البث المباشر

اختراع الشعب اليهودي (3)

الثلاثاء 6 يناير 2026 - 12:17 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثالثة- نواصل في هذه الحلقة رواية "شلومو ساند" حول القومية اليهودية.

إن مصطلحات "الشعب اليهودي"، و"أرض الأباء "، و"النفي"، و"الهجرة إلى إسرائيل"، و"أرض إسرائيل"، و"أرض التوبة"، وما شابهها هي المصطلحات الرئيسية في أي إعادة بناء للماضي الوطني في إسرائيل، ولكن معظم هذه المصطلحات هي افتراءات إبتدعها هذا الكيان لتشويه وخلق تاريخ وهوية وعرق لنفسه.

مرحباً بكم...

معكم ضمن الحلقة الثالثة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي". وهو بالأساس عنوان لكتاب بقلم شلومو ساند الأستاذ في جامعة تل أبيب.

ما دفعنا لمراجعة هذا الكتاب هو أن الكتاب يتحدي كل الأسس والمزاعم التاريخية للصهاينة في إنشاء دولة وهمية في فلسطين المحتلة.

من خلال كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، يقدم شلومو ساند قراءة جديدة للقضية الإسرائيلية الفلسطينية تتناقض بشكل صارخ مع ما يروج له الصهاينة وأنصارهم الغربيون في وسائل الإعلام.

بدأ الصهاينة هجماتهم الوحشية على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2022. في هذا الهجوم لم يتردد جنود الاحتلال الإسرائيلي أمام أعين العالم في ارتكاب أي جريمة رداً على الضربة التي وجهتها المقاومة الفلسطينية للكيان الإسرائيلي تعويضا عن هذه الهزيمة.

لقد اعتبر الصهاينة أن دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم لكسر الحصار الشامل المفروض عليهم منذ 17 عاماً دفاعا غير مشروع، فصنفوا حركات المقاومة الفلسطينية ضمن الجماعات الإرهابية، وفي هذا التصنيف يحظون بدعم الحكومات الغربية.

استمرارًا للبحوث التي سبقت في الحلقات الماضية من هذا البودكاست، نواصل رواية شلومو ساند حول القومية اليهودية.إذن إبقوا معنا.

وفقا لرؤية شلومو ساند فإن جذور القومية اليهودية ودواعي إنشاء دولة إسرائيل اليهودية، تعود إلى الحركات القومية الأوروبية قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية. إذ من القضايا المهمة التي يتناولها هذا الكتاب السبب وراء إصرار الصهاينة على خلفية الشعب اليهودي وتاريخه. وكما سنرى لاحقا في هذه الحلقة، فإن سبب هذا الإصرار والتشبث هو خلق دولة مركزية، لتحقيق المصالح التي يسعى الصهاينة إلى تحقيقها.

في هذا السياق، قام شلومو ساند بدراسة وشرح الجذور الراسخة للاتجاه القومي في تشكيل الدولة اليهودية. فيبدأ في الفصل الأول من الكتاب بدراسة كلمة "أمة" في مختلف اللغات الأوروبية، ويقول إن كلمة "أمة" في العبرية الحديثة تُرجمت إلى Leom ليوم أو Umah أوماه (أمة).

يدعو الكاتب ساند أيضًا إلى التوقف والتأمل، ودراسة المفهومين (اللذين يصفهما بالإشكاليين) هما "الشعب" و"الأمة". ويقول إن كلمة (أمه) في العبرية القديمة ومعناها في اللغات الأخرى كلمة كثيرة الاستخدام .

ويقول أيضًا إن جميع كتب التاريخ المنشورة في إسرائيل تستخدم كلمة "أمة" كمرادف لكلمة "ليؤم" . اللافت هو أن الكتب "المنشورة" هي التي فعلت ذلك، وليس الأعمال غير المنشورة!.

ويجب علينا أيضًا الانتباه إلى سلاسة الكلمات المستخدمة. على أية حال، فمنذ البداية، ينتبه مؤلف الكتاب ويؤكد قضية تزوير تاريخ اليهودية، بنفس الدقة التي يركز بها على الكلمات.

إذا رافقنا شلومو ساند في سيره و بحثه وفحصنا أحداث القرن العشرين في أوروبا، فيجب أن نقول إنه بعد النصف الأول من القرن العشرين (الذي يصفه بالفترة المميتة)، تم رفض مفهوم "العرق" من الأساس فقد استخدم العديد من المؤرخين مفهوم "العرقية" أو(الإثنوس) في مجال الحفاظ على ارتباطهم بالماضي البعيد. وبحسب التعريف الذي قدمه الباحث البريطاني أنطوني سميث فإن "العرقية" لم تعد مجتمعاً لغوياً له أسلوب حياة مشترك، بل ينبغي أن ترتبط بإقليم واحد فقط.

يتوافق تعريف سميث للعرق أو القومية مع النظرة الصهيونية للوجود اليهودي في التاريخ. في أحد هوامش كتابه يقدم شلومو ساند ملاحظة مثيرة للاهتمام وهي:

"ليس من المستغرب أن يكون سميث بمثابة نعمة غير متوقعة للمؤرخين الصهاينة الذين يحاولون تعريف الشعب اليهودي". المسألة الأخرى التي يثيرها ساند في هذا الصدد تتعلق بمفهوم "الشعب" في المجتمعات العلمانية والإشارة إلى الثقافات الدينية.

فهو يعتقد أن الثقافات الدينية، مثل الثقافة الشعبية أو لغة الجهاز الإداري للدولة الحاكمة، كانت في بعض الأحيان بمثابة مواد قيمة لبناء الأمم. وفي هذا الصدد، تعد بلجيكا وباكستان وأيرلندا وإسرائيل على الرغم من اختلافاتها العديدة إلا أنها أمثلة جيدة يمكن الإشارة إليها في هذا الإطار.

ومن بين الأمور التي قام بها الإسرائيليون في بناء تاريخهم المزيف هو تقليص القدرية الدينية وتعزيز النهج التاريخي.

في نفس القسم من الكتاب، يشير شلومو ساند إلى كيفية تشكيل الأمم وتاريخها، ويقول: "عندما تتولى مجموعات بشرية كبيرة، وخاصة النخب السياسية والفكرية، مسؤولية مصيرها وتبدأ في بناء التاريخ الوطني، فمن المؤكد أن يحدث انخفاض كبير في الرغبة إلى القدرية الدينية".

ولمزيد من الإيضاح، يتطرق في أحد هوامش كتابه إلى إيران والثورة الإسلامية قائلاً:

"من المثير للدهشة أن الجمهورية الإسلامية في إيران لا تناقض هذا الموقف". "فقد سعت الثورة الإسلامية إلى إيصال رسالة الإسلام إلى العالم أجمع، إلا أنها في الواقع نجحت بالدرجة الأولى في بناء الأمة الإيرانية."

"تُظهر الوثائق التاريخية أن القرن التاسع عشر شهد صعود القومية في أوروبا، بينما كان القرن العشرون فترة هيمنة هذه القومية وتعزيزها. وقد أدت هذه التطورات إلى ظهور خطط استعمارية أوروبية جديدة.

يرى شلومو ساند أن القومية تكونت من رحم الحضارة المسيحية، ويعتبرها الكثيرون شكلًا من أشكال الدين الحديث. ومع ذلك، يحذر ساند من أننا يجب ألا ننسى أن الفاشية والاشتراكية الوطنية (النازية) كانتا نوعين من القومية العدوانية المتطرفة، قبل أن تظهرا كردود فعل قمعية على الصراع بين رأس المال والعمال.

بمعنى آخر، كانت الفاشية والنازية حركتين قوميتين متطرفتين عنيفتين. وغالبًا ما كان الداعمون الرئيسيون للاستعمار والإمبريالية الحديثة من الدول القومية الليبرالية حركات وطنية شعبية. ووفرت الأيديولوجية القومية الأساس العاطفي والسياسي الذي استُخدم لتبرير كل مرحلة من مراحل التوسع الاستعماري."

إن هدف شلومو ساند من الإشارة إلى ظاهرة الاستعمار هو الوصول إلى أحد فروعها، وهو الاستعمار الصهيوني. إذ يرى أن هذا النوع من الاستعمار كان موجودًا في نهاية عشرينيات القرن الماضي وبعد الحرب العالمية الأولى.

قبل الإشارة إلى تشكيل الاستعمار الصهيوني، من الجيد أن نشير إلى الجمل الختامية للفصل الأول من الكتاب، والذي كُتب تحديدًا عن بناء الأمة والقومية في أوروبا والقومية الإسرائيلية. يعتقد شلومو ساند أن القومية وبمساعدة المؤرخين أصبحت أيديولوجية متفائلة بشكل أساسي، وكان هذا سر نجاحها. وبناءً على ذلك، يقول:

"إنه لا عجب أن يكون المؤرخون هم الأكثر قومية من بين جميع الفروع الفكرية". إحدى الجمل المهمة لشلومو ساند أيضًا في الفقرة الختامية لهذا الفصل من الكتاب، والتي سنفهم معناها بشكل أفضل في الفصول اللاحقة، هي: "أن التجارب المؤلمة في الماضي تُستخدم كمبرر أو مسوغ للمطالب الحالية التي تُفرض على المواطنين."

فيما يخص موضوع القومية والاستعمار الصهيوني ، نصل في الكتاب إلى نقطة يقول فيها ساند إن القومية ظاهرة أصيلة في الغرب ، باستثناء أيرلندا ، وكمثال يشير إلى الصهيوني التشيكي الألماني هانز كون. وفي نفس الكتاب ، يشير ساند إلى قضايا قصيرة ومكثفة ومثيرة للاهتمام حول انتشار القومية في أوروبا والولايات المتحدة ، وبعض أجزائها تستحق الاهتمام بها.

على سبيل المثال ، يقول لكي تصبح مواطنا في الولايات المتحدة ، أو بريطانيا ، أو فرنسا ، أو هولندا ، أو سويسرا ، يعتمد ذلك على أصل المرء ونسبه ، وكذلك على الرغبة في الانضمام. أو في المانيا يكون عامل الدم والتربة سمة من سمات القومية فيها. في معظم الحالات، تظهر القومية عندما تكون الدولة منشغلة بالتحديث والنمو أو أنها تسعى لذلك. تستمد هذه القومية أفكارها من تقاليد عصر النهضة والتنوير، وتستند مبادئها إلى الفردية والليبرالية القانونية والسياسية.

عندما نقلب صفحات التاريخ، نجد أن العداء بين ألمانيا وفرنسا أنه عداء تاريخي، ولا يقتصر على الحرب العالمية الأولى أو الثانية. في هذا الإطار يقول ساند :" كان هناك دائما فرنسيون يعتبرون أنفسهم أحفادا مباشرين لقبائل الغول ويصرون على عداوتهم مع الألمان في إطار نضال أبدي ضد قبائل الفرنجة التي كانت تهاجم من الشرق.

بالنظر إلى أماكن أخرى في الغرب ، نرى أنه طوال القرن التاسع عشر بأكمله ، كانت الهوية الأنجلو ساكسونية البروتستانتية هي المحور الرئيسي للقومية الأمريكية. وعلى الرغم من الحركات العديدة في ألمانيا وبولندا وليتوانيا وأوكرانيا وروسيا، المؤيدة لتعريف الهوية الوطنية على أساس سياسي للمواطنة، استمرت مجموعات مختلفة في مواصلة الأساطير حول الجذور القديمة المتجانسة.

من منظار أنصار القومية فإن الألمان أو البولنديين وأحفادهم في الولايات المتحدة يُعتبرون أعضاء الأمة الألمانية أو البولندية ، وقد جعل استخدام الأساطير القديمة والخاطئة من الممكن قيام الكروات الكاثوليك بالاحتكاك مع الصرب الأرثوذكس وجعل كلاهما يقومون بإبادة البوسنيين والكوسوفيين المسلمين ".

وظلت ألمانيا وأوروبا الشرقية تهيمن عليها القومية العرقية المتعصبة ، ولم تضعف الهويات العرقية في أوروبا الوسطى والشرقية إلا مع نمو المجتمع الأوروبي وتراجع القومية التقليدية.

من خلال تركيز أكبر على موضوع القومية اليهودية التي نتوقف عندها، نصل إلى استنتاج مفاده أن هذا النوع من القومية، هو شكل من أشكال هذه الحركة، حيث سعى إلى عصر ذهبي وأبطال في الماضي، أي نفس التاريخ أو الشخصيات الأسطورية التي نواجهها اليوم في تاريخ اليهودية. في هذا السياق يشير ساند إلى توجه اليهود إلى "مملكة داود الأسطورية".

على هذا الصعيد، وفي مجال وضع تاريخ مشرف للغربيين، والذي ورد ذكره أيضا في كتاب "اختراع الشعب اليهودي" ، يمكننا أن نشير إلى خلق العرق والأصل الألماني ، الذي كتب عنه ساند: "إهتم الكتاب الألمان بكل شغف برواية تاسيتوس حول أرمينيوس ، الذي قاد قبيلة كروسكي القديمة ، وأطلق عليه اسم أبو أمتهم".

أدى المؤرخ الإسرائيلي هاينريش غريتز وأنشطته دورًا مهمًا في كتاب "اختراع الشعب اليهودي" لشلومو ساند ، الذي وصفه في الكتاب بالمبدع العظيم ويقول إن عمله التاريخي في إسرائيل والشعب اليهودي يتعارض مع التاريخ القديم لجوزيفوس (أول مؤرخ لليهودية).

يقول إن غريتز ألغى المعجزات الأولية لجعل عمله أكثر علمية. وفقًا لمؤلف الكتاب ، "بالنسبة لأولئك الذين لم يتمكنوا من قبول الأساطير الوطنية الناشئة أمام أعينهم ، كان الخيار الوحيد هو ابتكار أسطورة وطنية مماثلة والتمسك بها." وكان العهد القديم هو المصدر الأدبي لهذه الأسطورة.

يمكن العثور على كتابات قومية إسرائيلية أخرى في أعمال اليهودي اليساري موزس هس. قام هس بتأليف كتابه "روما والقدس: القضية القومية الأخيرة" في عام 1868.

لقد اعتبره شلومو ساند كأول شيوعي في ألمانيا قائلا:

"إن جريتس قرأ كتاب "روما والقدس" قبل أن يجتمع مع مؤلفه، وقد تمت صداقة وثيقة بينهما إلى حين موت هس عام 1875. بعد عام من نشر كتاب هس نشرجريتس مقالًا بعنوان "إحياء السلالة اليهودية". وقد بدأ اختراع الشعب اليهودي بكتابات غريتس".

يلخص شلومو ساندر في الفصل الأول من كتاب "اختراع الشعب اليهودي" بالقول:"

إن الحركات القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا أدت إلى تشكيل الحركة القومية والاستعمارية لليهود والصهاينة، الذين أحدثوا تغييرات في الكتاب المقدس وتاريخ الديانة اليهودية بهدف بناء دولة يهودية من أجل تحقيق أهدافهم الأخرى.

في نهاية هذه الحلقة نشير إلى عبارة مهمة لساند عن الطابع القومي والاستعماري لإسرائيل حيث يقول:

"الأساطير المهمة حول المنشأ الأبدي لأمة عجيبة خرجت من الصحراء وفتحت أراضي شاسعة وأنشأت مملكة مجيدة كانت نعمة للقومية اليهودية المزدهرة والاستعمار الصهيوني".

وهكذا نختتم الحلقة الثالثة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي" الذي كان حول كيفية تشكيل الحركة القومية والاستعمارية لليهود والصهاينة، وفي الحلقة القادمة سنتحدث عن عملية تحويل الصهاينة للكتاب المقدس إلى كتاب علماني.

يسعدنا أن تنضم إلينا في الحلقات المستقبلية وإذا أعجبك المحتوى، فشاركه مع أصدقائك أيضا.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة