البث المباشر

الإيمان فوق كل العلاقات والرغبات

الأحد 23 أكتوبر 2022 - 17:40 بتوقيت طهران
الإيمان فوق كل العلاقات والرغبات

أراد الله سبحانه وتعالى أن يوجِّه المؤمن إلى أن الإيمان يمثّل المرتبة الأعلى في كلّ العلاقات الإنسانية، وكل الأمور المتصلة بحياة الإنسان.

لذا يجب عليه أن لا يسقط أمام قراباته من الكافرين، مهما كانت درجة القرابة التي تربطه بهم، وأن لا يسقط أمام حاجاته المادية وأوضاعه الخاصَّة، بل عليه أن يجعل الإيمان فوق ذلك كلِّه، بمعنى أنَّه إذا دار الأمر بين السّير على خط ّإيمانه والإخلاص له والولاية له وللمؤمنين، وبين الولاية لأقربائه أو الخضوع لحاجاته، فعليه أن يجعل الإيمان في المرتبة العليا، وأن لا يخضع لتلك الأوضاع.

ونقرأ في هذا المجال قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ }، يعني إذا فضَّلوا الكفر على الإيمان، ورجَّحوا الانخراط في مجتمع الكفر على مجتمع الإيمان، وركَّزوا قواعدهم على أساس حركة الكفر بدلاً من حركة الإيمان، فلا تعتبروا علاقة القرابة بينكم وبينهم مبرِّراً للولاية لهم، بحيث تنصرونهم وتؤيّدونهم وتندمجون في مجتمعاتهم، أو تجعلونهم يندمجون في مجتمعاتكم، بل ليكن هناك حاجز بينكم وبينهم في ذلك.

ثم يقول سبحانه وتعالى: { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ }(التوبة: 23)، لأن على المؤمن أن يخلص لإيمانه، وأن يجعل علاقاته الإنسانيَّة في خطّ إيمانه، فمن لا يتحرك في هذا الاتجاه، فإنَّه ينحرف عن الخطّ، ومن ينحرف عن الخطّ فقد ظلم نفسه. وهذا ما أكَّده الله في قوله سبحانه وتعالى: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }(النحل: 118).

ثم يؤكِّد الله سبحانه وتعالى الخطَّ الفاصل بين المؤمن وبين الحاجات المادّيّة له، عندما يدور الأمر بين الخضوع لحاجاته الماديَّة أو الخضوع لخطِّه الإيماني كما يقول تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَ }، هؤلاء الذين ترتبطون بهم ارتباط العلاقة النسبية أو العلاقة الزوجية، أو العلاقة العصبيّة أو الاجتماعيّة، أو الأشياء المادّية التي ترتبطون بها من خلال حاجاتكم، في إشارة منه تعالى إلى كلّ التأثيرات السلبية للعلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وما إلى ذلك، بحيث تصبح المسألة في أيّهما يقدِّم؛ هل يقدِّم إيمانه على مذبح التضحية، أو يقدِّم علاقاته، أو يقدِّم عصبيَّاته، أو أنه يخشى من التزاماته الدينيَّة على تجارته، بحيث إذا التزم بالإسلام وما يمليه عليه الإيمان، فسوف ينفضّ النَّاس عنه، كما هو حال بعض المسلمين الآن الموجودين في الغرب، يقول: إذا لم أبع الخمر أو لحم الخنـزير، فإنَّه لا يشتري مني أحد، فيقدم على السَّير في مصالحه التجارية بما لا يرضي الله على حساب إيمانه؟!

{وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَ}، وذلك أنَّ الإنسان لو خيَّره بعض النَّاس بين أن يحصل على بيت مقابل أن يتنازل عن التزامه الإيماني، فهل يتركه؟.

فإذا كان ذلك {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ}، كأن يدعى شخص إلى الجهاد في مواقع وجوب الجهاد عليه، فيعتذر متذرّعاً بمختلف الحجج، إذا كان الأمر كذلك، {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ}، يعني انتظروا فيما يأتيكم من الله، { وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }(التَّوبة: 24).

 

* من كتاب "النَّدوة"، ج 16.

السيد محمد حسين فضل الله

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم