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ» نجد ان الكفار يعبرون عن الله سبحانه وتعالى بالرحمن، ما سبب ذلك؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم سؤال جميل وقف عليه المفسرون طويلاً، «قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ» اما تكون كلمة الرحمن على الحكاية دون المحكي يعني ان الله عزوجل هو الذي عبر بكلمة الرحمن وهم قالوا الله او كلمة اخرى لكن الله عزوجل عبر بالرحمن او لا عن المحكي يعني هم الذين قالوا الرحمن والله عزوجل نقل ما حكوه، طبعاً التفسير يختلف اذا كان هم الذين قالوا يعني بالذات المحكي فيكون المعنى «وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ» يعني يروا ان الله رحمن والرحمن لا ينزل شيء يعنتنا ويصعب علينا تكاليف، الرحمن يتركنا وشأننا او لا اذا كان الله هو الرحمن لماذا ينزل على بشر لأن قالوا «مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ» يعني اذا كان الله رحمن لماذا يختار بعض البشر على بعض، الله اذا كان رحماناً فهو رحمن بالجميع وليس هنالك خصوصية لك يا رسول الله لأنك بشر لا تختلف عنا،«قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ» يعني الرحمن لا يفرق اذا كان هذا عن المحكي او مثلاً حتى عن المحكي«وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ» يعني بما ان الله رحمن فهو لا ينزل اشياء تلتبس علينا، تكون اشياء واضحة، يكون الرسول واضح، يبعث ملكاً، يبعث معجزة واضحة، مادية بأن نميز ان هذا رسول كما ذكر في القرآن الكريم «أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً» او «يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ» هذه طلبات فلو كان الله الرحمن لما بعثك بهذا الشكل، هذا اذا كان عن المحكي اما اذا كان عن الحكاية يعني الله عبر عن الرحمن فيها طبعاً تفاسير عديدة كذلك، «وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن» كأنما يجيبهم يبقول يعني كيف وما انزل الرحمن، الله ما دام رحمن فلابد ان ينزل، الرحمن ليس فقط يهدي، «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» الله عزوجل حينما يخلق يعطي البرنامج للهداية كما نقرأ في سورة الرحمن في ثنائية الخلق والهداية«الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ» يعني هنا خلق وهداية فقدم الرحمن هنا لأن الرحمن لايخلق فقط وانما يهدي وكأنه اذا كان عن الحكاية دون المحكي كما يعبر العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه يقول هذه الحكاية دون المحكي يعني الله كانه يجيبهم يعني كلامكم متناقض، انتم تقولون ان الله رحمن والرحمن ينزل الرسالات والهداية على الناس. 
المحاور: طيب فضيلة السيد تشير الروايات المروية في ظل هذه القصة القرآنية الى ايمان الملك واهل القرية ولن نجد اشارة الى هذا الامر في الايات القرآنية، هل هناك اشكالية في الروايات او سبب في عدم ذكر هذه القضية في الايات القرآنية؟
السيد عبد السلام زين العابدين: طبعاً انا راجعت الروايات، الروايات بعضها عن وهب بن منبه وتعلمون ان وهب بن منبه كذاب عند كل الفرقاء بحيث يأتي بالاسرائيليات الكثيرة هو وكعب الاحبار من جاءوا بالاسرائيليات التي غزت التفاسير مع الاسف الشديد ولهذا الشيخ الطوسي لم يذكر هذه الروايات، الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) سابقاً للعلامة الطبرسي صاحب مجمع البيان الفرق بينهم سبعين سنة تقريباً والشيخ لم يذكر هذه الروايات التي تقول بأنهم آمنوا، بأن الملك بعد ذلك آمن لماذا؟ يعني اذا نقرأ السياق نجد انهم لم يؤمنوا بل كفروا وقتلوا: «إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ، قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ»، بعد ذلك «قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ، وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ، وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»، القرآن يقول بعد ذلك «قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ»، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ يعني قتل، هذا الرجل الذي جاء، حبيب النجار ما تعبر عنه الروايات (رضوان الله عليه) قتل «بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ، إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ، يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ»، السياق صريح بأن هؤلاء لم يؤمنوا وبأنهم هلكوا بعذاب الاستئصال من الله عزوجل ولا توجد اشارة ولو بسيطة انهم آمنوا.

*******

قصة أصحاب القرية

بعث النبي عيسى (عليه السلام) رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية، وهي واحدة من أقدم مدن الشام التي بنيت - على حد قول البعض- بحدود ثلاثمائة سنة قبل الميلاد فلما قرباً من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو (حبيب) صاحب «يس» فسلما عليه. 
فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ 
قالا: رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن. 
فقال: أمعكما آية؟ 
قالا: نعم، نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. 
فقال الشيخ: إن عندي ابناً مريضاًَ لازم الفراش منذ سنين. 
قالا: فانطلق بنا إلي منزلك نتطلع حاله هو طريح الفراش فذهب بهما فمسحا أبنه فقام في الوقت بإذن الله صحيحاً، ففشا الخبر في المدينة وتوجّه الناس اليهم وشفى الله على يديهما كثيراً من المرضى في المدينة. 
وكان لهم ملك يعبد الأصنام فخرج ذات يوم فمر بهما فكبرا وذكرا الله فغضب الملك فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ 
قالا: رسولا عيسى، جئنا ندعوك من عبادة مالا يسمع ولا يبصر إلي عبادة من يسمع ويبصر. 
فقال الملك: ولنا اله سوى آلهتنا؟ 
قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك. 
قال: حتى أنظر في أمركما، فأخذهما الناس في السوق وضربوهما وأمر بحبسهما، وجلد كل واحد منهما مائة جلدة. 
فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى (شمعون صفا) رأس الحواريين على أثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلدة متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلي الملك فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم سمعون: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلي غير دينك فهل سمعت قولهما. 
قال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. 
فقال: لهما شمعون: من أرسلكما إلي هاهنا. 
قالا: الله الذي خلق كل شيء لا شريك له. 
قال: وما آيتكما. 
قالا: ما تتمناه. 
فأمر الملك أن يأتوا بغلام مطموس العينين وموضع عينه كالجبهة. فما يدعوان حتى انشق موضع البصر؟ وصارت له مقالتان يبصر بهما، فتعجب الملك. 
فقال شمعون للملك: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك ولإلهك شرف؟ 
فقال الملك: ليس لي عنك سر، إن إلهنا الذي نعبده لا يضر ولا ينفع. 
ثم قال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به وبكما. 
قالا: إلهنا قادر على كل شيء. 
وقد كان ابن الملك ميتا فدعو الله سبحانه وتعالی فأحياه الله. 
فقال الملك لابنه: يا بني ما حالك؟ 
قال: كنت ميتا فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله تعالى أن يحييني. 
قال: يا بني فتعرفهما إذا رأيتهما؟ 
قال: نعم.
فكان يمر عليه رجل بعد رجل فمر أحدهما بعد جمع كثير فقال: هذا أحدهما. 
ثم مر الاخر فعرفه وأشار بيده إليه فآمن الملك وأهل مملكته. 

*******

في رحاب اهل البيت (عليهم السلام)

روي عن الامام ابي جعفر الصادق (عليه السَّلام) في تفسير الآية «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ»، فقال: بعث الله رجلين الى اهل مدينة انطاكية فجاءاهم بما لا يعرفونه فغلظوا عليهما فأخذوهما وحبسوهما في بيت الأصنام.
فبعث الله الثالث فدخل المدينة، فقال: أرسلوني الى باب الملك. 
فلّما وقف على باب الملك، قال: أنا رجل كنت أتعبّد في فلاة من الارض وقد أحببت ان اعبد إله الملك.
فأبلغوا كلامه الملك، فقال: أدخلوه الى بيت الآلهة، فأدخلوه فمكث سنة مع صاحبيه.
فقال لهما: بهذا ننقل قوماً من دين الى دين لا بالخرق أفلا رفقتما؟ 
ثم قال لهما: لا تقرّا بمعرفتي، ثم أدخل على الملك. 
فقال له الملك: بلغني أنك كنت تعبد إلهي فلم أزل وانت أخي. 
فسلني حاجتك، قال: مالي حاجة ايها الملك، ولكنّ رجلين رأيتهما في بيت الالهة فما حالهما؟
قال الملك: هذان رجلان أتياني يضلان عن ديني ويدعوان الى إله سماوي، فقال: ايها الملك فمناظرة جميلة، فان يكن الحقّ لهما اتبعناهما وإن يكن الحق لنا دخلا معنا في ديننا، فكان لهما حالنا وعليهما ما علينا. 
اجل، ثم تذكر هذه الرواية موافقة الملك على المناظرة التي جرت بين الملك والرسولين وبعد ان شهد الملك ما شهد من الكرامات والمعاجز من شفاء المرضى وإحياء الموتي على يد الرسولين قال الملك في النهاية: وانا ايضاً آمنت بإلهكما. وآمن أهل مملكته كلّهم.
وقد وردت هذه الرواية بالتفصيل في كتاب بحار الانوار المجلد السادس في قسم كتاب النبوة.

*******

دروس وعبر

نلاحظ من خلال هذه الحكاية، روح القوّة في شخصية الرسل الذين لم يشعروا بالضعف عندما شعروا بقلة عددهم أمام الجماهير الكبيرة التي يمثلها هؤلاء الطغاة المترفون من وجهاء الناس وقادتهم، فقوتهم مستمدة من إيمانهم وعلاقتهم بربهم وشعورهم بأن هؤلاء لا يتحركون فعلياً من مواقع قوّة، بل من مواقع ضعفٍ، وسبب ضعفهم يعود إلى تخوفهم من أن تقتنع الجماهير الطيبة البسيطة بالحقيقة من أقرب طريق، بعيداً عن كل عوامل التعقيد والتكلف.
ولهذا فإنهم لا يريدون للدعاة أن يذكّروا لأنهم يخافون على الناس أن يتذكروا، بل ربما تصل المسألة إلى المستوى الأخطر عندما يشعرون باهتزاز قناعاتهم في داخل أنفسهم من خلال ما يسمعونه من كلمات الحق، ولهذا فإنهم يريدون تفادي سقوطهم أمام أنفسهم التي قد تستجيب للرسل من حيث لا يشعرون.
وهذا ما ينبغي للدعاة أن يستوحوه من هذه القصة ـ الموقف، ليدرسوا في كل ساحات الصراع التي تخوضها حركة الدعوة، نقاط الضعف البارزة والخفية لدى القوى المضادة كما يدرسون نقاط القوّة الكامنة في داخل أنفسهم، وفي مواقعهم الفكرية والعملية، ليتوازن عندهم الموقف، ما يسهِّل اندفاعهم بقوّة في خط المواجهة بالكلمة القوية والأسلوب الحاسم، والفكرة الفاعلة الثابتة، وليس غير هذا السبيل يوصل إلى عملية صنع القوة.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم