البث المباشر

رواية الحق.. من البدء إلى اليوم (8)

الخميس 17 سبتمبر 2026 - 11:46 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثامنة- نتناول في هذه الحلقة لحظة هدوء صفارات الإنذار إلى إعادة رسم خريطة القوى في غرب آسيا وخارجه.

لم تنتهِ الحرب التي فرضتها إسرائيل لمدة اثني عشر يومًا بوقف إطلاق النار، بل انتهت ببداية فصل جديد؛ فصل انهارت فيه أسطورة "الردع الإسرائيلي"، وأُعيد فيه تعريف مكانة إيران في المعادلة الإقليمية، وامتد انتصار الحق على الباطل من ساحة المعركة إلى العقول والسياسات.

هذه الحلقة هي روايةٌ لتلك اللحظة الحاسمة؛ من لحظة هدوء صفارات الإنذار إلى إعادة رسم خريطة القوى في غرب آسيا وخارجه.

في تاريخ الأمم، ثمة لحظاتٌ تتجاوز دلالاتها حدود المعركة أو معاهدة السلام. لحظاتٌ، كشروق الشمس، لا تُبشّر بنهاية الظلام فحسب، بل ببداية فصل جديد أيضًا. الحرب التي فرضها الكيان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بلغت هذه النقطة أيضًا؛ حيث خفت ضجيج صفارات الإنذار، وحلّت محلها أصوات الترانيم والتكبيرات ودموع الفرح.

لم يكن هذا النصر الإنجاز الوحيد للجيوش؛ كان ذلك ثمرة سنوات من الصبر والمثابرة والإيمان لأناسٍ صمدوا في وجه العواصف حتى لامست أمواج السلام شواطئ الأمن و الأمان. أطلق الإعلام والمحللون والسياسيون في العالم على هذا الحدث أسماءً مختلفة: "زلزال جيوسياسي"، "نهاية أسطورة المنعة"، "عودة محور المقاومة". لكن بالنسبة لمن عايشوا هذا الحدث، فإن لهذا اليوم معنى واحدا فقط: انتصار النور على الظلام، وانتصار الحق على الباطل.

هذه الحلقة رحلة من اللحظات الأولى للنصر إلى انعكاساته في المدن والعواصم البعيدة؛ من تحليل هزيمة كيان كان يعتبر نفسه القوة المطلقة في المنطقة، إلى رسم خريطة جديدة لموازين القوى في العالم.

انضموا إلينا لإزاحة الستار عن هذا النصر، ونرى كيف استطاعت إيران في يوم من الأيام أن تعيد كتابة مستقبل المنطقة بأكملها، وربما مستقبل العالم بأسره.

منذ اللحظات الأولى لوقف إطلاق النار، بدت علامات النصر واضحة على وجوه الناس وفي نبرة الأخبار. المدن التي اهتزت لأيام بأصوات صفارات الإنذار المتواصلة تنفست الصعداء مع نسمات الصباح العليلة. أما على الجانب الآخر من الحدود، فقد كان القادة العسكريون ومحللو الاستخبارات في حالة ذهول تام.

لم يتوقع كيان الاحتلال، ولا حتى حلفاؤه من القوى الكبرى، أن تمتلك إيران هذا الكم الهائل من القدرات الصاروخية؛ قدرة فاقت كل التوقعات، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث الدقة والتنوع والاختراق.

صُممت الهجمات الإيرانية لاستهداف طبقات متعددة من الدفاعات الإسرائيلية في آن واحد. دمرت الموجة الأولى أنظمة الرادار، واجتاحتها الموجة الثانية، أما الموجة الثالثة، التي اخترقت الثغرات، فوصلت إلى قلب المراكز الحيوية.

كان كل صاروخ جزءًا من خطة أوسع، نُفذت بتنسيق دقيق بين القوات الصاروخية والطائرات المسيرة والقوات السيبرانية. كانت النتيجة أن الكيان ، الذي لطالما اعتبر نفسه منيعا بالاعتماد على "القبة الحديدية" وأنظمة دفاعاته متعددة الطبقات، رأى بأم عينيه أن دروعه لم تصمد سوى ساعات قليلة أمام هجوم منسق ومتواصل.

لم يكن هذا النصر مجرد نجاح عسكري، بل كان استعراضًا للقوة استثمرت فيه إيران لعقود. تجاوزت رسالته الحدود الجغرافية ووصلت إلى صميم مراكز صنع القرار في واشنطن وبروكسل.

انتشرت صور الصواريخ التي بُثت وهي تصيب مراكز حساسة في تل أبيب مباشرة في جميع أنحاء العالم كزلزال إخباري. وجد الرأي العام في مختلف البلدان بأم أعينهم أن التفوق العسكري الإسرائيلي، الذي رُوِّج له كحقيقة مطلقة لسنوات، قد ينهار في غضون أيام.

على الصعيد النفسي، ربما كانت هذه الضربة أشد وطأة من الضربة التي تلقتها في ساحة المعركة. كانت فكرة المناعة الاسرائيلية الركيزة الأساسية لسياسات الردع في أذهان الكثيرين في المنطقة، بل وحتى في الأدبيات السياسية الغربية. والآن، انهارت هذه الركيزة. في هذه الحرب، لم تبرز إيران كدولة قادرة على الدفاع عن نفسها فحسب، بل كقوة مؤثرة وحاسمة قادرة على أخذ زمام المبادرة وإعادة صياغة قواعد اللعبة.

لم يُظهر شيءٌ أكثر من هذه الحرب أن السلطة يمكن أن تنشأ في آنٍ واحد من الاستعداد العسكري، والتماسك الداخلي، والاستخدام الذكي للإعلام. فمن خلال السيطرة على الخطاب العام بالتوازي مع السيطرة على أرض المعركة، نجحت إيران في توجيه رسالة واضحة لأعدائها:

"لكل عدوان ردٌّ لا يقتصر على الأرض فحسب، بل يمتد إلى العقول والقلوب". أصبح انتصار هذه الحرب حلقةً جديدة في سلسلة تاريخ المقاومة والنضال من أجل الحق والباطل، حلقةً فسّرتها دولٌ عديدة في المنطقة كخارطة طريق لتجاوز الهيمنة وتحقيق الاستقلال.

وكموجة عاتية، لم يهز انتصار إيران الحدود الجغرافية لغرب آسيا فحسب، بل غيّر أيضًا موازين القوى الخفية في جميع أنحاء العالم. في المنطقة، وجدت الحكومات التي كانت تعمل لسنوات في ظل توازن مصطنع بين واشنطن وتل أبيب نفسها فجأةً أمام واقع جديد.

انهارت أسطورة التفوق العسكري للكيان الصهيوني، ما يعني أن أي التزام أمني قائم على الردع الإسرائيلي لم يعد يحمل المعنى نفسه. واضطرت بعض الحكومات العربية التي كانت تروج للتطبيع كوسيلة لضمان الأمن إلى إعادة النظر في لهجتها وسياساتها، إذ بات الرأي العام في المنطقة يعتقد بوضوح أن الاعتماد على الكيان الإسرائيلي لا يحقق الأمن فحسب، بل قد يعرضه للخطر.

وعلى الصعيد العالمي، سرعان ما أصبح هذا الانتصار مادة أساسية للتحليلات الجيوسياسية. ووصفه خبراء ومراكز أبحاث غربية بأنه "زلزال في بنية الأمن في غرب آسيا"؛ زلزال امتدت شقوقه من الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط. ونظر الجنوب العالمي - من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا - إلى هذا التطور بحماس واضح كمثال على صعود دول خارج الكتلة الغربية.

وامتلأت شوارع بعض العواصم، من إسطنبول إلى كاراكاس، بصور وأعلام المقاومة، ورأت وسائل الإعلام في العالم الثالث في هذا الانتصار دليلاً على إمكانية تغيير موازين القوى العالمية.

في مجال العلاقات الدولية، تعمقت الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة. ففي واشنطن، اشتدت النقاشات حول التكاليف الباهظة لدعم الكيان ، ودعت مجموعة من المشرعين إلى إعادة نظر جدية في سياسات غرب آسيا.

وفي أوروبا، وصل بعض المسؤولين إلى أن الاستمرار في التعامل مع محور المقاومة ليس مكلفًا فحسب، بل يُفقده شرعيته في نظر الرأي العام الأوروبي. حتى في مجلس الأمن، عادت مصطلحات مثل "حق العودة" و"المقاومة"، التي كانت محظورة لسنوات، إلى الظهور في الخطابات الرسمية.

كان الأثر الأهم لانتصار إيران في حرب الأيام الاثني عشر راسخًا في العقول والقلوب. فقد بات أمام الأمم التي عاشت يائسة لسنوات تحت وطأة ضغوط قوى خارجية، نموذجٌ موضوعيٌّ يُظهر أن الإرادة السياسية والاستقلال التكنولوجي والدعم الشعبي كفيل بإسقاط مشاريع الهيمنة التي استمرت لعقود في غضون أيام. هذا هو التغيير الذي سيؤثر على معادلات العالم المستقبلية أكثر من أي خطوط على الخريطة.

كان هذا الانتصار بمثابة تحطيم سدٍّ ضخمٍ قديم، سدٍّ حجب لعقودٍ من العقليات والمعادلات العالمية، ووجّه مسار القوة لصالح الغرب وحلفائه. لم يكن انهيار أسطورة حصانة الكيان الصهيوني مجرد ضربةٍ لفاعلٍ إقليمي، بل كان بمثابة كسرٍ للقفل الجيوسياسي في غرب اسيا ، ذلك القفل الذي ألقى بظلاله على أمن المنطقة وسياستها منذ حرب الأيام الستة وحتى اليوم.

على المستوى الدولي ، باتت الدول التي اضطرت لسنوات طويلة للعمل تحت مظلة الأمن الأمريكي والإسرائيلي، تنظر الآن إلى الخريطة الإقليمية بنظرة جديدة. هذا التحول في الموقف هو لطالما تخشاه واشنطن: ظهور نموذج مقاومة ناجح، يعتمد على التكنولوجيا المحلية والتماسك الاجتماعي وبناء التحالفات خارج النظام المهيمن، قادر على إلحاق هزيمة استراتيجية بحليف أمريكي. وقد وفر هذا النموذج نفسه وسيلة ردع جديدة للدول التي كانت تعتقد سابقًا أن السبيل الوحيد للبقاء هو الاستسلام للضغوط السياسية والعسكرية للقوى العظمى.

في الولايات المتحدة، كانت العواقب مباشرة ومؤلمة. فقد وجدت مراكز الأبحاث ولجان الأمن القومي نفسها فجأة أمام تساؤلات جوهرية: إذا كانت إسرائيل، بأسلحتها وأنظمة دفاعها الأكثر تطورًا ودعمها الشامل من واشنطن، عاجزة عن إيقاف إيران، فإلى أي مدى يمكن لحلفاء أمريكا الإقليميين الآخرين الاعتماد على هذه المظلة الأمنية؟ أسواق الأسلحة التي بُنيت على سنوات من الترويج للتكنولوجيا الإسرائيلية باعتبارها "مُجرّبة وموثوقة" باتت الآن تهتز تحت وطأة شكوك جديدة.

ولم تكن أوروبا بمنأى عن ذلك أيضًا. في بروكسل، أقرّ بعض قادة الاتحاد الأوروبي سرًا بأنّ الاستمرار في اتباع السياسات الأمريكية في غرب اسيا دون نقاش لا يُضرّ بأمن أوروبا فحسب، بل قد يُلحق الضرر أيضًا بمصالحهم الاقتصادية والطاقية. ورغم أنّ هذه التلميحات لم تُترجم بعد إلى قرارات رسمية، إلا أنها تُعتبر في السياسة الأوروبية بمثابة تصدّعات خفية في جدار الوحدة الغربية، تصدّعات عمّقها انتصار إيران.

لكن في الجنوب العالمي، اتخذ الانتصار بُعدًا مُلهمًا. ففي الأوساط السياسية والأكاديمية من بوغوتا إلى جاكرتا، لم يُصاغ تحليل الحرب من منظور هزيمة كيان الاحتلال، بل باعتباره "دليلًا على إمكانية تغيير النظام العالمي".

بالنسبة للعديد من هذه الدول، كانت إيران مثالًا ملموسًا على فاعلٍ، دون أن يكون عضوًا في هياكل القوى المهيمنة، استطاع كسر قواعد اللعبة من خلال إدارة موارده بعناية، وتحسين قدراته الردعية وتماسكه الداخلي باستمرار.

وربما كانت التداعيات النفسية لهذا الانتصار أقوى من آثاره العسكرية أو السياسية. الدول التي اعتقدت لسنوات أن النظام العالمي هيكلٌ حديدي لا يتزعزع ولا يتغير، رأت بأم عينيها أن هذا الهيكل قابلٌ للانهيار. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ميزان القوى محصوراً في العواصم الكبرى فحسب، بل أصبح الرأي العام والحركات الشعبية عنصراً فاعلاً في المعادلة.

يمثل هذا التطور تحذيراً استراتيجياً للغرب، ولا سيما الولايات المتحدة: فإذا لم يستطع إعادة بناء روايته واستعادة ثقة حلفائه، فقد يكون هذا الانتصار الإيراني بمثابة الحلقة الأولى في سلسلةٍ، كقطع الدومينو، ستُعيد تشكيل ميزان القوى من غرب اسيا إلى مناطق أخرى من العالم.

مع انتهاء وقف إطلاق النار، خيّم صمتٌ وجيز على المنطقة، كأنفاسٍ عميقة قبل بدء فصلٍ جديد. لكن هذا الصمت لم يكن صمت سلام، بل كان صمتًا يُمكن فيه سماع صوت تقليب الخرائط وتصفح دفاتر السياسات.

في العواصم العربية، امتلأت غرف الاجتماعات المغلقة بسؤال: "ماذا نفعل الآن؟" الحكومات التي بُنيت اتفاقياتها الأمنية على ركيزة الردع الإسرائيلي حتى الأمس، بات عليها الآن البحث عن ركائز جديدة. بعض تلك الحكومات قامت بتغيير لغة بياناته ببطء ؛ فقد أدرجت كلماتٌ كانت محظورة سابقًا، مثل "حق العودة" و"تحرير القدس" وحتى "شرعية المقاومة"، أُدرجت مجددًا في نصوصها الرسمية.

في طهران، لم يكن النصر يعني الجمود، بل فتح نافذة لاتفاقيات جديدة وتعزيز الشبكات الإقليمية. دخلت العلاقات مع بعض الدول المجاورة والإقليمية مرحلةً أكثر فاعلية، والمحادثات التي كانت تُجرى سابقًا بحذرٍ وسرية، أصبحت الآن أكثر انفتاحًا وسرعة.

على الصعيد الدولي، شهد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تحولاً غير مسبوق في لهجته. حتى بعض الدول التي كانت تصوّت تلقائياً مع الولايات المتحدة وكيان الاحتلال لسنوات، أصبحت الآن أكثر توحداً في إدانة الحرب والمطالبة بإنهاء الحصار. ورغم أن هذه التغييرات لم تظهر في شكل قرار فوري، إلا أنها تركت بصمتها في أوساط جماعات الضغط والمحادثات غير الرسمية.

في واشنطن، اشتدت حدة النقاشات بين مختلف أجهزة الدولة؛ إذ دعا تيار إلى استعادة ثقة الكيان سريعاً واستمرار وجوده الفعال في غرب اسيا ، بينما رأى تيار آخر أنه بدلاً من ترسيخ الوضع الراهن، ينبغي السعي إلى إعادة تعريفه استناداً إلى وقائع جديدة؛ وقائع جعلت قوة إيران وتماسك محور المقاومة أمراً لا جدال فيه.

واجهت أوروبا معضلة مماثلة: فمن جهة، ضغوط من جماعات الضغط المؤيدة للكيان الصهيوني للحفاظ على بيانات الدعم، ومن جهة أخرى، موجة من الرأي العام سئمت من التكاليف السياسية والاقتصادية لهذا الدعم.

أضافت بعض الحكومات الأوروبية بهدوء مستشارين جددا إلى فرق سياستها الخارجية، ممن يتمتعون بخبرة في فهم أفضل للمقاومين والمسارات الدبلوماسية البديلة.

وفي فلسطين نفسها، أصبح النصر قوة دافعة سياسية. توحدت الجماعات والتيارات التي كانت على خلاف لسنوات حول التكتيكات والاستراتيجيات، ولو لفترة وجيزة، ضد رمز هزيمة كيان الاحتلال . هذه الوحدة، وإن كانت مؤقتة، وجهت رسالة واضحة للعالم الخارجي مفادها: "لن يكون المشهد الفلسطيني بعد الحرب مسرحًا للدعم المطلق للعدو".

بعد الحرب، بدأت التغيرات في السياسة الإقليمية والعالمية تنتشر في كل مكان، كأمواج تنطلق من مركز الزلزال. لم يستطع أي من اللاعبين الرئيسيين، سواء في غرب اسيا أو في عواصم القوى العالمية، أن يتجاهل الواقع الجديد: لم يعد التوازن القديم قائمًا.

على الصعيد الإقليمي، أضافت دول الخليج الفارسي، التي كانت حتى الأمس القريب تخطط لمسارها بناءً على الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة والثقة في الردع الإسرائيلي، متغيرًا جديدًا إلى حساباتها يُسمى "قوة الرد الإيراني". بدأت محادثات سرية لمراجعة المعاهدات الأمنية؛ واتجهت بعض الحكومات نحو سياسة "التعددية الإقليمية" للحد من الاعتماد الأحادي على الغرب، بينما خففت حكومات أخرى من لهجتها الإعلامية وسياستها الدبلوماسية لاحتواء الضغط الشعبي.

على الصعيد العالمي، واجهت الولايات المتحدة حقيقة حاولت تأجيلها لسنوات: تراجع قدرة حليفها الرئيسي على الردع. أثارت هذه القضية نقاشات حادة في الكونغرس وفي الأوساط العسكرية والأمنية.

وقدّمت توجهات جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية خططًا لتقليص الالتزامات العسكرية المباشرة في غرب اسيا والتركيز على احتواء الصين وروسيا. في الوقت نفسه، شدد الجانب المعارض على ضرورة وجود عسكري أكثر بروزًا لمنع توسع النفوذ الإيراني ومحور المقاومة.

كما أظهرت أوروبا بوادر تغيير في مسارها وسط هذا الزلزال الجيوسياسي. لم يعد يُنظر إلى غرب اسيا من منظور مصالح الطاقة والهجرة فقط؛ بل أصبح مسألة "الحفاظ على التوازن" بين الفصائل المتنافسة.

وفي أماكن أخرى من العالم، اعتبر هذا الانتصار كدليل على إمكانية التغلب على الهيمنة الغربية. فقد سعت الحكومات الأفريقية وحكومات أمريكا اللاتينية، الساعية إلى مزيد من الاستقلالية في سياساتها الخارجية، إلى اعتبار إيران مثالاً ناجحاً يُحتذى به. وكانت التحالفات الناشئة في المحافل الدولية، بما فيها منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس، أكثر حماساً لضم أعضاء جدد وبناء نظام بديل.

وبهذا الشكل، أعادت حربٌ بدأت في نطاق جغرافي محدود رسمَ معالم السياسة على المستويين الإقليمي والعالمي؛ معالم لم تُرسَم هذه المرة بتوقيعات دبلوماسيي البيت الأبيض، بل بفعل الضغط الشعبي، وتغير موازين القوى، وانهيار أسطورة قديمة.

شكرًا لانضمامكم إلينا في هذا الجزء من رواية الحق ؛ لحظةٌ تجاوزت دويّ الصواريخ وانهيار الأساطير، وامتدت إلى أروقة السياسة وقلوب الناس.

ما سمعناه وقلناه لم يكن مجرد خبر للنصر، بل كان رواية للإرادة والصبر ووحدة الأمم أن تُطيح بأركان الهيمنة الاستكبارية القديمة.

لكن هذه القصة لا نهاية لها؛ فإذا سطع نورٌ على قمة، فهو دعوةٌ لمواصلة الدرب. في الحلقة التاسعة، سنرافقكم في رحلةٍ نبتعد فيها عن ضجيج الميدان، ونبحث عن الصواب والخطأ في مرآة التاريخ؛ بحثٌ يُظهر أن هذه المعركة بدأت منذ فجر الخليقة، وستستمر إلى الأبد.

من أمجاد الماضي إلى همسات الحاضر، من عهود الأنبياء إلى دماء الشهداء، تُرِكَ لنا دربٌ واضحٌ يُرشدنا إلى الطريق.

في الحلقة المقبلة، سنتحدث عن انتصارات اليوم، التي رسخت في أذهاننا المعرفة والوعي، وستدوم؛ وإلا فستظل عرضة لمعارك متكررة.

إذا حفزتكم روايتنا اليوم على البحث والتحليل، فنرجو منكم مشاركة هذه القصة مع الآخرين، وإطلاعنا على أسئلتكم وآرائكم، والمشاركة في حوار يتجاوز الحدود والحواجز.

ختاماً نذكركم بأن طريق اليقظة لا يقتصر على تجاوز الحدود والمعارك، بل يشمل أيضًا تجاوز الجهل والإهمال.

ركزوا أنظاركم على الآفاق السامية، وثبتوا قلوبكم على درب الحق.

سنكون برفقتكم في هذا الدرب الأبدي.

فحتى الملتقى في الحلقة القادمة من بودكاست رواية الحق، دمتم بخير وفي أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة