وأوضح شاهوردي أن مسيرة معهد «رويّان» بدأت من مجال علاج العقم، بدعم من مؤسسة الجهاد الجامعي، حيث تطلب هذا المسار الجمع بين التطور العلمي ومراعاة الجوانب الأخلاقية والفقهية المرتبطة بتقنيات الإنجاب الحديثة.
وأضاف أن تطوير علوم الإنجاب والخلايا الجذعية لم يكن مجرد مشروع بحثي، بل جاء نتيجة مسار طويل من تراكم المعرفة، وبناء القدرات العلمية، وتدريب الكوادر المتخصصة، لافتاً إلى أن المعهد انتقل من مرحلة كان فيها الحفاظ على خط خلوي واحد داخل المختبر يمثل تحدياً كبيراً، إلى امتلاك أكثر من 300 خط خلوي تُدار بإشراف خبراء ومتخصصين.
ضوابط أخلاقية وفقهية رافقت التطور العلمي
وتحدث رئيس معهد «رويّان» عن التواصل المستمر مع المرجعيات الدينية بشأن القضايا العلمية المستحدثة، موضحاً أن الاستفسارات الفقهية المتعلقة بالخلايا الجذعية وعلاج العقم أسهمت في وضع ضوابط أخلاقية وشرعية لاستخدام هذه التقنيات وتطويرها.
وأشار إلى أن قضايا العقم ترتبط بجوانب شرعية ومسائل متعددة أخرى، ما يتطلب التعامل معها بصورة متكاملة ومتوازنة، مؤكداً أن عدم مراعاة هذه الاعتبارات قد يؤثر في مسار العديد من الأنشطة والأبحاث العلمية.
وقال شاهوردي إن التواصل المستمر مع القيادة كان يدفع العاملين إلى اعتبار أنفسهم ملزمين بإطلاع مكتب القيادة على كل تقدم علمي أو إنجاز جديد، سواء ضمن التقارير السنوية أو عند تحقيق نجاحات نوعية.
وأضاف: «كانت دعوات الخير التي كنا نشعر بأنها ترافق زملاءنا باستمرار ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلينا. وكان القائد الشهيد يدوّن ملاحظاته على التقارير، ويعبّر عن تقديره بعبارات مثل: “أحسنتم” و“وفقكم الله”، وهو ما كان يبعث فينا شعوراً عميقاً بالتقدير والدعم».
وأوضح أن جانباً من المراسلات كان يتعلق بالقضايا الشرعية المرتبطة بأبحاث الخلايا الجذعية وعلاج العقم، حيث كانت تُوجَّه استفتاءات إلى العلماء والجهات الدينية المختصة، ومن بينها مكتب القائد الشهيد.
وأشار إلى أن الفقه الشيعي يتمتع بحيوية ومرونة كبيرتين، ويقدّم رؤى معاصرة تتناسب مع القضايا العلمية المستجدة، مؤكداً أن هذه الرؤية أسهمت في التعامل مع التطورات الحديثة وفق ضوابط شرعية تراعي طبيعة كل موضوع ومتطلباته.
توصية لافتة من القائد الشهيد
وتحدث شاهوردي عن إحدى المراسلات التي تناولت دخول الباحثين في مجال الاستنساخ وإنتاج الأنسجة البشرية، مشيراً إلى أن القائد الشهيد قدّم حينها توجيهاً عميقاً ترك أثراً واضحاً في الباحثين والعاملين، وعكس رؤية استشرافية للمستقبل.
وقال إن القائد أوصى بأن يُطلب من الباحثين تقديم هذه الإنجازات العلمية المفيدة والقيّمة إلى الشعب، مع التأكيد على ضرورة الحذر من أن يؤدي إنتاج «القطع البديلة» للأعضاء البشرية إلى استنساخ إنسان كامل.
وأوضح أن هذا التوجيه ينظر إلى تطوير الأنسجة والأعضاء البديلة بوصفه إنجازاً علمياً مهماً، لا سيما في ضوء التطورات الحالية في هندسة الأنسجة، التي تهدف إلى تنمية أعضاء بشرية داخل نماذج حيوانية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام علاج المرضى وتعويض الأعضاء التالفة.
وأشار إلى أن قضية الاستنساخ البشري كانت من أبرز الملفات التي احتاجت إلى توضيحات فقهية، مؤكداً أن التوجه كان نحو توظيف التكنولوجيا الحديثة في المجالات العلاجية، مع تجنب المسارات التي قد تتعارض مع القيم الأخلاقية والضوابط الشرعية.
وقال شاهوردي إن استخدام تقنيات هندسة الأنسجة يهدف إلى تطوير ما يمكن وصفه بـ«قطع الغيار البشرية» في المجال الطبي، مثل تنمية الأنسجة والأعضاء ضمن نماذج حيوانية لأغراض علاجية، وليس إنتاج إنسان مستنسخ.
أبحاث تحولت إلى تطبيقات علاجية
وأكد رئيس معهد «رويّان» أن العديد من الأبحاث التي بدأها المعهد قبل نحو عقدين وصلت اليوم إلى مرحلة التجارب السريرية، ولا سيما في مجالات أمراض الجهاز العصبي، والعظام والغضاريف، وأمراض الجلد.
وأوضح أن بعض المنتجات العلاجية حصلت على تراخيص من الجهات الصحية الإيرانية، وأن نتائج إيجابية ظهرت لدى مرضى كانت خيارات العلاج المتاحة لهم محدودة في السابق.
وأضاف أن إيران تمكنت من تحويل الأبحاث الأساسية إلى تطبيقات علاجية بفضل تراكم الخبرات في علوم الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية، مشيراً إلى أن الانتقال من المختبرات البحثية إلى المجال السريري يتطلب الالتزام بمعايير دقيقة، وتوفير بيئات إنتاج متخصصة، وضمان مستويات عالية من الرقابة والجودة.
وقال شاهوردي إن معهد «رويّان» التابع للجهاد الجامعي بدأ نشاطه من خلال العمل في مجال علاج العقم، موضحاً أن طبيعة الجهاد الجامعي تقوم على تلقي دعم مالي محدود من الحكومة، فيما يتم تأمين بقية النفقات من خلال الأنشطة العلمية، وتسويق المعرفة والخبرات التقنية، والإيرادات الناتجة عن مشاريعه ومبادراته المختلفة.
وأضاف أنه عندما دخل الجهاد الجامعي للعلوم الطبية في إيران مجال الأنشطة البحثية، كان العقم أحد أبرز القضايا التي حظيت بالاهتمام، باعتباره من المشكلات المهمة في هذا المجال.
وأوضح أنه في إطار توفير الموارد المالية والحصول على أشكال الدعم الأولية، يجدر استذكار الراحل الدكتور كاظمي، الذي كان يتابع هذا الملف، لافتاً إلى أن مكتب قائد الثورة الإسلامية كان من بين الجهات التي قدمت دعماً لهذا المشروع.
وبيّن شاهوردي أن مجال علوم الإنجاب يشهد اليوم طرح قضايا وتحديات متعددة، محذراً من أن عدم التزام العاملين في هذا القطاع بمجموعة من المبادئ والضوابط قد يؤدي إلى وقوع أخطاء عديدة.
وأكد أن هذه التحديات قد تشكل في بعض الأحيان عائقاً أمام تقدم هذا العلم وتطويره، ما يبرز أهمية الالتزام بالأطر العلمية والأخلاقية والشرعية، بما يضمن استمرار مسيرة البحث والتطوير بصورة مسؤولة.
من «رويانا» إلى العلاج الجيني
وأشار شاهوردي إلى أن تجربة الاستنساخ الحيواني شكّلت خطوة مهمة نحو تطوير تقنيات أكثر تقدماً، من بينها العلاج الجيني.
وأوضح أن تجارب استنساخ حيوانات معدلة وراثياً، ومنها الماعزان «شنغول ومنغول»، ساعدت الباحثين على تطوير تقنيات إدخال جينات بشرية إلى خلايا حيوانية بهدف إنتاج بروتينات علاجية.
وأكد أن العلاج الجيني أصبح من المسارات الحديثة الواعدة لعلاج أمراض كانت تُعد سابقاً صعبة العلاج، ولا سيما الأمراض ذات المنشأ الوراثي وبعض أنواع السرطان.
حضور إيراني في خارطة الخلايا الجذعية العالمية
وقال شاهوردي إن إيران تمكنت من تحقيق موقع متقدم في مجال الخلايا الجذعية، مشيراً إلى أن إنتاج أول خطوط للخلايا الجذعية الجنينية جعل البلاد ضمن الدول الرائدة في هذا المجال.
وأضاف أن التقارير الدولية الخاصة بالطب التجديدي أظهرت حضور إيران ضمن الدول المؤثرة، موضحاً أن البلاد أصبحت ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في هذا القطاع، وتحتل موقعاً متقدماً من حيث عدد المنتجات الخلوية المسجلة.
إنجاز الاستنساخ الذي نال إشادة دول عربية
وتطرق رئيس معهد «رويّان» إلى مشروع استنساخ الحيوان «رويانا»، مؤكداً أنه كان إنجازاً علمياً بارزاً على مستوى المنطقة.
وقال إن الدكتور علي أكبر صالحي، المسؤول السابق في منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، أشار إلى أن إعلان نجاح استنساخ «رويانا» حظي بترحيب من عدد من الدول العربية، التي اعتبرت الإنجاز خطوة عززت حضور العالم الإسلامي في المجالات العلمية الدولية.
وأضاف أن امتلاك إيران خبرة طبية تاريخية إلى جانب التطور في العلوم الحديثة يمكن أن يسهم في تعزيز مكانتها في مجال السياحة العلاجية على مستوى المنطقة.
ريادة إقليمية في تقنيات الاستنساخ
وأكد شاهوردي أن إيران تتصدر دول المنطقة في مجال تقنيات الاستنساخ، مشدداً على أن أهمية هذا الإنجاز لا تقتصر على رمزيته، بل تتمثل أيضاً في الخبرات العلمية التي أتاحها لتطوير مجالات متقدمة، مثل العلاج بالخلايا، والطب التجديدي، والعلاج الجيني.
وأوضح أن هذه الإنجازات جاءت نتيجة أكثر من ثلاثة عقود من البحث والتجارب وتراكم المعرفة العلمية، ولم تكن حصيلة جهود قصيرة الأمد.
علاج العقم وتحديات المجتمع
وفيما يتعلق بالعقم، أوضح شاهوردي أن الدراسات تشير إلى أن نسبة الأزواج الذين يعانون من العقم تتراوح عالمياً بين 10 و15 بالمئة، وقد تصل في بعض الدراسات إلى نحو 20 بالمئة.
وأشار إلى أن أسباب العقم تتوزع تقريباً بين عوامل مرتبطة بالنساء بنسبة 40 بالمئة، وعوامل مرتبطة بالرجال بنسبة مماثلة، إضافة إلى حالات أخرى غير معروفة الأسباب.
ولفت إلى أن عوامل مثل تأخر سن الزواج والإنجاب، وتغير نمط الحياة، وقلة الحركة، والتغذية غير الصحية، والضغوط النفسية، أسهمت في زيادة تحديات الخصوبة.
وأكد أن تقنيات الإخصاب المساعد ساعدت آلاف الأشخاص على تحقيق حلم الإنجاب، مشيراً إلى أن تطور وسائل العلاج أدى إلى تحسن فرص النجاح لدى العديد من الحالات التي كانت تُصنّف سابقاً ضمن حالات العقم.
وختم شاهوردي بالتأكيد على ضرورة مواصلة دعم قطاع علاج العقم والطب التجديدي عبر زيادة الاستثمارات وتوفير التسهيلات اللازمة، نظراً لأهمية هذه المجالات في تحسين الصحة العامة وتعزيز مكانة إيران العلمية على المستويين الإقليمي والدولي.