وتقول القوات المسلحة الإيرانية إن هذه الصواريخ دخلت مراحل مختلفة من الاختبار والتشغيل، وإن نماذج منها استُخدمت في عمليات بحرية وعسكرية حديثة، بما في ذلك استهداف مجموعات قطع بحرية أمريكية، وفقاً لبيانات رسمية إيرانية لم تتضمن جميعها أدلة مستقلة على نتائج تلك العمليات.
ويعكس هذا التطور تحولاً في القدرات الدفاعية الايرانية، من شراء الصواريخ الأجنبية إلى تطويرها وإنتاجها محلياً، بالتوازي مع توسيع مداها وتحسين أنظمة توجيهها وتعدد المهام التي صُممت لتنفيذها.
من الاستيراد إلى التصنيع المحلي
قبل الثورة الإسلامية، اعتمدت إيران على استيراد الصواريخ المضادة للسفن، وكان صاروخ «هاربون» الأمريكي من بين الأسلحة التي اقتنتها آنذاك. ووفقاً لمجلة «بروسيدينغز» المتخصصة، بلغ المدى الأقصى المعلن للنسخة الأولى من الصاروخ نحو 111 كيلومتراً، مع إدراج إيران ضمن الدول التي حصلت عليه.
وبعد الثورة، اتجهت الصناعات الدفاعية الإيرانية تدريجياً إلى تطوير منظومات صاروخية محلية، وصولاً إلى إنتاج عائلات متعددة من صواريخ كروز البحرية، إلى جانب صواريخ أخرى مخصصة لمهاجمة الأهداف البرية.
وشملت هذه المسيرة إنشاء خطوط إنتاج، وتسليم صواريخ إلى القوات البحرية التابعة للجيش والحرس الثوري، وإجراء اختبارات خلال المناورات، فضلاً عن الإعلان عن استخدام بعض المنظومات في عمليات عسكرية.
«نور» و«قادر» و«قدير» .. تطور متدرج في المدى
شكّل صاروخ «نور» إحدى المحطات الأولى في مسار تطوير صواريخ كروز البحرية الإيرانية، إذ بدأ التعريف العلني به خلال مناورات «الوحدة 79» عام 1379 بالتقويم الإيراني، بمدى معلن يقارب 120 كيلومتراً.
وتواصل التطوير مع صاروخ «قادر»، الذي يبلغ مداه المعلن نحو 200 كيلومتر، ثم صاروخ «قدير» الذي يصل مداه، وفقاً للمواصفات الإيرانية، إلى نحو 300 كيلومتر.
وفي السادس من مهر 1390، افتُتح خط إنتاج صاروخ «قادر» بحضور وزير الدفاع الإيراني آنذاك أحمد وحيدي، وأُعلن تسليم كميات منه إلى القوات البحرية التابعة للجيش والحرس الثوري.
كما أعلنت القوات المسلحة، خلال مناورات «ذو الفقار 99»، إطلاق الصاروخ من منظومة ساحلية باتجاه هدف بحري على مسافة تجاوزت 200 كيلومتر، في إطار اختبار قدراته ضمن بيئة تدريبية.
أما صاروخ «قدير»، فقد سُلّمت دفعات منه إلى القوات البحرية للجيش في ديسمبر/كانون الأول 2015، وفقاً للإعلانات الإيرانية. ويُعد توسيع المدى وتعدد منصات الإطلاق من أبرز السمات التي تركز عليها طهران في تطوير هذه العائلة الصاروخية.
«نصير» .. تعزيز تسليح القطع البحرية
كشفت إيران عن صاروخ كروز المضاد للسفن «نصير» في أبريل/نيسان 2017، معلنةً خططاً لتزويد القوات البحرية بكميات منه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، ظهر الصاروخ ضمن مراسم إلحاق معدات جديدة بأسطول الجنوب والمنطقة البحرية الثالثة «النبوة» التابعة للجيش الإيراني. وأعلن قائد القوات البحرية آنذاك شهرام إيراني أن مدى الصاروخ يتجاوز 100 كيلومتر، مشيراً إلى تجهيز سفن من فئات مختلفة به.
ويأتي تطوير «نصير» ضمن مساعي إيران إلى تنويع الأسلحة المتاحة للقطع البحرية، وتوفير منظومات تتناسب مع اختلاف مهام السفن وقدراتها العملياتية.
«أبو مهدي» و«طلائية» .. مدى يتجاوز ألف كيلومتر
في أغسطس/آب 2020، كشفت إيران عن صاروخ كروز البحري «أبو مهدي»، خلال مراسم عرض إنجازات وزارة الدفاع. وأُعلن لاحقاً، في يوليو/تموز 2023، تسليم الصاروخ إلى القوات البحرية التابعة للجيش وحرس الثورة.
وبحسب المواصفات الإيرانية، يتجاوز مدى «أبو مهدي» ألف كيلومتر، وقد صُمم لمواجهة الأهداف البحرية المتحركة، مع الإعلان عن امتلاكه أنظمة ملاحة وتوجيه متقدمة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، كشفت إيران أيضاً عن منظومة «طلائية»، وأعلن قائد القوات البحرية للجيش أن مداها يتجاوز ألف كيلومتر، مشيراً إلى قدرتها على تغيير المسار والتعامل مع أهداف جديدة أثناء التحليق، وفقاً للخصائص التي عرضتها الجهات العسكرية الإيرانية.
ويشير الإعلان عن هذين الصاروخين إلى انتقال البرنامج الإيراني، وفقاً للبيانات الرسمية، نحو منظومات بحرية بعيدة المدى، مع التركيز على تحسين التوجيه وتوسيع نطاق الوصول إلى الأهداف.
«قدر 380» .. مواصلة تطوير القدرات البحرية
في فبراير/شباط 2025، كشفت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري عن صاروخ كروز البحري «قدر 380»، معلنةً أن مداه يتجاوز ألف كيلومتر.
ووفقاً للتصريحات الإيرانية، تشمل خصائص الصاروخ قدرات على تغيير اتجاه التحليق وارتفاعه، ومقاومة التشويش، ومواصلة التوجيه حتى بلوغ الهدف.
وتؤكد هذه المواصفات، بحسب الرواية الإيرانية، استمرار العمل على تطوير صواريخ كروز البحرية، ليس من حيث المدى فحسب، بل أيضاً من حيث أنظمة الملاحة والتوجيه والقدرة على العمل في بيئات تتعرض للتشويش الإلكتروني.
وفي سياق العمليات العسكرية، أعلنت جهات إيرانية استهداف مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» بصواريخ كروز من طراز «قدير» و«قدر 380» خلال عمليات حديثة. غير أن تقييم نتائج هذه الهجمات، بما في ذلك وقوع إصابات مباشرة أو حجم الأضرار، يتطلب الاستناد إلى أدلة مستقلة ومعلومات إضافية، ولا يكفي فيه الإعلان الرسمي وحده.
«باوه» .. صواريخ كروز مخصصة للأهداف البرية
إلى جانب الصواريخ البحرية، طورت إيران صاروخ «باوه»، الذي ينتمي إلى فئة صواريخ كروز المخصصة لمهاجمة الأهداف البرية.
وفي فبراير/شباط 2023، أعلن قائد القوات الجوية والفضائية في الحرس الثوري آنذاك أمير علي حاجي زاده دخول الصاروخ الخدمة، مشيراً إلى أن مداه يبلغ نحو 1650 كيلومتراً.
كما نشرت وسائل إعلام إيرانية صوراً قالت إنها توثق إطلاق «باوه» خلال عملية «نصر 2»، إلى جانب صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه قواعد أمريكية. ولم تتضمن التقارير المتداولة تحديداً دقيقاً للهدف الذي خُصص له كل سلاح أو توثيقاً مستقلاً لنتائج إصاباته.
ويعكس تطوير «باوه» اتساع برنامج صواريخ كروز الإيراني ليشمل أهدافاً برية وبحرية، مع اختلاف طبيعة المهام والمنظومات المستخدمة في كل مجال.
الإنتاج المحلي .. ركيزة الاستدامة الدفاعية
تكشف مراجعة مسار الصواريخ الإيرانية عن تحول من الاعتماد على الاستيراد إلى بناء قدرات محلية تشمل التصميم والإنتاج والاختبار والتطوير.
فصواريخ «نور» و«قادر» و«قدير» و«نصير» تمثل مراحل مختلفة من تطوير منظومات كروز البحرية، فيما تعكس صواريخ «أبو مهدي» و«طلائية» و«قدر 380» التوجه نحو زيادة المدى وتحسين قدرات التوجيه. أما «باوه»، فيمثل جانباً من برنامج صواريخ كروز المخصصة للأهداف البرية.
وتؤكد طهران أن الإنتاج المحلي يمنح قواتها المسلحة قدرة أكبر على تلبية احتياجاتها وتحديث منظوماتها، في حين يظل التقييم الدقيق للمدى الفعلي والفاعلية القتالية لهذه الصواريخ مرتبطاً بالبيانات الفنية القابلة للتحقق والأدلة المستقلة على أدائها في الميدان.
وبذلك، لا يقتصر التحول الذي تسعى إيران إلى إبرازه على زيادة مدى الصواريخ، بل يشمل أيضاً بناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على مواصلة الإنتاج والتطوير، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز قدراتها البحرية وتوسيع خياراتها العسكرية.