مرحبًا بكم مستمعينا الأعزاء في حلقة جديدة من بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا".
سأرافقكم في هذه الحلقة المهمة، لنناقش سويًا موضوعًا يعد من أبرز محاور القوة والنفوذ في السياسة الأمريكية: اللوبي الصهيوني.
في هذه الحلقة والتي تليها، سنسلط الضوء على تاريخ اللوبي الصهيوني، دوره، وأثره العميق على مراكز القرار في الولايات المتحدة.
كما تعلمون، مصطلح "اللوبي" أو "جماعة الضغط" أصبح جزءًا لا يتجزأ من السياسة في العالم، وخصوصًا في الولايات المتحدة. فهناك عشرات اللوبيات المختلفة، لكل منها أجندته ومصالحه، وتعمل هذه الجماعات بنشاط خلف الكواليس للتأثير على القوانين، والسياسات، وقرارات الحكومة.
أما في أمريكا، فاللوبيات ليست مجرد مجموعات ضغط عادية، بل أصبحت أدوات أساسية في صناعة القرار السياسي. وفهم السياسة الأمريكية الحديثة لا يمكن أن يكون دقيقًا دون فهم دور هذه اللوبيات.
في هذه الحلقة، سنبدأ الحديث عن اللوبي الصهيوني، أحد أقوى وأقدم جماعات الضغط في الولايات المتحدة.
سنحاول معًا أن نفهم:
"كيف نشأ هذا اللوبي؟ أين يتمركز تأثيره؟ وما الذي يجعل نفوذه بهذا الحجم داخل مؤسسات القرار الأمريكي؟"
ابقوا معنا، في رحلة استكشافنا العميقة هذه في عالم النفوذ السياسي، حيث المصالح، والمال، والسياسة كلها تتقاطع.
لماذا تُعتبر أمريكا أقرب حليف لإسرائيل في العالم؟ لماذا تتمسّك الحكومات الأمريكية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، بهذه العلاقة بل وتعمل على تقويتها باستمرار؟
ولماذا يبدو أن مسألة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في السياسة الأمريكية لا تختلف من حزب إلى آخر، وكأن هناك حزبًا واحدًا فقط يتحدث باسم الجميع؟
ما السبب في أن مَن يدعمون الفلسطينيين داخل الولايات المتحدة يُعدّون على أصابع اليد، سواء من السياسيين أو من عامة الناس؟.
ولماذا ترتبط سياسة أمريكا في غرب آسيا غالبًا بمصالح إسرائيل؟ حتى ولو كلّف ذلك واشنطن ثمنًا سياسيًا باهظًا؟.
أسئلة كثيرة من هذا النوع تُطرح في مراكز البحث وعلى طاولات التحليل في مختلف أنحاء العالم. وغالبًا ما تتجه أصابع الإجابة إلى جهة واحدة: اللوبي الصهيوني في أمريكا.
بحسب العديد من المحللين، فإن النفوذ الكبير الذي تمارسه شخصيات يهودية، سياسيون صهاينة، منظمات قوية، ووسائل إعلام مملوكة أو مؤثرة... كل ذلك يُفسر الدعم الأمريكي القوي لإسرائيل.
اللوبي الصهيوني يُعرف في الولايات المتحدة باسم "اللوبي الإسرائيلي"، لكن الصهاينة يفضّلون تسميته بـ "اللوبي اليهودي الأمريكي" لإضفاء طابع قومي أو ديني عليه بدلًا من الإشارة المباشرة إلى دولة أجنبية.
الباحثان الأمريكيان المعروفان، ستيفن والت وجون ميرشايمر، أوضحا في كتابهما الشهير أن المقصود بـ اللوبي الإسرائيلي هو مجموعة من الأفراد والمنظمات التي تعمل بنشاط على التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية لخدمة إسرائيل.
لكن، المهم هو أنه ليس كل اليهود الأمريكيين جزءًا من هذا اللوبي، وليس جميعهم يدعمون سياسات إسرائيل.
الرئيس السابق لأقوى جماعة في هذا المجال وهي "إيباك" (AIPAC) توماس دين، وصف اللوبي المؤيد لإسرائيل بأنه شبكة عابرة للأحزاب، والأعراق، والأديان، تتكوّن من يهود ومسيحيين، شباب وكبار السن، بيض وسود، ليبراليين ومحافظين، ديمقراطيين وجمهوريين... كلهم يعملون من أجل تعميق العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
لكن هناك ملاحظات مهمة عن تركيبة هذا الدعم داخل أمريكا:
1. الجمهوريون أكثر دعمًا لإسرائيل من الديمقراطيين والمستقلين، ومع ذلك معظم اليهود الأمريكيين ينتمون للحزب الديمقراطي.
2. المحافظون أكثر دعمًا لإسرائيل من الليبراليين والمعتدلين، رغم أن غالبية اليهود أمريكيي الهوى هم ليبراليون أو معتدلون.
3. رغم أن غالبية اليهود يعيشون في الشمال والغرب إلا سكان الجنوب من الأمريكيين أكثر تأييدًا لإسرائيل من سكان باقي المناطق.
4. في انتخابات عام 2000، أظهر أنصار جورج بوش دعمًا أكبر لإسرائيل من أنصار آل غور، لكن 75% من اليهود صوّتوا لآل غور!
5. الكثير من قوانين دعم إسرائيل يتم اقتراحها من قبل جمهوريين لا يقطن في دوائرهم عدد كبير من اليهود، ولا يحصلون على تبرعات كثيرة من الجماعات اليهودية، بخلاف الديمقراطيين.
إذًا، من الخطأ اختزال دعم أمريكا لإسرائيل فقط في "صوت الناخب اليهودي" أو "أموال اللوبي اليهودي". هناك جانب آخر مهم جدًا: الدعم غير اليهودي لإسرائيل، وخاصة من قبل الصهاينة المسيحيين، مثل المحافظين الإنجيليين، وحماة اليمين المسيحي، والجنوبيين البيض.
كل هؤلاء يشكّلون كتلة دعم ضخمة لإسرائيل، سواء في الكونغرس أو بين الناخبين، وهم جزء لا يتجزأ من القوة التي تحرّك السياسات الأمريكية في غرب آسيا.
في الواقع، ليست الصهيونية في أمريكا مجرد فكرة سياسية بل مشروع ثنائي الحزبية ومسيحي-يهودي، لا مثيل له في أي مكان آخر في العالم.
منذ أربعينيات القرن الماضي، اتفق كل من الجمهوريين والديمقراطيين على دعم إسرائيل بشكل كامل.
وكان الرئيس الأمريكي هاري ترومان أول زعيم في العالم يعترف رسميًا بقيام إسرائيل.
وبعده جاء رؤساء مثل آيزنهاور، كينيدي، وجونسون، والذين ساهموا في بناء شراكة استراتيجية بين أمريكا وإسرائيل.هدف هذه الشراكة كان ضمان الوصول إلى نفط غرب آسيا ومنع الاتحاد السوفييتي من التغلغل في المنطقة خلال الحرب الباردة.وقد ازدادت هذه العلاقة قوة ومتانة في عهد رونالد ريغان.
منذ حرب أكتوبر 1973، أصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل هو أقوى دعم قدّمته واشنطن لأي دولة في العالم.
منذ عام 1976، أصبحت إسرائيل أكبر متلقٍ للمساعدات الأمريكية، سواء كانت مالية أو عسكرية.
وقد تجاوزت قيمة هذه المساعدات 40 مليار دولار منذ الحرب العالمية الثانية.
تحصل إسرائيل سنويا على حوالي 3 مليارات دولار من الدعم المباشر، أي ما يعادل خُمس ميزانية المساعدات الخارجية الأمريكية.
ليس هذا فقط، بل إن إسرائيل تحصل على الأموال دفعة واحدة في بداية السنة المالية، على عكس الدول الأخرى التي تتلقى دعمها على شكل أقساط.
كما أن إسرائيل الوحيدة التي يُسمح لها باستخدام نحو 25% من الدعم العسكري داخل شركاتها الدفاعية المحلية، ولا تُلزم حتى بإعطاء تقرير مفصل عن كيفية استخدام الأموال.
أما على صعيد المعلومات العسكرية، فإسرائيل تحصل من أمريكا على معلومات حساسة لا تُمنح حتى لحلفاء واشنطن في حلف الناتو.
ولعل الأهم أن الولايات المتحدة تغض الطرف عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، في وقتٍ تفرض فيه قيودًا صارمة على دول أخرى.
دبلوماسيًا، استخدمت أمريكا حق النقض "الفيتو" عشرات المرات في مجلس الأمن لصالح إسرائيل.
وبحسب بعض المحللين، كان من الممكن فهم هذا السخاء الكبير عندما كانت إسرائيل تمثّل ورقة استراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة... لكن اليوم، يرى كثيرون أن هذا الدعم لم يعد فيه أي فائدة استراتيجية حقيقية، بل صار عبئًا ثقيلًا على واشنطن.
على سبيل المثال: في حرب أكتوبر عام 1973، حين قدّمت أمريكا لإسرائيل مساعدات عسكرية بقيمة 2.2 مليار دولار، تسبّب ذلك في حظر نفطي عربي أثّر بشكل سلبي على الاقتصاد الأمريكي والغربي عمومًا.
في حرب الخليج الفارسي الأولى عام 1991، ظهر بوضوح أن إسرائيل عائق استراتيجي، حيث لم تستطع أمريكا استخدام قواعد إسرائيلية دون أن تُعرّض التحالف الدولي للخطر.
بل إن أمريكا اضطرت حينها لاستخدام صواريخ باتريوت لحماية إسرائيل، في حين لم تستطع إسرائيل فعل أي شيء لمساعدة أمريكا ضد صدام حسين.
والأمر تكرّر مجددًا عام 2003 في غزو العراق؛ حيث لم يكن لإسرائيل أي دور يذكربالرغم من الدعم الكبير الذي تلقته.
والآن نصل إلى آخر التطورات...
من أكتوبر 2023 وحتى اليوم – يوليو 2025 – نفذت إسرائيل حربًا مدمّرة على غزة، وصفت على نطاق واسع بأنها حرب إبادة جماعية.
في هذه الحرب، استشهد أكثر من 40 ألف فلسطيني، وأُصيب أكثر من 95 ألفًا بجروح، معظمهم من النساء والأطفال.
ورغم فداحة الجرائم، قدّمت الولايات المتحدة دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا كاملًا لإسرائيل طوال هذه الحرب.لكن هذا الدعم كشف عن تراجع كبير في صورة أمريكا، التي لطالما ادعت الدفاع عن حقوق الإنسان.
بل إن هذا الدعم أصبح مصدر إحراج داخلي، حيث خرجت مظاهرات ضخمة في المدن الأمريكية ضد الحرب، وضد دعم الحكومة الأمريكية لها.وأصبح هذا الملف أزمة حقيقية لإدارة الرئيس جو بايدن، وفضح الفجوة بين السياسة الرسمية ورأي الشارع الأمريكي بشأن ما يحدث في غزة.
يرى الكاتب روزنتال أن هذا الدعم يعود بشكل كبير إلى تأثير ونفوذ اليهود الأمريكيين داخل المؤسسات السياسية، الاقتصادية، الثقافية وحتى الإعلامية في الولايات المتحدة.
ورغم أن بعض اليهود الأمريكيين لا يوافقون تمامًا على جميع سياسات إسرائيل، إلا أنهم يدعمونها بشكل واضح.
ومن أبرز ملاحظاته هي:
أولاً: تمثيل اليهود في الكونغرس أعلى من نسبتهم السكانية. فبينما يشكل اليهود 2 إلى 3٪ من السكان فقط، إلا أن نحو 10٪ من أعضاء الكونغرس هم من اليهود.
ثانيًا: اللوبيات اليهودية قوية جدًا، وعلى رأسها منظمة "إيباك" (AIPAC). مجلة "فورتشن" صنّفتها سابقًا من أقوى اللوبيات في واشنطن، إلى جانب منظمات كبرى مثل اتحاد المتقاعدين ونقابات العمال.
ثالثًا: يصوت اليهود غالبًا للحزب الديمقراطي بشكل منظم ومنسجم، ومنذ عشرينيات القرن الماضي، يصوتون لمرشحي هذا الحزب، ومعظم ممثليهم في الكونغرس ينتمون له.
وأخيرًا، لا يمكن تجاهل العامل الديمغرافي؛ فهناك 18 مليون يهودي حول العالم، ويعيش العدد الأكبر منهم في الولايات المتحدة وإسرائيل. نصفهم تقريبًا يسكنون في ست مدن فقط: تل أبيب، نيويورك، حيفا، لوس أنجلوس، القدس وفلوريدا الجنوبية.
لكن السؤال المهم هنا:
"هل الدعم الأمريكي لإسرائيل سببه فقط النفوذ اليهودي؟"
الجواب:
"لا. فالنفوذ المسيحي، وخاصة اليمين المسيحي المتدين، كان له دورٌ محوري أيضًا".
كثيرون يظنون أن "الصهيونية المسيحية" أمر حديث، لكن الحقيقة أنها نشأت قبل قيام دولة إسرائيل.
الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون يُعتبر من أوائل القادة المؤمنين بالصهيونية المسيحية، وقد لعب دورًا كبيرًا في دعم إصدار "وعد بلفور" عام 1917 الذي مهد لقيام دولة إسرائيل، بضغط من شخصيات يهودية نافذة مثل لويس برانديس.
لكن اللافت أن هذه الصهيونية المسيحية تتناقض تمامًا مع الموقف التاريخي للكنائس الأوروبية.
ففي الماضي، كانت الكنائس، سواء كاثوليكية أو بروتستانتية أو أرثوذكسية، تعتبر اليهود أعداء الدين.
وفي الثمانينيات، حذّرت مجالس كنائس دولية من الصهيونية المسيحية واعتبروها منحرفة وخطيرة، وحتى وصفها البعض بأنها طائفة دينية خارجة عن المسيحية التقليدية.
تاريخيًا، كان من الشائع إدانة الحركات اليهودية المسيحية، وحتى بعد أن فقدت الكنيسة هويتها اليهودية ووجدت نفسها حرة في نشر دين جديد منفصل عن اليهودية، وُصف المسيحيون الذين أيدوا اليهود بـ"المتهودين".
ونظرًا لهذه التباينات في وجهات النظر داخل المسيحية، فليس من المستغرب أن نرى أن البروتستانت في الولايات المتحدة أكثر ميلًا من الكاثوليك لدعم إسرائيل لأسباب دينية.
يرى اليمين المسيحي في إسرائيل أكثر من مجرد دولة، بل كيانًا مقدسًا ومختارًا من الله.
يقول الزعيم المسيحي جيري فالويل علنًا إن أمريكا مضطرة لدعم إسرائيل، لأن أي تراجع في الدعم سيُغضب الله، وقد يُعاقب الشعب الأمريكي!في نظرهم، إسرائيل لا تخطئ، لأنها ببساطة أمة مختارة من الله.
ويؤمنون بأن كل ما حدث – من تأسيس إسرائيل عام 1948 إلى احتلال القدس الشرقية في 1967 – علامات تؤكد نبوءات الكتاب المقدس، وأن عودة المسيح أصبحت قريبة.فالويل نفسه صرّح بأن إسرائيل ما كانت لتنتصر في حرب الأيام الستة لولا تدخل الله مباشرة.
إذن، نحن أمام مشهد معقد يتشابك فيه الدين بالسياسة، والعقيدة بالمصالح، واليهود بالمسيحيين، من أجل دعم كيان واحد: إسرائيل.
أعزّاءنا المستمعين،إذا كنتم تسمعون إلينا ، فذلك يعني أنكم استمعتم بشكل كامل إلى الحلقة السابعة من بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا"، ولهذا نحن نتوجّه إليكم بجزيل الشكر والامتنان.
في هذه الحلقة، استعرضنا معكم تاريخ اللوبي الصهيوني في أمريكا، وتحدثنا عن مكانته ومواقفه السياسية داخل الولايات المتحدة.
في الحلقة القادمة، سنواصل الحديث عن جوانب أخرى من نشاط هذا اللوبي، ونتمنى أن تكونوا معنا من جديد.
وإذا أعجبتكم هذه الحلقة، يسعدنا أن تشاركوها مع أصدقائكم.
دمتم بخير،
وإلى اللقاء.